طبـاعة


حفـظ


ارسال
Bookmark and Share
الجمعة 07 ذو القعدة 1426هـ - 09 ديسمبر 2005م

أدونيس: دريدا وسارتر ليسا من الفلاسفة والمتنبي غير حداثي

 

دبي-العربية.نت

اعتبر المفكر والشاعر السوري أدونيس أن المتنبي ليس شاعراً حداثياً، مستنداً في ذلك لاعتباره أن المتنبي "كان طاغية شعرية احتضن التراث بأكمله، والتهمه وسار به كأنه عاصفة تغير وتدمر كل شيء، لكن ضمن المعايير والمقاييس والمفاهيم القائمة لعصره، ومن هنا فهو ليس بشاعر حداثي". كما أسقط أدونيس عن أبي نواس صفة الفيلسوف، "لانقاذه من التحديد المغلق لكلمة فيلسوف، الذي لا ينطبق عليه، فأسميته ميتافيزيقياً"، لكون "الشاعر الميتافيزيقي غير ملزم بالإجابة على المشكلات الثلاث، وإنما يستشف ماوراء الفيزيقا، أي ما وراء الطبيعة، فيتكلم في الفناء والخلود وعبث العالم".

وفي مقابلة أجرتها معه الزميلة سوسن بشير، ونشرتها صحيفة "الشرق الأوسط" الجمعة 9-12-2005، رأى أدونيس أن العالم يضم عدداً قليلاً من الفلاسفة، إذا انطلقنا من أن وصف الشاعر أو المفكر بالفيلسوف، يعني بالضرورة "المصطلح العلمي والفلسفي، الذي يتحقق عبر إبداء الشاعر والمفكر رأيه في الوجود والأخلاق والمصير؛ أي أصل الإنسان، والأخلاق التي يجب أن يعيشها، والمصير الذي يؤول إليه".
وأعطى أدونيس أمثلة عن الفلاسفة "القلائل" في العالم، "ومنهم أرسطو وأفلاطون قديماً، وهيجل حديثاً"، مضيفاً أن "البقية ممن يسمون بالفلاسفة من باب التوسع والتيمن هم أشخاص عالجوا قضايا فلسفية، ولم يجيبوا على الأسئلة الكبرى التي ذكرتها. ومن هنا أقول إن دريدا لا يصح أن يسمى فيلسوفاً بهذا المعنى، بل ولا حتى سارتر نفسه، وإنما هم مفكرون بحثوا في قضايا فلسفية".
واعتبر أن "كل شاعر عظيم هو شاعر ميتافيزيقي" يكتفي برؤية العين والتعبير عنها، وإنما يتخطى ذلك برؤية العين الداخلية، أي رؤية القلب. ومن هنا أتمنى فقط أن أكون شاعراً ميتافيزيقياً كأبي العلاء، لأنه من الصعب في الحقيقة أن يكون هناك شاعر فيلسوف، فأنا لا أجده في تاريخ الشعر".

عودة للأعلى

أبو العلاء والنفري

وفي رد على سؤال، رأي أدونيس ان "كل شاعر حديث في لغة ما يجب أن يعيد النظر في القيم السائدة، وأن يكوّن سلسلة من التساؤلات حول انتسابه اللغوي، وكذلك حول تحدره من أصول لغوية وقيمية واجتماعية معينة". وأشار إلى أن "أول من تساءل حول القيم السائدة وأفصح عنها بطريقة جديدة هو أبو نواس؛ الذي بحث في القيم الدينية وقيم البداوة، وانتقدها، وأقام قيم الحياة المدنية وأكد على الحرية الفردية. أما المعري فأعاد النظر كلياً في القيم السائدة لعصره على جميع المستويات، وشكك في تلك القيم، وأراد أن يؤسس لعالم جديد، والنفري كتب بطريقة مختلفة كلياً. ما أود أن أقوله إنهم بهذا المعني حديثين نسبياً داخل تراثهم وأوضاعهم التاريخية".
حديث أدونيس جاء خلال زيارته للعاصمة المصرية، بدعوة من الجامعة الأمريكية في القاهرة لكونه مفكراً محاضراً لا شاعراً، وذلك في إطار الموسم الثقافي العربي. فقدم بحثاً بعنوان «معوقات الحداثة في الثقافة العربية بعامة والشعر العربي بخاصة»، طرح من خلاله قضيتين أساسيتين؛ الأولى هي الرؤية الوحدانية للإنسان والعالم، التي تفصح عن نفسها بثقافة العنف والإقصاء والتكفير، بتبني حقيقة واحدة مطلقة وربطها باللغة في النص الديني، الذي يتم تأويله تأويلاً سياسياً سلطوياً.
والثانية هي انعدام الذاتية التي تحصر حقيقة الإنسان والعالم في ذات التأويل السائد للنص الديني، حيث تتحدد المعرفة ويكون ختامها، وبالتالي لا يكون للفرد إلا الاتباعية في مقابل الذاتية التي يجب أن تتحدد بعالم الفرد الداخلي لا بكل ما هو خارجه؛ بالنص والشريعة والأمة.
وقد أكد أدونيس أكثر من مرة، أنه لا يتحدث عن النص الديني المقدس، بل عن تأويله السائد الذي ألغى «الأنا» في سبيل «النحن»، وبالتالي انعكس ذلك على الثقافة العربية وعلى أصواتها الشعرية التي أصبحت بين مطرقة السياسة وسندان اللاهوت.

