الوفاة الغامضة لصهر عبد الناصر تثير شكوكا حول عمالته لإسرائيل

مؤرخان مصري وإسرائيلي أدليا بآراء متضاربة للعربية.نت

نشر في:

شكك مستشار بارز للرئيس المصري الراحل أنور السادات في أسباب وفاة الملياردير د.أشرف مروان مستشار الرئيس السابق للمعلومات قبل حرب اكتوبر 1973 والمسؤول عن تزويد الجيش المصري بصفقات سلاح مهمة استحق بسببها تكريمه بعد انتهاء هذه الحرب.

من ناحيته، قال المؤرخ الاسرائيلي المقيم في لندن أهارون بيرغمان، الذي كشف اسم اشرف مروان في كتابه "تاريخ اسرائيل"، إن مروان "أبلغه أنه يكتب مذكراته ويوضح فيها كيف عمل الجميع في مصر لإرباك اسرائيل"، لافتا إلى أنه " حادثه هاتفيا قبل يوم واحد من وفاته".

لغز المذكرات

وفيما يكتنف الغموض -حتى هذه اللحظة- سبب سقوطه من شرفة شقته في وسط لندن، قال د.محمود جامع مستشار الرئيس السادات في فترة السبعينيات إنه يعتقد أن مروان مات مقتولا خاصة بعد ما نشر مؤخرا أنه بصدد كتابة مذكراته.

وأضاف لـ"العربية.نت" أنه يرى أن الجاني لن يخرج عن اثنين، "مافيا" السلاح كتصفية حسابات قديمة أو جديدة، أو "الموساد" لأن المعلومات التي كان متوقعا أن يسردها مروان، قد تؤثر على سمعتها بشكل كبير، خاصة أنه في عالم الاستخبارات ليس كل ما يعرف يقال أو ينشر.

من هو بابل أو "الصهر"

وكان قد أثير جدل قد عام 2004 في أروقة الموساد – جهاز الاستخبارات الاسرائيلية – وأمان – جهاز الاستخبارات العسكرية الاسرائيلية – بعد ما تم الكشف عن أنه كان عميلا على أعلى المستويات باسم حركي هو "بابل" أو "الصهر" منذ قدم نفسه للموساد في لندن عام 1969، قبل عام من وفاة الرئيس الراحل جمال عبدالناصر والد زوجته "منى" التي تزوجها عام 1966.

وظل مروان وقتا طويلا قبل أن يكذِّب هذه التسريبات التي ذكرت أنه أخبر إسرائيل بموعد الهجوم المصري السوري في الخامس من اكتوبر 1973 قبل يوم واحد من بدئه، لكنه ضللهم في توقيتها، فقد حددها في السادسة مساء، أي بعد 4 ساعات كاملة من الهجوم وعبور القوات المصرية لقناة السويس.

لكن حملة إعلامية في مصر شنت ضده في الأسابيع الأخيرة، وسط مطالبات بفتح تحقيق في ما نشر بشأنه في عدة كتب اسرائيلية بشأن ملفات التحقيق في اخفاق الاستخبارات الاسرائيلية بتوقع موعد الحرب.

ونقل عن مقربين من مروان أنه كان يخشى على حياته في الفترة الأخيرة، دون أن يذكروا سببا لذلك، وكانت تنتابه حالة من الاكتئاب، وقد عاد مؤخرا من رحلة علاجية في الولايات المتحدة بسبب متاعب في القلب كان يعاني منها.

إلا أن د.محمود جامع أكد أنه لا يشك أبدا في وطنية أشرف مروان وإخلاصه لبلده، وأن الرئيس السادات ظل على علاقة به، حتى بعد إقالته من رئاسة الهيئة العامة للتصنيع عام 1979 واستقراره في لندن وتفرغه لأعماله التجارية وخاصة تجارة السلاح.

بدايات أشرف مروان

وعن بروزه المفاجئ من مجرد زوج لابنة عبدالناصر إلى أبرز وجوه السياسة المصرية في عهد السادات وعلاقاته الواسعة بملوك ورؤساء عرب وبشخصيات دولية مرموقة قال جامع إن ذلك بدأ يوم 14 مايو، تاريخ المعركة الفاصلة بين مراكز القوى والسادات، وتحديدا في حادثة "الخزانة" الحديدية التي كانت في بيت عبدالناصر، والتي كانت تضم كل وثائق وأسرار الدولة.

