"العربية" في 5 أعوام غيّرت المشهد الإخباري وأعلت الأداء المهني

أكثر محطة في العالم قدمت ضحايا ثمنا لموضوعيتها

نشر في:

في 3 مارس/ آذار 2003 انطلق بث قناة "العربية" مدشنا إطلالة مختلفة في العالم العربي للخبر والتقرير التلفزيوني غير المحكوم بأيديولوجيات ومواقف مسبقة.

خمس سنوات مضت منذ ذلك الوقت ترسخت فيها أشياء كثيرة في مجال الصحافة التلفزيونية بفضل هذه القناة واستراتيجيتها القائمة على تحقيق أهدافها في الموضوعية وتحقيق معادلة السبق والمصداقية التي قفزت بها خلال وقت قصير من ولادتها لتكون الأكثر مشاهدة في منطقة الشرق الأوسط والعالم العربي بين القنوات الإخبارية.

تساءل خبراء إعلاميون عن المشهد الإخباري الفضائي العربي في حال عدم وجود (العربية) في السنوات الخمس الماضية؟..

أهمية السؤال والخطوط التي تحته.. أنها أكثر المراحل التي مر بها العالم العربي والإسلامي، من حيث ضجيج الحروب بقنابلها وصواريخها والدماء المهدورة فيها. حروب من الإرهاب وعلى الإرهاب. تشويه للإسلام قام به إرهابيون محسوبون على الإسلام.

صورة نمطية سيئة انطبعت في عقول الغرب تساهم قنوات إخبارية عربية بترسيخها عن طريق بثها لشرائط زعماء الإرهاب في أفغانستان والعراق ومناطق أخرى في الشرق الأوسط.

استقبلت (العربية) الحياة مع بداية حرب العراق التي أنهت نظام صدام حسين. جاءت لاحقة لقنوات سبقتها وأعدت عدتها لتغطية هذه الحرب، لكنها فاجأت الجميع بأدائها اللافت، بمجموعة من الصحفيين المهرة الذين جعلوا (العربية) عين المشاهد الباحثة عن الحقيقة ومجريات الحرب الفعلية.

تميزت متابعات هذا المولود الجديد أيامها بصدقها وحدسها الصحيح. لم تهول ولم تلعب على وتر عواطف الناس، فكسبت احترامهم وثقتهم في تقاريرها وتعاملها مع الأحداث.

يفسر مدير القناة عبد الرحمن الراشد في أحد الحوارات التي أجريت معه الانتقادات الشديدة التي وجهت لتغطية الفضائيات العربية للحرب في العراق، بأن كثيرا من المحطات تغيرت لتصبح محطات سياسية في تلك الفترة وغالبية الإعلاميين أخذوا نمطا واحدا من الأزمة العراقية معتبرين أن هذا الخط يمثل الشعب العراقي ولم يكن ذلك صحيحا.

تأصيل حالة العراق

سبقت (العربية) غيرها في تأصيل الحالة التي سادت العراق بعد سقوط نظام صدام حسين، فبينما عملت تغطيات أخرى على استخدام مصطلحات المقاومة والتحرير لتوصيف التفجيرات والعمليات الانتحارية التي أودت بمئات الآلاف من الأبرياء، كانت (العربية) سباقة ومتجردة من الضغوط الأيديولوجية والعاطفية عندما تعاملت مع ما يجري بأنه إرهاب لا يريد للشعب العراقي خيرا.

ودفعت (العربية) ثمن موضوعيتها والحرص البالغ على مهنيتها، فنالت يد الإرهاب من الزميلة أطوار بهجت، وأطلق رصاصه على الزميل جواد كاظم فأصابته بالشلل.

في إطار ذلك لم تنجر وراء التسابق نحو بث شرائط الكاسيت والفيديو وهي الوسيلة الإعلامية التي لجأ إليها تنظيم القاعدة وزعيمها أسامة بن لادن ونائبه أيمن الظواهري.

رفضت أن تكون بوقا لهم تردد رسائلهم الملغمة، رافضة التضحية بقيمة الخبر وصدقه وتجرده في سبيل تسجيل انتصارات إعلامية وقتية.

أثبت الزمن صدق نظريتها وقوة منطقها عندما شعرت القنوات الأخرى بتأثر مكانتها ومساحتها المرئية بسبب هذه الأشرطة، وبدأت تتراجع عنها شيئا فشيئا، لأن المشاهد لم يعد يهتم برؤيتها أو سماعها، وبات مقتنعا بأنها حيلة الإرهابيين لنقل فكرهم وإيهام العالم بأن الحياة لا تزال تدب فيهم.

جاءت تغطيتها لاغتيال رفيق الحريري مميزة في البحث عن الجديد والصحيح والابتعاد عن الاجتهادات أو "الفرقعات" كما حدث عندما رفضت الانسياق وراء اعترافات أحمد أبو عدس الذي قال إنه "الانتحاري الذي فجر موكب الحريري" وهو ما تبنته وسائل إعلام وقنوات فضائية أخرى، ولم تثبته جهات التحقيق الدولية فيما بعد.

