خريطة التطرف الديني والحركات الإسلامية في المغرب
جماعات تتغنى بالعنف وحركات تبحث عن موطئ قدم
أعاد توقيف السلطات المغربية 17 شخصا ضمنهم عنصران كانا معتقلين في قاعدة غوانتنامو ،أواخر الشهر الماضي ، ملف الحركات الإسلامية في المغرب إلى الواجهة ، خاصة منها التي تعتمد التطرف منهجا والعنف مبدءا .فالأخبار الواردة من الرباط ، قبل أسبوع ،تؤكد أنه تم إحباط هجمات دامية مماثلة لما حدث 16 -05-2003 حين مزقت خمسة انفجارات صمت عاصمة البلاد الاقتصادية –الدارالبيضاء-،بعد اعتقال 17 شخصا تتراوح اعمارهم بين 18 و25 سنة ومعظمهم من العاطلين عن العمل ومنحدرين من عائلات فقيرة من الدارالبيضاء،وطنجة واغادير.
واكد بعضهم للشرطة وفق ما أوردته وكالة الأنباء الفرنسية ، انهم اقاموا في سوريا وشاركوا في عمليات تسلل مقاتلين مغاربة الى العراق للالتحاق بالجناح العراقي للقاعدة بزعامة ابو مصعب الزرقاوي.
كانت الهجمات مقررة على فنادق وتحديدا في الصويرة التي يتردد عليها عدد كبير من السياح اليهود ،وفي اغادير وعلى كازينو طنجة ومقر البرلمان في الرباط ، وسفنا تنقل أمريكيين، بمعنى أن الشهر الجاري (ديسمبر/ كانون الثاني 2005) كان من المقرر أن يكون شهرا داميا ، وعدد الضحايا بالمئات .
التيارات المتطرفة واختلاط الأوراق
قفزت إلى السطح مجموعة من التساؤلات حول مدى تغلغل هذه الجماعات في المجتمع المغربي ، من قبيل الصراط المستقيم والهجرة والتكفير والسلفية الجهادية، وهي الجماعات التي كانت وراء تفريخ الانتحاريين الذين نفذوا الهجمات على خمسة مواقع في الدارالبيضاء مايو/ آيار 2003 ، مما أدى إلى مقتل 45 شخصا ضمنهم 11 انتحاريا ، بمعنى ان ملف هذه الجماعات لم يطو بكامله ، على الرغم من إسدال الستار على المحاكمات التي تلت العاصمة الاقتصادية للبلاد ، ويكبر السؤال حول كيفية نشأتها وطرق تفكيرها .
في الوجه المقابل يكبر السؤال حول حزب العدالة والتنمية ، ومدى تمكنه من احتواء كل التيارات وهل أصبح المخاطب الوحيد والشرعي الذي لا يمكن الخروج عن أفكاره وخطابه وإيديولوجيته .
أماجماعة العدل والإحسان المحظورة ، فإن اللغز يحيط بخطابها وهل يتلاءم والمتغيرات الجيوسياسية التي لايعيشها المغرب فحسب ، وإنما العالم برمته في ظل الإجماع على محاربة التيارات " المتطرفة" التي تتبنى لغة العنف ، وتؤمن ان التغيير رهين بتطبيق الحد على من تسميهم بالكفرة والمرتدين والمتأسلمين .
لا يمكن الحديث عن التيارات الدينية التي طفت على السطح المغربي، دون الحديث عن الوقائع التي تدعو إلى ذلك ، خاصة في ظل ما أعلنته السلطات المغربية في الأيام القليلة الماضية ، من إحباط محاولة ارساء تنظيم القاعدة في المغرب العربي، بمساعدة الجماعة السلفية للدعوة والقتال الجزائرية نهاية الشهر الماضي ، واعنقال عناصر متشددة .هذه القنابل البشرية المتحركة لم تأت من الفراغ ، بل نفخت بمفاهيم مقلوبة ( بضم النون )، وتكونت لها قناعات خاصة بأن الوصول إلى الجنة رهين بتفجير الآخرين حتى ولو كانوا مسلمين وأبرياء .