وأضاف: كان هناك مفتاحان لهذه الخزانة، أحدهما مع سامي شرف سكرتير الرئيس عبدالناصر للمعلومات والثاني مع مساعده أشرف مروان حيث كان قد عينه صهره في هذا المنصب بعد زواجه من كبرى بناته "منى". وعند القبض على شرف أوعز لسكرتاريته برئاسة محمد سعيد بالذهاب لبيت عبدالناصر وسرقة الخزانة وتهريبها في سيارة إلى مكان غير معلوم، وذهبوا فعلا إلى هناك حيث وجدوا بجانبها أشرف مروان الذي تصدى لهم بسلاح ناري كان يحمله، ثم أخبر السادات الذي جاء بنفسه بصحبه مستشاره حسن التهامي وقام باستلامها.

واستطرد محمود جامع: عينه السادات بعد ذلك سكرتيرا للمعلومات، مشيرا إلى أن مروان كان ذكيا جدا وله شبكة علاقات عامة قوية، ومخططا ومحاورا ممتازا، وكان السادات يرسله للملوك والرؤساء والأمراء العرب بدءا من عام 1971 برسائل شفهية ومكتوبة.

علاقة السادات ومروان

وتابع جامع: أخبرني السادات شخصيا بثقته الشديدة في مروان، وأنه في منتهى الأمانة والذكاء ويبلغ رسائله بدقة، علاوة على علاقاته العامة بمجموعة كبيرة من الشخصيات النافذة في دول مختلفة، وصداقاته مع القذافي. وبدأ نجمه يعلو، وظل مساندا للسادات حتى في ظل الحرب الاعلامية التي شنت ضد عهد الرئيس عبدالناصر، مما جعل أسرة الأخير تقاطعه، إلى حد أن د.حاتم صادق زوج هدى عبدالناصر لم يدعه في حفل زواج احدى بناته.

وقال: ثم بدأ الكاتب الشهير الراحل جلال الدين الحمامصي الذي كان كاتبا في جريدة "الأخبار" يهاجم أشرف مروان في الصحف يوميا متهما اياه بتصرفات مالية واستغلال نفوذ لصالحه ولصالح زوجته منى عبدالناصر، ثم سار على نفس خط الهجوم الكاتب الشهير الراحل موسى صبري، خاصة في ظل صداقة مروان الكبيرة بالقذافي وبنائبه في ذلك الوقت الرائد عبدالسلام جلود.

وأوضح: الحملة ضده أيضا شارك فيها المعسكر الاعلامي الموالي للمرحلة الناصرية بسبب انحيازه للسادات، مما جعل الرئيس الراحل يبعده عن الأضواء ويعينه رئيسا للهيئة العربية للتصنيع في الفترة من عام 1974 إلى 1979 وعينه سفيرا في وزارة الخارجية من الدرجة الممتازة، ومع ذلك قدمت في تلك الفترة استجوابات ضده في مجلس الشعب عن تصرفاته المالية واستغلال النفوذ.

وأوضح محمود جامع أن مروان استغل وجوده على رأس الهيئة العربية للتصنيع في الدخول إلى عالم صفقات السلاح مستغلا علاقاته الدولية الواسعة، وأنجز بالفعل لصالح مصر صفقات طائرات الميراج الفرنسية التي كانت متعثرة، وانجز صفقات سلاح لدول عديدة منها ليبيا، وكان بالفعل يأخذ عمولاته وهذا الشيء لا يعيبه فهو معترف به عالميا.

تجار السلاح

ويشير جامع إلى أن "أشرف مروان استمر في هذا البزنس بعد خروجه من رئاسة الهيئة وابتعاده عن السلطة ودخل في صراعات مع تجار سلاح كبار، كما عمل في تجارات أخرى، وكان له رجاله في لندن، ولم تنقطع في هذه الأثناء صداقته بالرئيس السادات وظل على اتصال وثيق به، كذلك ارتبط بصداقة حميمة بالسيدة جيهان السادات حيث كانت بينهما مصالح مشتركة.

وقال: لا أشكك في وطنية أشرف مروان وإخلاصه لبلده رغم كل ما قيل عن علاقته بالموساد، لكن المحصلة النهائية أنه كان رجلا يعمل لمصلحة مصر ولم يخن القضية في يوم من الأيام، وهذا عن قناعة ومن خلال ما كنت اسمعه بشأنه من الرئيس السادات.

