دبي - فراج اسماعيل
بعد سبع ساعات من التحقيقات أخلت نيابة أمن الدولة العليا في مصر الأربعاء 5-9-2007 سبيل الصحفي ابراهيم عيسى رئيس تحرير صحيفة "الدستور" اليومية بشأن ما نشره حول شائعة صحة الرئيس حسني مبارك.
وتناولت التحقيقات ما كتبه في عدد الخميس الماضي 30 أغسطس بأن "الرئيس مبارك مريض بقصور في الدورة الدموية مما يقلل من نسبة وصول الدم إلى أوعية المخ مسببا اغماءات أحيانا".
ووجهت له نيابة أمن الدولة تهمة اذاعة ونشر أخبار كاذبة مما يكدر السلم العام ويؤثر على مصالح البلاد العليا.
ولا يعني اخلاء سبيل عيسى اغلاق القضية، فالاتهام لا يزال موجودا، لكن مقربا من عيسى اعتبر ما حصل بمثابة "شد أذن" بحيث لو تكرر منه ذلك يتم تحريك القضية جنائيا، حيث ينص قانون العقوبات المصري على الغرامة والحبس بما لا يتجاوز ثلاث سنوات.
وقال المصدر لـ"العربية.نت": تبين أثناء التحقيق أن البلاغ ضد عيسى مقدم من محمد برغش الضابط في مباحث أمن الدولة.
وكانت نقابة الصحفيين المصرية استبقت التحقيقات مع عيسى، بإصدار بيان حذرت فيه من العصف بالحريات الصحفية، وإحالة الصحفيين إلى أمن الدولة أو الاشارة إلى اللجوء لإجراءات قانونية تستند "إلى بعض ما في ترسانة النصوص والتشريعات من مواد قانونية تصادر حرية التعبير".
 |
توقعات بإغلاق "الدستور" وأوضح رئيس التحرير التنفيذي لجريدة "الدستور" ابراهيم منصور، أن نيابة أمن الدولة العليا حققت مع عيسى في شأن ما نشره الخميس الماضي 30-8-2007 بأن الرئيس مبارك "مصاب بقصور في الدورة الدموية".
ورغم نفيه ما تردد عن ضغوط تمارس على رئيس مجلس ادارة "الدستور" عصام اسماعيل فهمي لاقالة عيسى من منصب رئاسة التحرير، كحلّ وسط لهذه الأزمة والحؤول دون المضي في القضية التي يمكن أن تؤدي الاتهامات الموجهة له فيها إلى حبسه، إلا أن منصور، وهو عضو في مجلس نقابة الصحفيين لا يستبعد أن تصل الأمور إلى حد اغلاق الجريدة في ما أطلق عليه "تصفية حسابات" معها.
من جهته دافع عبدالله كمال رئيس تحرير روز اليوسف عن مقال شديد اللهجة طالب فيه الجهات المسؤولة بمحاسبة هذه الصحف، مشيرا إلى إنه ليس لديه حسابات يصفيها مع أحد.
وردا على تساؤلات طرحتها "العربية.نت"، قال رئيس التحرير التنفيذي لـ"الدستور" إن ما يتردد حتى الآن حول الاتجاه لاغلاق الجريدة، هو من قبيل الاشاعات مستدركا بقوله "لكن ربما يحدث ذلك والله أعلم، فنحن لا نعرف ماذا عند المجلس الأعلى للصحافة ولا موقفه، فهو جهة غير مستقلة، أو جهاز حكومي ورئيسه – صفوت الشريف – هو الأمين العام للحزب الوطني الحاكم، وربما يأتيه شيء ما من جهة معينة".
ونفى تماما وجود ضغوط على رئيس مجلس ادارة الصحيفة لإقالة عيسى، أو تقديم الأخير لاستقالته كحل للأزمة، قائلاً إن شيئاً من ذلك لم يحدث. |
 |
سوابق إغلاق الصحف وعن شرعية إصدار المجلس الأعلى للصحافة قرارا باغلاق الصحيفة قال منصور "لقد فعلها قبل ذلك مع أن القانون لا ينص على الاغلاق الاداري للصحف، لكن ربما يستخدم قانون الطوارئ الذي بموجبه يمكن اغلاق الصحف ومصادرتها والحبس، مشيرا إلى إغلاق جريدة "النبأ" قبل ذلك بعد أزمة نشرها صورا لأحد القساوسة في أوضاع مخلة، لكنها عادت للصدور بعد ذلك بحكم قضائي".
واتهم الصحافة الحكومية بقيادة حملة تحريض ضد "الدستور" ورئيس تحريرها تحديدا، كنوع من "تصفية الحسابات من النظام معه ومع الصحيفة التي تقف ضد مشروع توريث الحكم بشكل حاد، مع أن هناك بعض الصحف تتخذ المواقف نفسها، لكن الدستور حادة ولاذعة، وهو أمر مقبول قانونا حسب ما أقرته محكمة النقض بأن انتقاد الشخصيات العامة مباح حتى لو كان بالشطط إذا كان الهدف المصلحة العامة".