بداية الحكاية
توجد بالمغرب أكثر من حركة إسلامية إلا ان أشهرها أربع تنظيمات ، هي «حركة التوحيد والإصلاح» التي تشكل العمود الفقري لحزب «العدالة والتنمية» و«جماعة العدل والإحسان» و«البديل الحضاري» و«الحركة من أجل الأمة».أما ما يسمى بالصراط المستقيم والهجرة والتكفير فهي حديثة الولادة إلا انها الأكثر تطرفا، وإن كان تيار آخر، يرى أن أغلب هذه الجماعات ينضوي بشكل أو بآخر تحت اسم " السلفية الجهادية " .
فمن هي جماعة الصراط المستقيم ؟
هي جماعة تمثل نموذج التطرف الديني وتتبنى تكفير الدولة والمجتمع، ولا تؤمن سوى بالعنف، ويعتبر" الميلودي زكريا" أميرها الروحي وعقلها المدبر، حيث اشتهر بإصدار فتاوي هدر الدماء، آخرها قتل مواطن مغربي يسمى فؤاد الكردودي أحد سكان سيدي مومن وهو الحي الذي تخرج منه الانتحاريون،الذين نفذوا هجمات الدارالبيضاء، وإن نجح دفاعه في إقناع هيئة المحكمة بكون موكله بعيد عن تهمة التحريض والمشاركة في القتل، حيث اكتفت بإدانته بسنة واحدة سجنا نافذا وغرامة مالية قدرها 50 دولارا ، من اجل تهمة النصب والاحتيال، قبل أن يفتح ملفه من جديد على خلفية التفجيرات ، ويتم الحكم عليه بالمؤبد.
رأت جماعة الصراط المستقيم النور عام 1996 على يد مجموعة من المتطرفين، الذين كانوا موزعين على جماعات إسلامية أخرى، انشقوا عنها بعدما اعتبروها غير قادرة على ترجمة طموحاتهم، ووجدوا في الصراط ضالتهم بعدما تمكن زكريا الميلودي من إقناعهم بأفكاره المتطرفة.
أكد زعيم هذا التيار أن الديموقراطية كفر و" الأحزاب تشرع الكفر بدلا من دين الله والدولة تعلن الكفر، والعلمانيون كفرة والعنف مع المرتدين شريعة رب العالمين" مضيفا أن " التحاكم إلى القوانين التي يضعها البشر سواء كانوا أفرادا أو كانوا جماعات وأحزابا، أو كانوا حكومات هو كفر بالله وشرك به" مواصلا في إحدى حواراته " أنتم بدل أن تكفروا بالطاغوت كما امركم الله بذلك تدعون إلى عبادته وبناء هياكله وانصابه التي تسمونها آليات ومؤسسات، بل أكثر من ذلك فقد نصبتم أنفسكم مشرعين وطواغيت يضعون الأحكام لتنظيم حياة الإنسان دون الله رب العالمين، تحت شعارات كفرية فارغة مثل الديموقراطية والوطنية والمجتمع المدني، والانسجام مع الألفية الثالثة، والاندماج في العلمنة التي تسمونها بالعولمة".
الأحياء الهامشية وحزام البؤس الفكري
لقد كشفت التحقيقات التي أجرتها المصالح الأمنية بعد أحداث 16 مايو/ آيار 2003 أن عددا من المتورطين، تشبعوا بأفكار الجماعة التي نبتت في حي سيدي مومن، وهو الحي الذي تخرج منه الانتحاريون ونشط فيه الميلودي زكريا وروج فيه لأفكاره ، بمساعدة عدد من المتشددين الذين نجحوا في استقطاب عدد من الشباب الذين يجمعهم قاسم الأمية. وتعتبر الجماعة - من منظور زكريا- أن كل من اعتقد العلمانية كافر " وكل كافر مهدر الدم ولا حرمة له وهذا لا نقول به نحن بل دين الله هو الذي يقره وكل من رفض حكم القرآن فهو كافر شرعا".
