طبـاعة


حفـظ


ارسال
الثلاثاء 01 ربيع الأول 1428هـ - 20 مارس 2007م

اقتراح وزاري بتعيين نصف مليون جامعي عاطل فيها

المراحيض في الجزائر.. "صحافة حرة" تتحدى حراس البوابة

بريشة باقي بوخالفه (خاص بالعربية.نت)
بريشة باقي بوخالفه (خاص بالعربية.نت)
 

الجزائر - رمضان بلعمري

تحولت جدران بعض المراحيض في الجزائر إلى فضاءات وصفحات لا تنتهي من البوح والتعبير بألفاظ قاسية جدا وانتقادات لاذعة للواقع المعيش وتجاه صناع القرار بداية من الرئيس بوتفليقة ووصولا لأصغر مسؤول في البلديات.

كل شيء قابل للنشر في هذه الصحافة المبتكرة، فهي لا تخضع لفلترة أو قرار حارس البوابة، وهو المصطلح الاعلامي الدارج عن الشخص الذي يقوم بمهمة حجب كل ما هو غير صالح للنشر وفق المعايير التي يعتمد عليها.
ورغم أنه يوجد في الجزائر مئات الصحف منها 40 صحيفة يومية على الأقل إضافة إلى آلاف المقاهي الشعبية التي لا تخضع لرقابة البوليس السري كما يحدث في بعض البلدان العربية، إلا أن ذلك لم يمنع كثيرين من الجزائريين للجوء لجدران المراحيض كوسيلة إعلامية مبتكرة وسهولة الوصول إلى قطاعات عريضة من الناس.

عودة للأعلى

500 ألف وظيفة

قصة الجزائريين مع المراحيض ربما لاتختلف عن غيرهم من العرب، لكن اقتراح وزير التشغيل و التضامن الجزائري ولد عباس بتوفير نصف مليون منصب عمل للشباب الجامعي العاطل عن العمل في مجال تسيير المراحيض العمومية، هو ما خلق خصوصية للموضوع، و تحول الأمر في النهاية إلى" إهانة كبيرة" أقدم عليها وزير لعامل النظافة وللطالب الجامعي على حد السواء، بحسب رأي بعض الجزائريين.
وعندما انفجر الوضع في وجه الوزير أوضح قائلا" "ليس في نيتنا إهانة أو إذلال لأي أحد، كل ما في الأمر أننا عرضنا صيغا كثيرة لامتصاص البطالة المتفشية، والمراحيض العمومية هي إحدى هذه الصيغ، لا سيما أنّ دخلها السنوي يربو عن 100 ألف دولار". غير أن توضيحات الوزير لم تشف الغليل، و اليوم أصبح ترديد حكاية الــ500 ألف مرحاض "مقززا" بين الجزائريين، لدرجة أن هذه المراحيض تحولت إلى منبر لسب الوزير ومطالبته بالاستقالة مادام أنه لم يقدم عليها بعد كل الكلام الذي قاله، بحسب ما كتبه أحد " كبار المعلقين" على جدران مراحيض العاصمة.

عودة للأعلى

اعترافات معلق

و يقول أحد المعلقين على جدران المراحيض لــ" العربية.نت" وهو شاب مثقف رفض الكشف عن هويته، أن ما يكتبه على جدران المراحيض هو "رجع صدى صوت المقهورين في قاع المجتمع الذين لا يملكون ثمن شراء جريدة أو ثمن ساعة دردشة في قاعة أنترنت، أما في المرحاض فلا يكلف الأمر شيئا عندما يبدأ في رسم أفكاره المبعثرة على الجدران".
و بالنسبة لهذا الشاب، فإن الكتابة على جدران المراحيض أمر لا يخص فقط الجزائريين وإنما هم جزء من "شعب عربي" بأكمله يعاني من تهميش الأنظمة العربية على كل المستويات فلم يجد هذا الشعب سوى المراحيض للتنفيس و لممارسة الديمقراطية على طريقته الخاصة. و يبدي هذا الشاب تخوفه من لجوء السلطات في البلدان العربية إلى فرض غرامة على التعليقات الحرة التي تصدر من زائري المراحيض، أو يتم اللجوء إلى تجريد كل من يدخل إلى المراحيض من كل وسيلة كتابة.