عودة للأعلى

زيارة ايران

وتأتي المحاضرة مباشرة قبل يومين من زيارته الأولى لإيران، مما يفسر ان يرى البعض في مضمونها ما ينطبق على ايران أكثر من غيرها من الدول الاسلامية.
وعن الزيارة المرتقبة يقول إن " إيران بلاد عظيمة ولها تاريخ عريق، خصوصاً على الصعيد الشعري والفني. وأنا أحب أن أرى الأرض التي سار عليها عمر الخيام وحافظ وسعدي، وأرى أيضاً الأماكن التي أبدعت فيها الأيدي الإيرانية السجاد، وهذه نقطة مهمة. فأنا أتمنى ذات يوم أن أقرأ تاريخاً لعبقرية اليد العربية التي قد تكون أكثر أهمية من رؤوس عربية كثيرة. وللأسف كنت أتمنى أن تكون الدعوة من إيران نفسها، ولا أعرف إن كنت أستطيع أن أتصل بالأوساط الفنية والثقافية والسياسية التي أود لقاءها. وأتمنى ألا تكون هناك عواقب دبلوماسية تحول دون الاتصالات التي أنجزها، خاصة بما يتعلق بالمرأة الإيرانية الشاعرة والرسامة والسينمائية، والمبدعة بشكل عام، وكذلك الشباب في الوسط الطلابي".
وعن الهدف الذي يسعى إليه من الاتصال ببعض السياسيين الايرانيين، بعدما كان من مؤيدي الثورة الإيرانية، يشير أدونيس إلى رغبته بمعرفة "كيف يفهمون العلاقة بين السياسة والدين، فهذه مسألة تهمني كثيراً، كما يهمني رأي مفكري إيران في هذه المسألة، لا رأي رجال السياسة فقط".
أما عن تأييده للثورة الإيرانية، فيقول: " نعم، أيدت الثورة الإيرانية في بدايتها، وكذلك فعل معظم المثقفين الفرنسيين والأوروبيين، فكذلك فعل ميشيل فوكو، لكننا حصرنا التأييد في الخلاص من إمبراطورية الشاه. وعلينا أن نتذكر أن الثورة الإيرانية نموذج لا سابق له في التاريخ، لأنها ثورة كاملة قام بها شعب بكل طبقاته، ولم تقم بها لا فئة عمالية ولا تجارية ولا انقلاب عسكري، لكن قامت بطريقة فريدة من نوعها، وهذا ما جذبني وأيدته. لكن منذ أن بدأت هذه الثورة تؤسس السياسة على الدين انفصلت عنها وانتقدتها نقداً شديداً، وكتبت مقالة عن ذلك أسميتها "الفقيه العسكري"، تحدثت فيها عن الخطر المقبل حينذاك على إيران، لماذا لا يتذكر لي أحد ذلك، وفقط يقولون إنني أيدت الثورة وأيدت الخميني".

عودة للأعلى

بين النسخ والتغيير

تطرق أدونيس في محاضرته إلى قضية الناسخ والمنسوخ عموماً، لا في النص الديني فحسب، ما يذكر بحادثة تمت منذ عشر سنوات تقريباً، حين خرج بديوانه في ثلاثة مجلدات، تخلى فيها عن التتابع الزمني للقصائد وفاء لما أسمياه «تتابع البنية والإيقاع»، مؤكداً أن هذه الطبعة تقطع كلياً مع الطبعات السابقة لهذه الأعمال إضافة إلى أنها تنسخها»، فهل نتوقع أن ينسخ أدونيس أعماله مجدداً؟
يجيب المفكر السوري "هذه فرصة جيدة لتوضيح الفارق بين النسخ والتغيير، رداً على ما تم تداوله قبلاً، ممن لم يقرأوا كتبي وأطلقوا شائعات تؤكد أنني أغير في قصائدي، وهذا ما لم يحدث. فأنا أحذف فقط ولاأبدل أو ألعب بالجمل الشعرية. فهناك قصائد طويلة، أو تعبيرها ضعيف، ولم تعد تعبر عني، فأقوم بحذفها بعد إعادة النظر بها، وهذا من حقي، فهذه القصائد ملكي، وهذا ما حدث في قصيدة «قالت الأرض» على سبيل المثال. وجميع الشعراء العالميين يفعلون ذلك، بل منهم من يفعل ما لم أفعله أنا وهو إعادة كتابة قصائدهم، وتسمية ذلك بالتنويع على النص، فما يكتبونه ليس منزلاً، والإنسان أهم مما يكتبه، وسيظل النص ملك شاعره حتى بعد موته.
أما عن مسألة النسخ فهذا ما حدث بالفعل، لا التغيير، وقد اقتضته ضرورة تجارية أضمن بها حقوقي، حيث دأبت إحدى دور النشر على طبع ديواني عدة مرات من دون وجه حق، والزعم أن كل طبعاتهم هي طبعة واحدة، فأعدت ترتيب كتبي بشكل آخر لألغي إمكانية تجديد هذه الطبعة، فالنسخ هو الإلغاء، أي لأمنع قرصنة ديواني. أما اليوم فأفكر بإعادة طبع دواويني كما كانت في الماضي بشكل تاريخي تسلسلي".

عودة للأعلى