بعد هذا السياق تأتي الإجابة على السؤال الذي طرحه خبراء في الإعلام.. بدون (العربية) لم نكن سنصل لهذه النتائج ولصيغة الخبر المجرد الواعي الجديد في سماء الإعلام والصحافة العربية.

مصاحبا لكل ذلك كانت انفرادات (العربية) الأكثر ترديدا في الإعلام الدولي. حوارات مع أشخاص مؤثرين في السياسة والاقتصاد، وأخبار وتغطيات مميزة في مواقع الأحداث.

سوق الأسهم

ويأتي تفردها الكبير بنقلها الحي لسوق الأسهم، فجعلته مثار اهتمام الجميع، ومن شاشة (العربية) قبلة لرجال الأعمال وحملة الأسهم في بيوتهم ومكاتبهم وحتى في المطارات الدولية أثناء أسفارهم.

بفضلها دخل عدد كبير من الناس إلى سوق الأسهم وأصبحوا مهتمين بتقلباته وأخباره وكونوا خبرات جديدة، ونقلت الخبر الاقتصادي نقلة كبيرة فلم يعد جمهوره من الخبراء والمتخصصين فقط، بل من عامة الناس أيضا.

يقول عبد الرحمن الراشد في أحد حواراته الصحفية: إن (العربية) لم تنشأ للرد على (الجزيرة).
لو لم تكن (الجزيرة) موجودة لظهرت محطة اسمها (العربية) أو تحت أي اسم آخر.
يؤمن الراشد بأن البساط كبير جدا ويتسع لعشر محطات إخبارية "ليس المطلوب أن نسحب منهم البساط أو يسحبوه منا. المطلوب أن تتوفر للمشاهد العربي محطات كثيرة ولا تحتكره قناة واحدة. أغلبية مشاهدي محطات الأخبار يشاهدون معظم القنوات ويحددون ماذا يشاهدون بناء على منطقهم أو عقلهم أو عاطفتهم".

رائدة للتنوير السياسي

الباحث محمد عوض قال في أحد مقالاته عن قناة العربية إنها "في الألفية الثالثة تتبوأ الإعلام العربي كرائد
"للتنوير" السياسي للمواطن العربي.

واعتبرها "أفضل الفضائيات الإخبارية، فنجدها وقد أصبحت تمثل للمشاهد العربي الأولوية في عالم الأخبار فضلا عن تميز حواراتها الإخبارية بما تتصف به من موضوعية وعلمية".

ويضيف أن "العربية" تحسن انتقاء ضيوف برامجها من ذوي الفكر وأصحاب الرؤى أيا كانت توجهاتهم السياسية، فنادرا ما نجد منهم أصحاب منهج "الصراخ والضجيج" والشعارات الصارخة والجوفاء.

وتقول وكالة الأنباء الفرنسية بأن "العربية" تفاخر بأنها ساهمت في تغيير المشهد الإعلامي العربي عبر تغطية تؤكد على موضوعيتها وتقنية ما انفكت تتطور.

وقال ناصر الصرامي مدير الإعلام في القناة للوكالة الفرنسية "نحن نؤمن أن خمس سنوات هو عمر قصير لكن العربية حققت الكثير من التغيير في المشهد الإعلامي العربي".

واستطرد الصرامي بأن القناة "استطاعت أن تخلق لغة مهنية راقية فصلت بين الرأي والتحليل وبين الحدث والخبر، ضمن تغطية لا تتداخل فيها عواطف المراسل أو المحرر. كما أن العربية فتحت مساحات للأطراف المضادة لتطرح أفكارها التي تعبر عنها وليس عن رأي القناة".

الخط التحريري

وقال "نحن أكثر تلفزيون في العالم خسر كوادر صحافية وبشرية خصوصا في العراق فقد خسرنا أكثر من 12 شخصا" مشيرا بشكل خاص إلى مراسلة العربية في بغداد أطوار بهجت التي قتلت بعد أن خطفها مجهولون.

أما عن خطها التحريري فقال الصرامي: إن (العربية) أجرت مراجعة لهذا الخط خلال السنوات الخمس "ومن كان ينتقدنا في البداية يمتدحنا الآن".

وتملك القناة شبكة من عشرات المكاتب والمراسلين في الدول العربية والعواصم العالمية الرئيسية. وبمناسبة عيدها الخامس قال الصرامي إن "العربية ستطل على العالم بشكل جديد، وقد تم إنشاء استوديو جديد فريد من نوعه على مستوى العالم يتمتع بتقنيات من الأحدث في العالم خصوصا التقنيات السمعية البصرية الجديدة داخل الاستوديو وغرفة التحرير".