زيارة الرئيس اللبناني إلى إيران: البحث عن دور إقليمي في لحظة تاريخية
طهران وضعت "فيتو" على لقائه مع رفسنجاني
اعادة التصويب التي يمارسها الرئيس الامريكي المنتخب باراك اوباما لخطابه السياسي خصوصا فيما يتعلق بالملفات الشرق اوسطية والاخرى المتفرعة عليها ، قبل تسلمه ادارة البيت الابيض رسميا في النصف الاول من الشهر الاول من العام القادم ، تطرح الكثير من التحديات والتعقيدات على الاطراف المعنية دوليا واقليميا، وتفرض عليها اعادة ترتيب اولوياتها وحساباتها بناء على مآلات الخطاب الرئاسي الامريكي والمفاتيح المؤثرة فيه.
وفي هذا السياق، فإن الزيارة التي قام بها الرئيس اللبناني ميشال سليمان الى الجمهورية الاسلامية الايرانية، وان كانت بالنسبة للجانب اللبناني تعتبر تنفيذا لجدول زيارات وضعه سليمان لنفسه بزيارة العواصم التي ساهمت في اخراج الازمة الدستورية اللبنانية من عنق الزجاجة واسست لوصوله الى سدة الرئاسة أي الى طهران بعد واشنطن وباريس والرياض والدوحة ودمشق. الا انه لا يمكن تبسيط انعكاسات التصويب في الخطاب الامريكي الذي اعتبرت بعض الاطراف، قبل هذه المراجعة، انه يؤسس لمرحلة جديدة من التحالفات تحتمل ان تكون على حسابها ولصالح اطراف جديدة تحاول فرض امر واقع مختلف، ما أسس لاستبعاد إمكانية أن يحصل الرئيس اللبناني على العصا السحرية من هذه العواصم ليفلق بها البحر، ويتحول الى زعيم وطني بامتياز في زمن بات من الصعب فيها التسليم فيه بالأحادية السياسية في المنطقة، خصوصا في لبنان.
من هنا ، فإن طموحات الرئيس اللبناني بلعب دور اقليمي بالاستفادة من اللحظة التاريخية التي جعلت منه محط اجماع دولي واقليمي ولبناني لتولي الرئاسة، قد تكون محقة وطبيعية، لكن الواقع والتعقيدات السياسية في علاقات دول المنطقة بين بعضها البعض الآخر، وعلاقة هذه الدول مع عواصم القرار الدولي وقربها وبعدها عنه، كبحت هذه الرغبة واعادة لبنان الى مجرد ورقة تجاذب وساحة تصفية حسابات هادئة بين هذه الدول بانتظار ما ستكشف عنه السياسات الجديدة للبيت الابيض.
ولذا كانت التوصية السعودية للرئيس اللبناني بعدم فتح ملف العلاقات السورية السعودية خلال زيارته للرياض ولقائه العاهل السعودي، ومن هنا أيضا جاءت المماطلة الامريكية بالوفاء بالتعهدات التي قدمتها للعهد الجديد سياسيا وماليا وعسكريا، ومن هنا كذلك تغييب ملف الاستراتيجية الدفاعية وسلاح حزب الله عن المحادثات التي اجرها سليمان مع القيادة الايرانية.
وعلى الرغم من محاولات القيادة الايرانية اضفاء بعد استراتيجي على هذه الزيارة، لولا التسريبات التي سبقتها من بيروت عن تباين في وجهات النظر بين الرئاسة اللبنانية وقيادة حزب الله حول الملفات التي من المفترض ان تشكل جدول أعمال الزيارة الرئاسية مع الجانب الايراني واهمها الاستراتيجية الدفاعية وسلاح المقاومة، والتي من المفترض ان تمنح سليمان في حال استطاع تحقيق اختراق في هذه النقاط القدرة على تثبيت موقعه دوليا واقليميا ومحليا وتدفع به ليتحول الى زعيم وطني تنضوي تحت عباءته كل الاطراف السياسية اللبنانية .