كما تعتبر " القوميين سواء كانوا عربا أو أمازيغا أو غيرهم،وسواء أعلنوا العلمانية او انتسبوا إلى الإسلام وأمته احتيالا لتحقيق أهدافهم هم كفار مرتدون خارجون عن الملة الحنيفة والأمة الإسلامية، ويعتبر استعمال العنف في حقهم واجبا شرعيا". تكفر الجماعة بعقود الزواج وتعتبرها من وضع الشياطين والكفرة المرتدين، واكد نجمها زكريا انه متزوج بأربع نساء ثلاث منهن عرفيا.
الهجرة والتكفير أو العنف الصارخ
جماعة مسكونة بهوس تكفير المجتمع من ألفه إلى يائه، بداعي أنه لا يسوده حكم الله وأن أحسن الطرق هي الهجرة والابتعاد عن مواطن " الفساد". تم تأسيس الجماعة على يد عدد من المنتمين إلى الشبيبة الإسلامية سابقا، والذين انفصلوا عنها واختاروا السير في اتجاه مغاير، ويعتبر بنداوود خملي نجمها على الإطلاق، بعد أن تشبث بمبادئ التكفير ورفض القانون الوضعي والاستهتار بالمحاكمة، وهو بين يدي القضاء في غرفة الجنايات بمحكمة الاستئناف بالدارالبيضاء العام الماضي.
لقد قدم الخملي نموذجا لأفكار الجماعة خلال محاكمته وبرهن على أنه متشبع بالتكفير،ولا يؤمن هو وأتباعه بالوثائق الرسمية ولا بعقودالزواج ولا بالأحزاب السياسية، ويعتبرون العمل بالإدارات العمومية فسقا ودعوا إلى محاربة المجتمع الفاسق المنافق.لا يؤمن أتباع التيار بدفن الموتى في المقابر المخصصة لذلك، لأنها من منظورهم تضم رفات كفار فاسقين، وقدم الخملي نموذجا لذلك حين اختار فناء منزله لدفن جثة والدته.أثبتت التحريات الأمنية أن عددا من اتباع التيار مسؤولون مباشرون عن تصفية العديد من الأشخاص الأبرياء، الذين اختفوا في ظروف غامضة، ولم يعثر لهم على أثر، وتأكد بأنهم اختاروا طريقة النحر بداعي أن ذلك يدخل في سياق تطهير المجتمع من الكفار والمرتدين.
كانوا يختارون ضحاياهم بدقة كبيرة، يسلبونهم أموالهم ويسرقون ممتلكاتهم انطلاقا من مفهوم الاستحلال المتداول بينهم، أي أن أموال " الكفار " حلال عليهم. لا يؤمنون بدورهم بعقود الزواج " لأنها من أفعال الكفار" يحرمون التعامل مع كل المواد الغذائية المستوردة، بداعي انها مستوردة من بلاد الكفار، ولا يصلون في المساجد العامة بداعي أنهامبنية من طرف الدولة الكافرة... يقيمون صلاة الجمعة بالتناوب بمنزل أحد أفراد الجماعة، يصنعون خطبا على مقاس عقلياتهم ، وخلالها يصدرون أحكامهم المتطرفة.
لعبة اختيار المناطق النائية
يسمي التيار نفسه بالهجرة لأ ن أتباعه يهجرون المجتمع، ومنهم من يختار المناطق النائية لتطبيق أفكاره ، ومنهم من اختار السفر عبر صهوة الجريمة، عن طريق القتل والنهب والسرقة الموصوفة.
رائد هؤلاء بعد الخملي، يوسف فكري أو " أمير الدم " وفق تعبير الصحافة المغربية ، وهو محكوم عليه بالإعدام،من طرف غرفة الجنايات بمحكمة الاستئناف بالدارالبيضاء، وهو شخصية مسكونة بكل أطياف التطرف،و أقر بارتكابه العديد من جرائم القتل ودخل طوال اطوار محاكمته في مشاداة مع هيئة الحكم، مؤكدا بانه مقتنع تمام الاقتناع بما كان يقترفه من جرائم بداعي أنها تدخل في سياق تطبيق شرع الله، وتأديب الكفار والمرتدين.