وحول تسريبات تتوقع وقف عضوية ابراهيم عيسى بنقابة الصحفيين رد ابراهيم منصور بوصفه عضوا في مجلس النقابة بأن ذلك "ليس من حق المجلس الأعلى للصحافة، إذ يمكنه فقط أن يحيل للنقابة ما يرده من شكاوى او ما يعده حول تقرير الممارسة المهنية، ونحن نعرف من أين تأتي تلك الشكاوى، فهي إما من الجهات الأمنية، أو نتيجة لتصريحات السيدة سوزان مبارك لقناة (العربية) التي طلبت فيها بالمحاسبة، ومن ثم بدأ التحرك سواء من الصحافة الحكومية أو المجلس الأعلى للصحافة أو نيابة أمن الدولة والأخيرة هي سلطة تحقيق استثنائية، فالمفروض أن تجري التحقيق النيابة العامة".
وعن وجود حالات سابقة لفصل صحفيين من النقابة بشأن ممارساتهم الصحفية رد منصور " وجهت انذارات لبعض الصحفيين، لكن القضية الأخيرة مختلف عليها صحفيا، فهي تخص شائعة انتشرت بين الرأي العام، فهل يجب معالجتها أم اهمالها، وقد عالجناها من منطلق ايجابية الطرح والمطالبة ببيان واضح من خلال الرئاسة نفسها أو وزير الصحة أو طبيب الرئيس، في حين أن الصحافة الحكومية صمتت تماما مما زاد من بلبلة الناس".
وقال إبراهيم منصور إن معظم التحقيقات مع عيسى تناولت ما كتبه يوم الخميس الماضي في مقاله بأن "الرئيس مصاب بقصور في الدورة الدموية"، والذي ذكر فيه أن "الرئيس ليس مريضا بمرض يرتبط بالسن، حيث يقترب من الثمانين عاما، و أمراض من قبيل القصور في الدورة الدموية وتصلب الشرايين عادية جدا لدى كبار السن". وطالب في نفس المقال بأن "يعرف الشعب، وبالشفافية في الموضوع، لأن الرئيس منتخب" وعقب بأن هذا "الطرح طبيعي وعادي ولا يستحق كل هذا الجدل، لكن ربما يدور في المطبخ السياسي شيء آخر". |
 |
حدود معايير الشفافية وبشأن الانتقادات التي وجهت لرئيس تحرير روز اليوسف عبدالله كمال بأنه يقود حملة الصحف الحكومية التي تطالب بمحاسبة تلك الصحف المستقلة في اطار تصفية حسابات معها، وذلك بعد مقال نشره يوم الجمعة الماضي 31-8-2007 قال كمال لـ"العربية.نت" إن الحديث عن تصفية حسابات كلام فارغ لا قيمة له ولا وزن. القضية المتعلقة بالقيم الممتهنة في المناخ الصحفي بمصر، تشغلني منذ سنوات بعيدة، واكتب فيها بتواصل مستمر وبدون انقطاع إلى درجة تدهش البعض من سبب استمراري في هذه الحملة.
وأضاف: أرد على هؤلاء بأنني أخشى على مستقبل المهنة من العبث والفوضى، وأرى الناس لا يستطيعون التمييز بين ما هو خبر وما هو ادعاء وما هو معلومة موثقة وما هو كذب وما هو شائعات وما هو تحليل وما هو رأي. أنا أدافع عن مستقبل المهنة بشكل واضح وأرفض رفضا قاطعا أي كلام من هذا النوع، لأن من يردده مجموعة لا تلتزم بمواثيق محددة، وحين أعلن وجهة نظري فهذا حقي وتلك حريتي وأمارس حقوقي الدستورية.
وتساءل: ما هي تصفية الحسابات، وعلى أي أساس ولماذا وما هو الموضوع؟.. أنا الحمدلله قانع جدا بما تمكنت من تحقيقه، وليس لدي أي نوع من المطامع الأخرى فيما يخص بعض الناس، وإذا كانوا يعتبرون أن ما هم فيه هو ميزة تقتضي التصفيات، فليتخيلوا ما يتخيلون.
ويضيف كمال: ليست هذه الطريقة أو المناسبة التي يمكن أن تطلب فيها من مؤسسة الرئاسة تطبيق معايير الشفافية. فمن حقها أن تعلن عن برنامج الرئيس أو لا تعلن وفقا لمقتضياتها الأمنية، وهذه المسائل معروفة منذ زمن بعيد. شخصيا أعرف أخبارا من بعض الدول الأخرى عن زيارات سوف تتم في المنطقة العربية، ولكن حين طلبت مصادرها مني عدم النشر لاعتبارات أمنية، التزمت بذلك.