عودة للأعلى

جنس و سياسة

و في الواقع العملي لا يكاد يخلو مرحاض واحد من مراحيض الجزائر العاصمة من كتابات تتنوع بين البوح الجنسي و القصص العاطفية الفاشلة وبين انتقاد للواقع خصوصا السياسي منه، وهناك أيضا فئة " الناصحين" التي تقوم بدورها بكتابة نصائح للمعلقين بالتزام الأدب و بعدم الكتابة على الجدران..
و يتبين من ملاحظة بسيطة أن المواضيع ذات الطابع الجنسي وأحيانا الشذوذ هي الغالبة في تعليقات الزائرين، بحسب قول مسعود هدنة رئيس قسم المجتمع بجريدة الشروق اليومي، الذي يضيف لــ" العربية.نت" أنه قرأ شخصيا نماذج من هذه التعليقات يندى لها الجبين كما قرأ تعليقات تشيد بالجماعات المسلحة وهي تعود إلى سنوات الأزمة الأمنية.
وبالنسبة لمسعود فإن ما يفعله هؤلاء المعلقون والكتاب يتنافى مع السلوك الإسلامي الذي يمنع الكلام عند قضاء الحاجة ، و الكتابة هي نوع من الكلام الصامت الذي يستلزم ردا ثم يتطور الأمر إلى سباب متبادل إذا كان الموضوع مثيرا للجدل، بحسب ذات المتحدث.

عودة للأعلى

ثقافة للخلف

أما ياسين وهو طالب جامعي فيقول لــ" العربية نت" أن تعليقات الطلبة في مراحيض الجامعة هي الدليل القاطع على تراجع المستوى التعليمي، لأنها " تعني فيما تعنيه أن كل ما يتم تحصيله في قاعات الدراسة يتم طرحه في المراحيض للأسف، فضلا عن أنها تحولت إلى أماكن مفضلة للغش في الامتحان حيث تكتب الدروس على جدران المراحيض، قبل أن يتم التداول عليها من طرف الطلبة للحصول على "الإلهام" أمام الأسئلة الصعبة.
و للإعلامية زهية منصر رأي آخر في الموضوع حيث كتبت في جريدة "الشروق اليومي" تقول إن "ظاهرة نقل القيم من الشارع و الجدران المظلمة ليست جديدة على المجتمع الجزائري، حيث نشطت في زمن الأزمات المتعاقبة بداية من ثورة نوفمبر حيث كانت جدران المراحيض العمومية وسيلة لنقل الرسائل إلى الثوار في ظل الحصار الكبير الذي ضربته فرنسا على طرق نقل المعلومات إليهم".

عودة للأعلى

كتابات ابداعية

أما رسام الكاريكاتور باقي بوخالفة فيعتقد أن السلوك الذي يعمد إليه الأشخاص في التعبير عن مكنوناتهم في المراحيض العمومية هو سلوك أقرب ما يكون إلى السلوك الصادق الصادر عن شخص اختلى بنفسه هاربا من عالم لم يجد فيه حريته إلى عالم يراه أوسع من العالم الخارجي الذي ضاق به. و برأي الكاريكاتوري باقي متحدثا لــ" العربية.نت" فإن "التعبير في مثل هذه الأماكن هو إبداع حقيقي لأن من يكتب يتجرد من كل الأقنعة التي يلبسها، زد على هذا أنه يمكننا لمس جماليات في الجانب الغرافيكي والخطي من خلال الكتابة أو الرسم".

عودة للأعلى

كبت و مرض نفسي

وبرأي د.عبد الناصر جابي المتخصص في علم الاجتماع ، فإن ظاهرة الكتابة في المراحيض موجودة في كل البلدان و ليست قاصرة على الجزائريين وحدهم، و هي تعد شكلا من أشكال التعبير على الهامش حول مواضيع عادة ما تكون على الهامش هي الأخرى. وبعبارة أوضح يقول الدكتور جابي لــ" العربية.نت" أن "المسكوت عنه في المجتمع يتعرض دائما للقمع و كلما كان المسكوت عنه كبيرا كلما كان القمع أكبر"، و في حالة المراحيض هناك موضوعان أساسيان ،الجنس و السياسة، يعتبران من أكبر المواضيع المقموعة في المجتمعات العربية، ولهذا يلجأ البعض للمراحيض للتعبير بلغة قاسية ومباشرة جدا، لا تستطيع لا الجرائد و الفضائيات و لا أية وسيلة أخرى تحملها.
ولا يستبعد الباحث في الشؤون الاجتماعية أن تكون تعليقات المراحيض تعبيرا عن حالة مرضية يعانيها الأشخاص الذين يكتبون في المراحيض و يكون من الصعب التعبير عن وضعياتهم بشكل علني كما هو الشأن للشاذين جنسيا.

عودة للأعلى