دبي - فراج اسماعيل
أكد كاتب إسلامي مصري كبير عدم صحة ما تداولته بعض المواقع الالكترونية من اعتناق شيخ الأزهر الأسبق الإمام الأكبر د.محمد الفحام الديانة المسيحية قبل وفاته، وأن ذلك كان السبب في أنه الشيخ الوحيد الذي أعفي من منصبه في بداية عهد الرئيس الراحل أنور السادات.
وقال عبداللطيف فايد مساعد رئيس تحرير جريدة الجمهورية ورئيس قسمها الديني إن الفحام كان شخصية فقهية ولغوية كبيرة، ويعتبر واحدا من أكبر علماء الأزهر الذين تولوا منصب المشيخة منذ استحدثه العثمانيون لرعاية شؤون هذا الجامع العريق، واعفاؤه كان بطلب منه لكبر سنه واعتلال صحته.
ويعتبر فايد مؤرخا لمسيرة مشائخ الأزهر وله كثير من الكتابات التي تتناول تاريخ المشيخة، وكاتبا صحفيا معاصرا لعدد من مشائخه بداية من عهد الشيخ محمود شلتوت في ستينيات القرن الميلادي الماضي.
|
 |
مات في مصر من أجهته أكد د.محمود جامع الذي كان بمثابة مستشار للرئيس السادات فيما يخص الشأن الديني والاسلامي، أن الاعفاء كان استجابة من السادات لطلب ألح عليه الفحام بسبب تقدم سنه وتدهور صحته، وأنه استمع بنفسه إليه وعرفه عن قرب، والدليل على كذب هذا الادعاء أنه مات في مصر ودفن فيها، وليس كما قيل إنه ترك مصر تنفيذا لأمر من السادات وأقام في دولة غربية مجهولة حتى وفاته.
وأضاف: كان شيخا ورعا، ينتمي لأسرة بسيطة من مدينة الاسكندرية، وكان السادات يحبه، لكنه تولى المشيخة في سن كبيرة بقرار جمهوري عام 1969 وخلال وقت قصير قدم الكثير للعمل الاسلامي وساهم بنهجه وعلمه الغزير مع مؤسسات الدولة في مقاومة بعض أحداث الفتنة الطائفية في سنوات السادات الأولى، واستمر يؤدي عمله حتى عام 1973 حينما تقدم بطلب إلى السادات لاعفائه بسبب الشيخوخة وأمراضها.
أما فايد فقال لـ"العربية.نت" إن الشيخ الفحام من أعلام اللغة العربية والنحو وكان من شيوخ الأزهر القلائل الذين شغلوا عضوية المجمع اللغوي وظل فيه حتى مماته، وبعد أن قدم استقالته تولى المشيخة الدكتور عبدالحليم محمود الذي يعتبر أيضا من أشهر مشائخ الأزهر الذين تركوا بصمة كبيرة.
وكان جامع قال في حديث سابق لـ"العربية.نت" إن عبدالحليم محمود لعب دورا كبيرا في استحداث الرئيس السادات مادة الشريعة الاسلامية كمصدر رئيسي للتشريع وهي المادة الثانية من الدستور التي أثارت جدلا كبيرا في الفترة الأخيرة أثناء نظر التعديلات الدستورية.
|
 |
ليس الشيخ الوحيد المستقيل وتساءل عبداللطيف: رجل بهذا الحجم، هل يمكن أن تقال عنه هذه الفرية؟.. مشيرا إلى أن رصيده من الفكر الاسلامي واللغوي شاهد على علو قامته واسهاماته الكبيرة، خصوصا أن نتاجه في مجال الفكر والتأليف لم يتوقف بعد استقالته، بل استمر يساهم في مجلات الأزهر والبحوث الاسلامية.
واستطرد عبداللطيف فايد: ليس صحيحا أن الشيخ الفحام هو الوحيد من مشائخ الجامع الأزهر الذين تركوا منصبهم وهم على قيد الحياة، فهناك حالات أخرى، منها ما هو في العهد الملكي ومنها بعد الثورة، سيما أنه يعين من رئيس الجمهورية ولا يوجد نص يقول إنه يصير بذلك شيخا وإماما أكبر مدى الحياة.
وقال إن الاستقالة قد تحدث لأسباب سياسية أو خلافات، لكنها لم تكن تقلل أبدا من قيمة ووقار الامام الأكبر، وهناك من خرجوا من المنصب ثم عادوا إليه بعد سنوات، مشيرا إلى أن ذلك يدحض الادعاء من أساسه لأنه استند على قاعدة ترك الامام الأكبر لمنصبه وهو على قيد الحياة، فلا يوجد في لائحة الأزهر مادة تقول إن من يصل إلى المشيخة يبقى فيها مدى الحياة، فهذا أمر يرجع "لولي الأمر وهو رئيس الدولة".
