نزوح كثيف من الجنوب والصمت يخيم على قانا إثر مأساتها الثانية
بري يخشى من تحويل الجنوب إلى "أرض محروقة" بعد خروج المدنيين
شهد الجنوب اللبناني بعيد ظهر الاثنين 31-7-2006 نزوح عشرات الاف الجنوبيين كانوا على الطرقات بعد ان تركوا قراهم واتجهوا شمالا مستفيدين من قرار اسرائيل وقف القصف الجوي للمرة الاولى منذ نحو عشرين يوما.
وافاد مراسلون صحفيون في منطقة صور ان النازحين كانوا ينقلون ما يتيسر لهم من الاغراض المنزلية على متن سيارات مدنية او شاحنات صغيرة ويتوجهون باتجاه الساحل ومنه شمالا. وشوهدت زحمة سيارات خانقة عند جسر القاسمية شمال صور بعد ان قامت البحرية الاسرائيلية بقصف موقع للجيش اللبناني على هذا الجسر ما ادى الى مقتل جندي واصابة ثلاثة اخرين بجروح.
وكانت اسرائيل وافقت على وقف الغارات الجوية لمدة 48 ساعة الا انها اوضحت ان الهدف من هذه الهدنة هو افساح المجال امام المدنيين في الجنوب لمغادرة قراهم والتوجه شمالا.
ووجه رئيس المجلس النيابي اللبناني نبيه بري رسالة الى الامين العام للامم المتحدة كوفي انان حذر فيها من قيام اسرائيل بتحويل الجنوب اللبناني الى "ارض محروقة" عبر الاعلان عن وقف القصف الجوي 48 ساعة لتسهيل خروج السكان المدنيين. وقال بري في رسالته هذه التي وزعها مكتبه الاعلامي "ان دفع اسرائيل لجميع الجنوبيين وخصوصا ابناء القرى الامامية منهم الى ترك منازلهم وترك الجنوب هو لتتمكن اسرائيل من تحويله الى ارض محروقة".
وخيم الصمت من جديد على انقاض قانا غداة القصف الاسرائيلي الذي اسفر عن مقتل اكثر من خمسين مدنيا لبنانيا بينهم 32 طفلا, لتبدو هذه البلدة التي نكبت بالمأساة نفسها مرتين خلال عشر سنوات, خاوية وساكنة.
فقد غادر رجال الانقاذ محيط الملجأ الذي كان عدد كبير من الذين قتلوا فيه يعتقدون انهم يستطيعون النوم فيه آمنين تماما مثل اولئك الذين وضعوا انفسهم عام 1996 تحت حماية الامم المتحدة معتقدين ان وجودهم في ثكنة لجنود حفظ السلام يجعلهم خارج دائرة الخطر. وفتحت المأساة حينذاك الطريق الى التهدئة.
ذهب الرجال الذين كانوا يحملون الرفوش وسيارات الاسعاف ومتطوعو الصليب الاحمر والدفاع المدني الذين انتشلوا جثث النساء والاطفال واحدة تلو الاخرى, ليزيلوا الدماء والغبار عن ملابسهم.
ولم يتبق صباح الاثنين سوى بعض الاغراض الشخصية والحقائب والملابس التي تكدست امام الفجوات الهائلة التي احدثها القصف في المبنى الذي انهار ودفن تحت انقاضه 63 مدنيا كانوا يتصورون انهم بمناى عن الضربات الاسرائيلية.
وقد تم انتشال نحو 30 جثة هامدة وما زال عدد آخر من الجثث تحت الانقاض. ويفترض ان تستأنف عمليات ازالة الانقاض اليوم من اجل انتشال هذه الجثث المتبقية. ومن مدخل القرية التي كان يبلغ عدد سكانها 15 الف نسمة قبل الهجوم الاسرائيلي، يشهد الدمار على عنف عمليات القصف التي ضربت القرية 19 يوما واجبرت السكان على الفرار او الاختباء. فقد سويت منازل بالارض وبعضها احترق بالكامل, ودمرت واجهات المحلات التجارية وتمزقت ستائرها. اما الطرق فتغطيها الانقاض والابنية التي ما زالت واقفة خالية والمحلات التجارية التي تحطمت واجهاتها مقفرة.
انتهز حسين سليمان البالغ من العمر 35 عاما, فرصة تعليق القصف الجوي الذي قررته اسرائيل لمدة 48 ساعة بعد مأساة قانا ليتفقد منزله. وقال "ما زال المنزل واقفا", لكن محله التجاري تعرض للنهب. واضاف قبل ان يعود الى صور "انه امر شائع في هذا الوضع".
شوارع المدينة مقفرة لا يمر بها سوى بعض مقاتلي حزب الله ببزاتهم الصفراء والخضراء على دراجات نارية صغيرة. وعلى زوايا الشوارع بقيت صور للزعيمين الشيعيين الامين العام لحزب الله حسن نصر الله وزعيم الثورة الاسلامية آية الله الخميني مرشد الجمهورية الاسلامية, على حالها. وتمر بعض النسوة المحجبات. وتدخل شاحنة صغيرة احد الشوارع لتنقل عائلة جاءت اصلا من قرية الرمادية تتألف من اب وام وابنهما. ويقول الاب من نافذة السيارة "نحن راحلون". ويكرر الثلاثة "نحن راحلون الى بيروت حتى اذا اضطررنا الى النوم في الشارع".
البقال الوحيد الذي ما زال محله مفتوحا, ليس لديه كهرباء وبراده فارغا. اما على الرفوف فلا يوجد سوى عدد قليل من المعلبات وعلى الارض قوارير مياه. امام هذا المحل توقف ضرير يدعى خضر نصر الله مع ابنه. ويقول "اريد ان اموت هنا. انها ارضنا. اريد ان اموت مع زوجتي وابنائي الثلاثة. نحن مع حزب الله وطالما ان اسرائيل تطلق النار سيطلق حزب الله النار واذا ما مات المقاتلون سنموت معهم". وفي صيدلية توقفت حنيفة لشراء ادوية. وقالت "اين تريدوننا ان نذهب؟ الى بيروت لنقيم في المدارس والحدائق العامة او الشوارع؟ هل تفعلون ذلك باولادكم؟ لا نريد الموت في الشارع. لا نخاف الموت. الله معنا". واذا ما كرر التاريخ نفسه وطالت الهدنة فقد تعطي مأساة قانا الثانية فرصة جديدة للعيش لحنيفة وخضر وغيرهم من آخر سكان هذه البلدة المنكوبة.