دوره في كشف خطة حرب 73

وكان السفير أمين يسري قد نشر في العام الماضي بلاغا إلى رئيس جهاز الاستخبارات المصرية الوزير عمر سليمان طالب فيه بكشف الحقيقة عن ما نشرته صحيفة "العربي" المصرية التي يصدرها الحزب الناصري بتاريخ 22-10-2006 عن كتاب صدر عن حرب اكتوبر للصحفي الاسرائيلي ابراهام رابيونو الذي كان يعمل مراسلا عسكريا لصحيفة جيروزاليم بوست الاسرائيلية وقام بتغطية حرب 1973.

ونقلت الصحيفة عن المؤلف أن كتابه استغرق منه عشر سنوات راجع خلالها ارشيف الموساد وارشيف جهاز الاستخبارات العسكرية "أمان"، وأشار فيه إلى أن د. مروان كشف لاسرائيل خطط مصر لشن الحرب.

وقال يسري "ما يدعوني إلى تقديم هذا البلاغ أنه رغم مضي اسبوعين على صدور عدد الصحيفة التي تضمنت ما جاء في ذلك الكتاب فإن الموجه إليه الاتهام د.أشرف مروان لم يصدر منه استنكار أو نفي لما أورده مؤلف الكتاب، أو أنه في سبيله لمقاضاة المؤلف بإصدار حكم عليه وكذلك على الناشر بالتعويض عن الأضرار التي طالته من هذا الاتهام الذي يصل طبعا إلى مرتبة الخيانة العظمى".

وكان ايلي زعيرا الذي ترأس الاستخبارات العسكرية الاسرائيلية قبل وخلال حرب 1973 يعتبر أشرف مروان خصما لدودا له وأنه تسبب في اهانة شرفه العسكري معتبرا أنه ضلله واتهمه بالعمالة المزدوجة.

"العميل المزودج"

يذكر المؤرخ الاسرائيلي أهارون بيرغمان قد كشف اسم اشرف مروان في كتابه "تاريخ اسرائيل" في فصل عن حرب اكتوبر، بعد أن ابلغه به زعيرا.

وقال أهارون بيرغمان للعربية.نت:" كان هناك اتصال بيني وبين أشرف مروان يوم الثلاثاء أي قبل موته بيوم ولم أشعر بأي حزن في صوته ولكنه أبلغني أنه يعاني من صداع".

وأوضح "مروان اتصل بي 3 مرات يوم الثلاثاء الماضي وأخيرا تحدثنا وأبلغني أنه يشعر بالصداع جراء ما نشر حوله في الصحف الاسرائيلية .. وكان من المفترض أن ألتقي به يوم الأربعاء الذي سقط فيه من شرفة منزله وتوفي".

وقال إنه "قبل أسبوعين كان قد أرسل له موضوعين صحفيين من صحيفة هآرتز الاسرائيلية، تسببا له بصداع خلال هذه الفترة".

والمقالتان هما حول محاكمة إيلي زعيرا الذي كان يقود المخابرات العسكرية الإسرائيلية ( أمان ) خلال حرب أكتوبر المذكورة بسبب تسريبه هوية رجل الموساد أشرف مروان معرضا حياته للخطر ، بعد دعوى ضده من قبل وتسفي زامير الذي كان يقود الموساد خلال حرب 1973. وحكمت محكمة العدل العليا في إسرائيل على زعيرا بدفع قرابة 15 ألف دولار لزامير.

وتحدث بيرغمان للعربية.نت أيضا عن "لقاءات جمعته بأشرف مروان بعد أن ألف كتابا ذكر فيه أن اشرف مروان كان عميلا مزدوجا".

وقال: عندما كنت ألتقي مروان لم أساله ما إذا كان عميلا مزدوجا أو جاسوسا، ولكن سألته لماذا كانت المعلومات التي أعطاها لاسرائيل حول ساعة انطلاقة حرب 1973 متأخرة عن معادها الفعلي بأريع ساعات فأجابه مروان "أربع ساعات لا تحدث فارقا".

حدثني عن مذكراته

وقال بيرغمان إن "أشرف مروان بدأ بكتابة مذكراته عام 1971 قبل أن يبدأ العمل مع الموساد". وأضاف: سأله ذات يوم عما سيكون هذا الكتاب فقال لي "الكتاب سيظهر كيف أن كل شخص في مصر وكل النظام عمل ليربك اسرائيل" ، ويقول بيرغمان " عندئذ استنتجت أن أشرف مروان هو عميل مزدوج".