وتابع: صحافة التساؤل هي صحافة عاجزة وليس لديها قدرة البحث عن المعلومة، فهي تذكر "يقولون عن" فمن هم الذين يقولون، أو "يدعون أنه كذا" ونريد أن نعرف من هم الذين يدعون. هل مطلوب من المؤسسة أن تعلن لماذا لم يظهر الرئيس، وأن تعلن جدوله على الملأ. احدى الصحف نشرت يوم الجمعة الماضي بمعنى أن الكلام كتب يوم الخميس بعد اتمام لقاء الرئيس في مدينة برج العرب يوم الأربعاء، وقالت بالنص إنه لليوم الثالث على التوالي لم يظهر. كتبت هذا الكلام بعد 36 ساعة من اتمامه زيارة لبرج العرب، فكيف يمكن أن تقول إنه لم يظهر لليوم الثالث على التوالي، ثم تطالب أن يكشف الرئيس أين هو الآن. هذا لا يحدث في جميع أنحاء العالم، فتحركات الأشخاص وحفظ مواقعهم وتأمينهم أمر مفروغ منه.
وأوضح كمال أن الأمن معناه نفقات، وجزء من مسألة الأمن هو عدم الاعلان عن موقع في توقيتات معينة أو بعينها، أي أن يكون الرئيس قد انتقل من مقر رسمي في القاهرة إلى مقر أقل رسمية في برج العرب، وعدم الاعلان عن ذلك في وقت يشبه الراحة، يخفف من أعباء التكاليف الأمنية، أما العكس فسيجعل المؤسسة تتحمل تكاليف أمنية اضافية من مغبة الاعلان، والأمر الأهم أن كل النخبة السياسية والصحفية المتابعة بدقة لتحركات وتفاعلات المؤسسات المصرية تعرف وتدرك الحقيقة وهو أن الرئيس كان يستريح لبعض الوقت في برج العرب كما جرت العادة منذ عام 1984 باستثناء عام 2005 بسبب الانتخابات الرئاسية وعام 2006 بسبب أزمة لبنان.
وكان كمال تعرض في مقاله المشار إليه لما نشرته "الدستور" عن شائعة صحة الرئيس حسني مبارك، مشيرا إلى أنها كانت "حسب ما رصدته جهات تحليل ورصد الشائعات حرفيا، المصدر المعلن المباشر للشائعة ".
وتحدث عن نصوص قانونية تعاقب بالحبس أو الغرامة "كل من أذاع عمدا أخبارا أو شائعات كاذبة أو مغرضة أو بث دعايات مثيرة إذا كان من شأن ذلك تكدير الأمن العام أو إلقاء الرعب بين الناس أو إلحاق الضرر بالمصلحة العامة". وتساءل: هل هناك تكدير للأمن العام وإلقاء الرعب بين الناس والحاق الضرر بالمصلحة العامة أكثر مما جرى. |
 |
بيان من نقابة الصحفيين من جهته، أصدر مجلس نقابة الصحفيين المصرية بياناً، اعتبر فيه أن "ما جرى مؤخراً من انتشار إشاعات حول صحة الرئيس, كان لابد أن يفرض نفسه على الجميع. و لا شك ان معظم ما نشر كان تعبيراً عن القلق المشروع حول صحة الرئيس، خاصة أن ذلك تم في ظل عدم التعامل بجدية مع هذه الإشاعات من جانب أجهزة الدولة الرسمية الأمر الذي كان يمكن أن يقضي على الإشاعات في مهدها.
وطالب "بضرورة تلافي ذلك مستقبلاً بتنظيم تدفق المعلومات الصحيحة أولا بأول,
وخاصة حين يتعلق الأمر بشخص الرئيس" مشيرا إلى أنه "إذا كان هناك خلاف حول أسلوب بعض الصحف في التعامل مع قضية الإشاعات الأخيرة, و في ظل الغياب الإعلامي الرسمي و المعلومات الدقيقة، فإن ذلك ينبغي أن يعالج في إطار الحرص على الحريات الصحفية".
وعبر البيان عن ثقته في عدم التراجع عن حرية الصحافة والعمل على اتساع مساحتها عبر كل الآليات الديمقراطية والممارسة المسؤول ورفض كل المحاولات للتحريض عليها أو التربص بها، والترحيب بالموقف الثابت للرئيس مبارك من حرية الصحافة ودفاعه عنها وعن حقها في النقد.
وكانت هيئة مكتب المجلس الأعلى للصحافة قررت تكليف لجنة تقارير الممارسة الصحفية برئاسة الدكتور فاروق أبوزيد, إعداد تقرير مهني يتولاه خبراء متخصصون وأكاديميون محايدون, حول ما نشرته وسائل الإعلام عن صحة الرئيس والترويج لها, وبيان مدى مراعاة هذه المعالجة لأحكام قانون الصحافة.
كما قررت تشكيل لجنة تضم مجموعة من القانونيين والمستشارين من أعضاء المجلس, تتولي بحث الإجراءات القانونية اللازمة لمواجهة هذا الأمر الذي يتعلق بأمن الوطن واستقراره, في ضوء ما ينتهي إليه تقرير لجنة الممارسة. |