وحساسية هذين الملفين لدى الطرف الايراني، كانت السبب في تباطؤ الرئاسة الايرانية بداية بتحديد موعد لرئيس البعثة الدبلوماسية اللبنانية في ايران ما ادى الى تأخير في تسليم الرسالة الجوابية من الرئيس اللبناني لنظيره الايراني، وكذلك في تحديد موعد الزيارة والذي جاء بعد تأخير اكثر من شهر عن الموعد المقرر لها.
وطهران التي تدرك تماما ان الوقت لم يحن بعد للتنازل ولو النسبي في أي من أوراقها الإقليمية، وانها لابد ان تتريث في اتخاذ أية خطوة قد تؤثر على موقعها وما تراه دورا استراتيجيا لها في المنطقة، رفعت في حضور الشاهد اللبناني اوراق لعبها الاقليمية بالتركيز على الصراع الفلسطيني الاسرائيلي والمقاومة، طبعا الاسلامية والقضاء على الكيان الصهيوني وبناء "شرق اوسط اسلامي" جديد ساهم "الانتصار في حرب تموز 2006" في تحديد ملامحه بعد ان انعقدت نطفته سابقا في " انتصار " التحرير عام 2000.
ولجأت طهران على لسان المرشد الاعلى للنظام آية الله علي خامنئي لاعتماد سياسة ملء الفراغ بإعلان دعمها لطاولة الحوار الوطني على أساس مسلمة حفظ المقاومة والوحدة الوطنية .
والخطاب الايراني عن الوحدة الوطنية، لم يأت من منطلق الاعتراف بالتنوع السياسي والحزبي، لأن الغلبة كما تراها طهران باتت في المكان الذي تريده لحلفائها، بل الوحدة المتأتية من التنوع الديني (الطائفي) اللبناني، أي أن الذي يفرض الوحدة الوطنية على التنوع السياسي هو الخطاب المقاوم والحفاظ على سلاح المقاومة المنتمي حصريا، أي أن الامر في المحصلة ينتهي الى أن المقاومة والالتزام بالنهج المقاوم هما من يحدد الأطراف اللبنانية التي يمكنها الدخول تحت المظلة الوطنية، على أساس القرب او البعد عن المقاومة، شرط ان يكون خارجا من انتماءاته الطائفية أو على حساب هذه الانتماءات.
وهنا تصبح رعاية الرئيس اللبناني للحوار الوطني غير بعيدة عن هذه الرؤية، أي رفع المقاومة وسلاحها من دائرة النقاش الى مستويات قد تصل مآلاتها حدود المقدس، بحيث لا يعود ممكنا المساس بها، وبالتالي لا استراتيجية دفاعية الا ما تراه المقاومة، وأن آلية الاندماج الوطني تدخل في ما يلي هذا الامر.
وكعادتها لجأت طهران، مستفيدة من الاستعدادات الأمريكية لتسليم واستلام في الادارة ، وبعد الكلام الجدي الذي سمعته حول نهائية التوجه لتمرير الاتفاقية الامنية الامريكية العراقية، والتي تعني تقليصا نسبيا لمجالات نفوذها على الساحة العراقية وتراجع هامش المناورة، لجأت الى استغلال فراغات الملفات الاخرى لتوجيه رسائل الى الاطراف الدولية عن نواياها الجدية في التعاون والايجابية في وضع تصورات للحلول اذا ما اخذت هذه الاطراف ما لايران من ثقل في هذه الملفات ايضا، على غرار ما قامت به في الاتفاقية الامنية التي لم توقع الا بعد مفاوضات سرية عراقية ايرانية من جهة، وايرانية امريكية من جهة اخرى. لذا فإن الكلام الايراني عن دعم طاولة الحوار دخل في اطار سياسة ملء الفراغ التي تعتمدها في مواجهة واشنطن.