وأضاف: هذا كلام غلط. الفحام لم يعف فجأة، كان تدهور صحته وكبر سنه مقدمات لذلك، وهو أول شيخ يتولى منصب الامام الأكبر من خارج القاهرة، فقد كان مقيما في الاسكندرية، وعندما أصدر الرئيس الراحل عبدالناصر قرارا بتعيينه شيخا للأزهر في17 سبتمبر 1969 خلفا للشيخ حسن المأمون، في ظل ظروف هزيمة يونيه، قام بدور كبير في بث الوعي الديني وتحميس الشعب على مقاومة أثار الهزيمة والاستعداد لحرب أخرى.
واستطرد: لقد اعفي الامام الأكبر الشيخ عبدالمجيد سليم مرة بقرار من الملك فاروق حين تولى المشيخة من عام 1950 حتى 1951 ثم عاد مرة أخرى في عام 1952، كما أعفي أيضا الشيخ ابراهيم حمروش الذي تولى في الفترة من 1951 حتى 1952 وكان اعفاؤهما لأسباب سياسية وليس لوقوعهما في أخطاء، فسليم أعفي بسبب تصريحاته ضد الملك فاروق، كما أعفي الامام الأكبر الشيخ مصطفى المراغي في عهد الملك فؤاد (والد الملك فاروق) لأنه كان يريد تنفيذ برنامج اصلاح في هيكلة الأزهر وجامعته، ثم عاد مرة أخرى لرئاسة المشيخة خضوعا لضغوط من طلاب الأزهر وعلمائه.
|
 |
شروط تولي المشيخة وعن المواصفات التي تشترط في وظيفة الامام الأكبر، قال عبداللطيف فايد: قبل ثورة 1952 كانت هناك هيئة لكبار العلماء، وهي التي تحولت فيما بعد إلى مجمع البحوث الاسلامية، وكان يجب أن يعين الشيخ من أعضاء هذه الهيئة، مشيرا إلى ان هذا المنصب الذي استحدثه العثمانيون عام 1690 وكان أول من تولاه الشيخ محمد عبدالله الخرش لم يكن في أي وقت بالانتخاب، وإنما كان من سلطة ولي الأمر.
وتابع: من المواصفات أن يكون مشهودا له بالورع والتقوى، وهذه الشروط لم يخرج عليها ملوك مصر اطلاقا قبل 1952 لكن بعد الغاء هيئة كبار العلماء بعد ثورة يوليو، أصبح رئيس الدولة يعين شيخ الأزهر من علماء الجامع والجامعة.
|
 |
شيخ أزهر من تونس واستطرد عبداللطيف فايد بأنه يشترط أيضا أن يكون مصري الجنسية أصلا أو بالتجنس، ومن ثم فكل شيوخ الأزهر كانوا مصريين أصليين إلا واحد هو الشيخ محمد الخضر حسين فقد كان تونسيا جاء مصر وأقام فيها وتجنس بجنسيتها وبعد مرور وقت طويل جدا على ذلك عين شيخا للأزهر في الفترة بين 1952 و1954.
ويسرد فايد قصة تعيينه قائلا: عندما خلا منصب شيخ الأزهر في عهد عبدالناصر، بعث عضو في مجلس قيادة الثورة إلى الشيخ الخضر الذي لم يكن يتولى أي وظيفة، وطلب منه أن يرشح له أسماء تصلح لتولي منصب الامام الأكبر، وكان يسأله عن رأيه في فلان أو فلان فيرد بأن هذا استاذه وشيخه في الحديث وذاك استاذه في التفسير والفقه.. الخ. وكان يثني على ما يسمع من ترشيحات ولم يطعن في أي اسم عرضه عبدالناصر عليه وقال جملة في النهاية بأن كل هؤلاء جديرون بهذا المنصب الرفيع. ثم فاجأه: وانت ماذا تقول في نفسك؟.. فأجاب: أنا تلميذ لهؤلاء جميعا وكلهم شيوخي وتعلمت منهم.
وتابع: نقل ذلك المسؤول كلام الخضر إلى الرئيس جمال عبدالناصر، فقال: هذا هو شيخ الأزهر، لقد امتدح كل العلماء ولم يفضل نفسه عليهم، وأصدر قراره بذلك، وكان الخضر في ذلك الوقت متقدما في السن.
|
 |
المناخ الطائفي من جهته قال الشيخ الازهري المعروف يوسف البدري، إن شائعة ارتداد الفحام انطلقت من خارج مصر بعد تقديمه لاستقالته، وربما يكون ذلك بسبب المناخ الطائفي الذي كان سائدا في هذه الفترة، لكن الحقيقة أنه كان من أبرز علماء ومشائخ الأزهر وذا علم كبير، واستمرت أحاديثه الصباحية في الاذاعة المصرية، بأسلوبه الجذاب القوي وقدراته الفقهية والعلمية والشرعية، ولذلك فان هذا الكلام غير صحيح بالمرة، فحتى الآن ينظر إليه بأنه من مشائخ الأزهر الكبار الذي أثروا مسيرته الطويلة بعلمهم الغزير وبجهودهم التطويرية.