السلفية الجهادية وتضارب الآراء
ما هي الميكانزمات التي تمكننا من قراءة فكر يقول أن حلق اللحية حرام؟ وأن قتلة المفكرين ، وقتلة الأطفال والنساء والشيوخ هم من الغيورين على دين الله؟ وكيف نفسر فكر من يرى أن منفذي التفجيرات التي هزت المواقع الخمسة بالدارالبيضاء، ينالون من الغرب في سياق الحرب المفتوحة بين الجماعات المقاتلة خارج البلاد وبين أمريكا وحلفائها؟.هذا استنتاج مصغر لمبادئ السلفية الجهادية ، وإن كان رموز هذا التيار ينفون بقوة هذه التسمية ويعتبرونها من صنع الإعلام والمخابرات .
يرى محمد ضريف الباحث المغربي المتخصص في الحركات الإسلامية أن " نظرة السلفية الجهادية للمجتمع المغربي ، وللنظام السياسي مرتبطة بإطار عام، أي أنها تنتقل من موقف عام، فعبد الكريم الشاذلي مثلا اعتبر أن الألباني حاول أن يضفي شرعية على حكم الطاغوت، وأن يعيد إنتاج فكر المرجئة، وهذه في نظري فكرة أساسية، وبمعنى آخر فإن جزءا من السلفيين التقليديين أصبحوا يعتقدون بأنه لا يمكن تكفير المسلم إذا لم يقم بتطبيق أركان الإسلام، لكن بالنسبة لعبد الكريم الشاذلي ومحمد الفيزازي فقالا أن بأن من لم يؤد تلك الأركان فهو كافر، وبالتالي أصبح الموقف واضحا من الحاكم الذي لا يطبق الشريعة، ويعتبر طاغوتا يحل إعلان الجهاد عليه، ليس فقط بالكلمة بل بالسيف، أي الخروج على الحاكم الذي لا يحترم أحكام الشريعة".
تكفير الإسلاميين
ويضيف ضريف قائلا " هناك موقف من المجتمع المغربي من خلال قول السلفية الجهادية بأن الاعتقاد وحده لا يكفي بل العمل بأركان الإسلام، لذلك نجدهم كفروا حتى الإسلاميين، فالفيزازي مثلا له كتاب بعنوان " رسالة الإسلام إلى مرشد جماعة العدل والإحسان" طرح فيه العديد من القضايا، لكن فكرته الأساسية التي ركز عليها هي قوله إن وجود تنظيمات تحمل أسماء الجماعات الإسلامية يعتبر نوعا من الخروج على الإسلام لأنه - حسب رأيه - تمزيق للأمة، أكثر من ذلك أن الفيزازي يعتبر الجماعات الإسلامية هي نوع من الممارسة الطرقية الجديدة وبذلك فهو يكفر بطريقة غير مباشرة الجماعات الإسلامية، إضافة إلى كونهم يعتبرون أن وجود دستور هو احتكام لغير الله.
رفض المشاركة في الانتخابات
وللفيزازي له أيضا كتاب يجيب عن سؤال: لماذا لا نشارك في الانتخابات يعترف فيه بأن المشاركة في الانتخابات والدخول للبرلمان هو نوع من السلوك الذي يتنافى مع الإسلام فضلا عن كتاب آخر للفيزازي حول المسألة الديموقراطية بعنوان " الشورى المفترى عليها والديموقراطية "، قال فيه بأنه لا إمكانية لإيجاد نوع من التوافق والقول بأن الديموقراطية هي الشورى، بل أنه لا علاقة للأولى بالثانية، وأن الذين يقولون بذلك لا يفهمون لا الشورى ولا الديموقراطية، وهناك كتابات كثيرة لتيار السلفية الجهادية، خاصة لدى الجيل الأول مثل الفيزازي وعبد الكريم الشاذلي وغيرها تتضمن مواقف تفضي بدورها إلى إنتاج تصور ينقض كل ما يسمى برموز الدولة الحديثة من برلمان وانتخابات وديموقراطية ودستور وأحزاب إلخ..".