وكان عزت اندراوس في "موسوعة أقباط مصر" قد ذكر أن الفحام "أعفي من منصبه لأنه اعتنق المسيحية، وغادر مصر بلا عودة إليها وطلب حق اللجوء الدينى هو وأسرته لإحدى الدول الغربية وما زالت أبنته موجودة حتى اليوم فى إحداها متخفية عن العيون الباحثة عنها". وأضاف أنه "تم تعميده على يد المتنيح الأنبا بيمن".
وبرر اندراوس ذلك الاستنتاج الذي ذهب إليه بأن "الفحام هو الوحيد من شيوخ الأزهر الذى أعفى من منصبه". مشيرا إلى أن "السادات استدعاه وطلب منه مغادرة مصر، فغادر هو واسرته إلى بلد غربية واختفى خوفاً من القتل" .
ولد الفحام في الإسكندرية – شمال مصر- عام 1894 ونشأ في أسرة عهدت به إلى من يحفّظه القرآن ويجوّده، وبعد أن أتمه التحق بالمعهد الديني بالإسكندرية، الذي أنشئ في سنة 1903 ويتبع التعليم فيه نظام التدريس في الجامع الأزهر، وكان يضم نخبة من كبار علماء الأزهر.
ويقول بحث للزميل الصحفي أحمد تمام إنه في المعهد لفت الأنظار إليه حتى إن شيخ الأزهرالأسبق "سليم البشري" أثنى عليه حين اختبره فوجده مُلمًّا بالنحو فاهما لدقائقه، وكان أساتذته في المعهد يهدونه مؤلفاتهم تقديرا منهم لذكائه ونبوغه، وإلى جانب نهجه للعلوم العربية والشرعية ولع بالمنطق والجغرافيا، وبلغ من شغفه بالمنطق أن ألّف كتابا في المنطق بعنوان "الموجهات" وهو لا يزال طالبا في الصف الثاني الثانوي، انتفع به زملاؤه في المعهد وظل في المعهد حتى واصل الدراسة بالقسم العالي، ونال "العالمية النظامية" بتفوق بعد امتحان أداه بالجامع الأزهر في سنة 1922. وعُين في سنة 1926 مدرسا في المعهد الديني بالإسكندرية، وقام بتدريس الرياضيات إلى جانب علوم الحديث والنحو والصرف والبلاغة.
نُقل إلى كلية الشريعة سنة 1935 لتدريس المنطق وعلم المعاني، وبعد سنة اختير للسفر إلى بعثة في فرنسا، فسافر إلى هناك هو وأسرته، ونال الدكتوراه من جامعة السربون سنة 1946 وكانت أطروحته بعنوان "إعداد معجم عربي فرنسي للمصطلحات العربية في علمي النحو والصرف"، ونالت رسالته إعجاب الأساتذة المستشرقين وتقديرهم لعلمه؛ حتى قال بعضهم له: "ما أظن أنه وطئت أرض فرنسا قدم رجل أعلم منك بالعربية".
بعد عودته عمل مدرسا بكلية الشريعة، ثم نقل منها إلى كلية اللغة العربية لتدريس الأدب المقارن والنحو والصرف، ثم انتدب إلى جانب عمله للتدريس بكلية الآداب بجامعة الإسكندرية، وعين في سنة 1959عميدا لكلية اللغة العربية، وظل في منصبه حتى أحيل إلى المعاش سنة 1960.
|
 |
43 شيخا للأزهر جدير بالذكر أن 43 شيخا تولوا رئاسة مشيخة الأزهر آخرهم الشيخ الحالي محمد سيد طنطاوي منذ استحداث هذا المنصب العام 1690، وقد خلا لفترات قصيرة بسبب اضطرابات أو خلافات داخله، فبعد الشيخ أحمد عبدالمنعم الدمنهوري في الفترة من 1767 إلى 1776 جرى تعطيل المنصب سنتين بسبب نزاع بين شيوخ الحنفية ونظرائهم المالكية، وبعد الشيخ ابراهيم البيجوري الشافعي من 1847 حتى 1860 ظل الأزهر بلا شيخ 4 سنوات بسبب وقوع اضطرابات فيه.
|