" الجهاد لتطبيق الإسلام "
ومن اهم المبادئ التكفيرية للسلفية الجهادية " الجهاد لتطبيق الدين الإسلامي " واعتبار الأحزاب والجماعات الإسلامية " كفارا خالدين في النار " ورفض البطائق الوطنية واعتبار القوانين الوضعية شرك وكفر بالله، ويؤكدون على ان الكفر موجود بالمغرب بدءا من الشعارات والألقاب والأسماء والآداب والأخلاق وحركات الصلاة من وقوف وركوع وسجود، وعبادة الأوثان وزيارة القبور". قناعتهم الراسخة هي أن العمل بمؤسسات الدولة فسق وأن الأموال المتحصل منها حرام، وان التجارة من السنة، لهذا كانوا يلجؤون إلى احتراف مهن قد تبدو بسيطة في عمقها ولكنها كانت تنطوي على خلفيات متعددة، على اعتبار أن مدبري تلك الجماعات كانوا يفرضون على أتباعهم وضع مبالغ مالية محددة تتراوح بين 10 و 15 دولار في اليوم في صندوق يسمى صندوق الجماعة.
غطاء التجارة ولعبة الاستقطاب
كانت تلك الأموال رأسمالا يساعد في استقطاب العديد من البسطاء و العاطلين، حيث كانت الجماعة تتكلف بشراء العربة والسلع التي تساعد على انتشال تابعين لهم من البطالة، وهي استراتيجية مكنت من تكوين خلايا نجحت في استقطاب عدد من العناصر التي ستتغذى بأفكار التطرف والتشدد، وتتحول إلى قنابل بشرية متحركة. لقد كان شيوخ السلفية الجهادية يتنقلون بين المدن وخاصة في أحياء هامشية في الدارالبيضاء أكبر المدن المغربية، في" سيدي مومن" و"دوار طوما" و"الصدري" وغيرها لإلقاء دروس التشدد. وكان من الطبيعي أن تتأثر شريحة واسعة من هؤلاء بتلك الخطب التي تحرض على محاربة " الدولة الفاسقة" ورموزها " الفاسدة" بداعي أنها لا تطبق شريعة الله ، وتحكم بقوانين وضعية مستمدة من الدول الكافرة. كان اتباع تلك التيارات يخاصمون كل ما يمت بصلة إلى الحداثة، و لا يتعاملون بالوثائق الإدارية الرسمية،.
تداول الكتب السرية
كانوا يتداولون كتبا سرية تشجع على التطرف، وتدعو إلى التكفير العلني. ويعتبر كتاب " الطاغوت" لمؤلفه عبد المنعم مصطفى حليمة " أبو بصير " نموذجا لمثل هذه الأفكار . يقول الكتاب عن "غربة الدين" : " من يتأمل حال الأمة من هذه القضية الهامة يدرك أن هذا الدين قد عاد غريبا كما بدأ وأشد، حيث إن الحاكم والمشرع - في أكثر الأمصار والديار -- هو الطاغوت، وأن الشريعة المتبعة هي شريعة الطاغوت، والناس يتحاكمون إليها طواعية ومن دون أن يجدوا في أنفسهم حرجا من ذلك، فدخلوا في زمرة المشركين الذين يعبدون الطاغوت من حيث يشعرون أو لا يشعرون ، ولربما تجد منهم - ومع ذلك - من يصلي ويصوم ويزعم أنه من المسلمين ومن يتأمل واقع الأمة في هذا الزمان يجد ان كثيرا من الأشياء توالي لذاتها حيث عليها يعقد الولاء والبراء، والناس داخلون سراعا في عبادتها ــ من هذا الجانب ــ وهم يدرون أو لا يدرون .
وفي تعريف الكتاب لــ" طاغوت القومية " يقول إن " القومية تكريس للعلمانية الكافرة التي تدعو إلى فصل الدين عن الدولة والحياة، وعليه فإن القوم الذين تجمعهم اعتبارات القومية ومبادئها يكون طاغوتا ومعبودا من دون الله، لأن الولاء والبراء والحقوق والواجبات تقسم وتعطى على أساس الانتماء إليه فمن كان من القوم فله الولاء والنصرة وكامل الحقوق وإن كان من أطغى طغاة الأرض ومن كان من خارج القوم فليس له شيئ من ذلك، وإن كان من أتقى أهل الأرض. وباختصار فإن الفكرة القومية توجب ما حرم الله وتحرم ما اوجب الله، وهذا هو الكفر البواح الذي لا ريب فيه ، وبالتالي فإن اعتقادها والانتصار لها هو اعتقاد بالطاغوت وانتصار له".
وبخصوص الدستور يقول الكتاب " كل من جعل خاصية التشريع ــ التحليل والتحريم والتحسين والتقبيح ــ لنفسه من دون الله، وأخذ يشرع للعباد ما يهواه ويراه، فهو طاغوت وقد جعل من نفسه ندا لله يجب تكفيره والكفر به... ومما يدخل في هذا النوع من الطاغوت الدساتير الوضعية التي صاغتها عقول البشر لتحكم البلاد والعباد ".
العدالة والتنمية والعدل والإحسان
من خلال سرد جزء من الخطوط العريضة لهذه التيارات الدينية، يجوز لنا أن نتساءل عن موقع العدالة والتنمية وجماعة العدل والإحسان ، باعتبار الأول يعمل في إطار قانوني، ويشارك في الحياة السياسية المغربية ، في الوقت الذي تبقى فيه الجماعة، خارج دوائر الاعتراف الرسمي بها .حقق حزب العدالة قفزة كبيرة على مستوى المقاعد البرلمانية ، كما تمكن من الفوز بعدد من ا لمقاعد خلال الانتخابات البلدية ، على الرغم من الهزة التي تعرض لها عقب تفجيرات الدارالبيضاء .
وكان من أول قراراته تغيير قيادته ، حيث تم وضع مؤسسه الخطيب جانبا وعوضه طبيب نفساني هو سعد الدين العثماني الذي يبدو أنه عالج حزبه من الارتباك ، وفتح قنوات الحوار الناجح مع السلطات ، وتمكن من امتصاص الغضب ، بعدما هددت وزارة الداخلية بحله ، وتجاوب مع مطالب من ضمنها إزاحة رئيس الفريق في البرلمان مصطفى الرميد – محامي – من موقعه بداعي أن خطاباته متشددة ، وتتميز بالعنف ، على الرغم من انتخابه من طرف برلمانيي حزبه .
ويشكل الحزب ثقلا على مستوى المعارضة البرلمانية ، وتم فتح قنوات الحوار معه للمشاركة في الحكومة وقد يتم ذلك لاحقا ، مما سيشكل سابقة في التاريخ السياسي المغربي .طبعا لا يمكن القول إن حزب العدالة والتنمية الإسلامي احتوى كل التيارات المتواجدة على الساحة ، لأن بعض التيارات ترى بأنه أصبح حزب سلطة ، وهو ما يدافع عنه من خلال تبنيه نبض الشارع ونقل ذلك إلى قبة البرلمان .وما الانشقاق الذي تعرض له الحزب وبروز حركة اليقظة، التي تتشكل من وجوه فاعلة سابقا داخل العدالة والتنمية، مجرد تمرد على الخط السياسي الذي اتخذته القيادة الجديدة ، بدليل أن مؤسس الحزب ، يميل إلى التيار الجديد .
توضيحات زعيم العدالة
يقول سعد الدين العثماني رئيس حزب العدالة والتنمية لـــ "العربية .نت "في رده على ما يروج إن حزبه " حزب سياسي ينطلق في توجهاته وبرامجه من المرجعية الدينية ، وفهمه للمرجعية ينطلق من فهم ينبني على الوسطية، والاعتدال والتجديد ، وينبذ كل أشكال الغلو ، والتكفير والعنف ، وهو لا يقدم نفسه ممثلا أو وصيا عن الدين ، أو متحدثا باسمه ، لأن هذه المور غير متصورة بالنسبة للإسلام ، وهو يمارس عمله السياسي بآليات وأدوات الفعل السياسي ، التي هي أدوات بشرية اجتهادية، لأن الممارسة السياسية في الإسلام ليست ممارسة مقدسة ، وليس الفاعلون السياسيون بمعصومين ، بل هي ممارسة دنيوية ، فيها الخطأ والصواب والتقدير البشري.
ويضيف العثماني قائلا " علاقات الحزب مع مختلف الأطراف ، في المجتمع هي علاقة حوار وتعاون لتحقيق المصلحة العامة والدائرة الأولى التي يحرص الحزب على التنسق معها هي الأحزاب السياسية، بمختلف توجهاتها، أما الحركات والجمعيات الإسلامية، فهي جمعيات للدعوة والتربية والتكوين من حيث المبدأ ، وأقربها إلى خط الحزب ، تلك التي تتبنى الوسطية ونبذ العنف".وبخصوص الجماعات المتطرفة فيقول " الجماعات التي تتبنى فكر الغلو والتكفير أو العنف ، فإن الحزب يسلك مختلف الأساليب لمعالجة ظاهرتها بالتحسيس والتوعية ونشر الثقافة الإسلامية السليمة ".
الانغلاق والتقديس
أما جماعة العدل والإحسان التي يقودها الشيخ عبد السلام ياسين فإنها منغلقة على ذاتها ، وتعمل في حدود ضيقة ، بعدما غيرت استراتيجيتها وأدركت أن المواجهة مع السلطات لن تجدي شيئا ، خاصة بعد تجربة النزول إلى الشواطئ المشهورة التي أثارت حفيظة الشارع المغربي ، والحصار على مخيماتها الصيفية، حيث كانت تفجيرات الدارالبيضاء منعطفا ضد ها ، على الرغم من عدم الإشارة إليها بالاسم ، وعلى الرغم من تبرئة ذمتها من اي صلة بالانتحاريين الذين فجروا انفسهم في خمسة مواقع في الدارالبيضاء، وهي تستند في ذلك على ما جاء في ادبياتها حيث ترفض العنف "نتجنب العنف في القول والعمل لاعتقادنا أن العنف والدعوة لا يجتمعان من جهة، وليقيننا أن ما انبنى على العنف لا يجنى منه خير، ولا يمكن أن يدوم، وخسارته محققة وربحه بعيد الاحتمال من جهة، ولأننا أمرنا في زمن الفتنة -وهذا منطلقنا- حقن الدماء والعفو عن المسلمين".
إلا أن خطابها وموقف زعيمها من الوضعية السياسية ، والرسالة التي وجهها للملك الراحل الحسن الثاني في سبتمبر عام1974 التي تقع في 100 صفحة بعنوان " الإسلام أو الطوفان " ، كانت طوفانا على الجماعة التي أصبحت تحت اعين المراقبة ، خاصة وأن خطابها ازداد حدة وانتقادا في الآونة الأخيرة ، وأدخل أتباعها في دوامة الملاحقات القضائية ، وهو امر طبيعي في ظل وضعية الحذر التي تتبعها السلطات عقب التفجيرات التي خلفت أسى كبيرا داخل المجتمع المغربي المعروف بتسامحه.
ولم نتمكن من استيقاء مواقف الجماعة على الرغم من اتصالنا بواحد من ابرز زعمائها فتح الله أرسلان الذي انتظرنا رده طويلا إلا أننا لم نحصل على أجوبة بخصوص الأسئلة العالقة .