الا انها حددت في المقابل شروط هذا الدعم على الساحة اللبنانية انطلاقا من مبدأ أساس حفظ المقاومة وشرط الوحدة الوطنية حولها وحول سلاحها، واستعدادها لتقديم مساعدة في تسليح الجيش اللبناني بالاسلحة الخفيفة والمتوسطة وتدريبه على حرب العصابات التي تعتبر في ايران من اختصاص قوات حرس الثورة الاسلامية ، أي ما يعني ادخال الجيش اللبناني في اطار الاستراتيجية الدفاعية للمقاومة التي تشكل حرب العصابات العمود الفقري لقوتها وقدراتها العسكرية في مواجهة أي اعتداء او أي تحرك قد تقوم به. وتدخل الشروط الايرانية على لبنان في اطار الشروط نفسها التي وضعتها طهران على الاتفاقية الامنية العراقية، أي كسب نقاط ايجابية لصالحها ولصالح حلفائها مقابل أي مساعدة وتعاون، خصوصا وأن الجهات العراقية التي ساهمت في تمرير الاتفاقية الامنية في البرلمان العراقي تعتبر الحليف الأساس لطهران داخل التركيبة السياسية العراقية، وان الضمانات الامنية التي حصلت عليها طهران بأن لا يتحول العراق الى نقطة انطلاق عسكرية لأي هجوم محتمل ضدها، فضلا عن احتفاظها بقدر من النفوذ على الساحة العراقية، كانت الاساس في هذا التحول في موقف طهران من معارض شرس الى موافق بشروط .
والاستعداد الايراني للحوار والتعاون، يبدو انه يأتي من احساس لدى القيادة الايرانية بوجود تحولات قد تكون جذرية في الموقف الدولي من العصيان والتمرد الايراني على السياسات الدولية، خصوصا وان الادارة الامريكية الجديدة لم تكشف كل اوراقها، وان المؤشرات التي اطلقتها هذه الادارة الجديدة بدأت بالتحول والعودة الى السياق الطبيعي للاستراتيجية الامريكية، ما يعني ان على طهران اظهار حسن نواياها تمهيدا لتأسيس مرحلة مختلفة مع المعطى الامريكي والدولي الجديد.
وفي الزيارة اللبنانية - التاريخية - الى طهران ، حاول الجانب الايراني - وعلى اعلى المستويات - تجنب الحديث في أي من الملفات ذات العلاقة بموقع الدولة اللبنانية وتعزيز مؤسساتها ، استبعادا لاحتمالية أي التزام قد يؤثر على موقع ودور حلفائها على الساحة اللبنانية، خصوصا وان أي حديث عن تعزيز دور الدولة ومؤسساتها سيكون على حساب هذه القوى ويفرض تراجعا لنفوذها، من هنا كانت كل الزيارات واللقاءات التي اجراها الرئيس اللبناني مع القيادات الايرانية مرصودة ومراقبة بكل تفاصيلها من قبل حليف ايران الاول على الساحة اللبنانية، واحيانا على حساب الدبلوماسية اللبنانية، منعا لاي التزام او زلة كلامية من أي مسؤول ايراني في حديثه مع الرئيس سليمان.
والدفع الايراني باتجاه تشكيل لجنتين، واحدة للتعاون السياسي وأخرى للتعاون الامني، ستبقى فقط في اطار التصريحات، لأن الجانب اللبناني الرسمي، لم يحصل على الحد الادنى مما يرضيه في هذه الزيارة، إضافة الى ان جهات لبنانية أخرى لا ترتبط بعلاقات ود كبير مع طهران، تسعى من خلال التأكيد على ترسيم الحدود مع الجارة سوريه الى وضع آلية جدية وفاعلة لضبط عبور الاشخاص الايرانيين الى الاراضي اللبنانية من دون موافقة جهاز الأمن العام اللبناني الرسمي.
وعلى عكس الرغبة الايرانية التي تطالب بمزيد من تسهيل عملية دخول الايرانيين الى الاراضي اللبنانية، فان مراكز القرار في الادارة اللبنانية، وبعيدا عن الدبلوماسية اللبنانية، تعمل على ترسيخ مبدأ المعاملة بالمثل، ما يعني بالنتيجة منع القنصلية اللبنانية من المبادرة الى اصدار تأشيرات سفر للايرانيين من دون الحصول اولا على موافقة دوائر الامن العام اللبناني المختصة، ما قد يعني لاحقا الاتجاه الى علاقة متوترة بين الادارتين.
اما على الصعيد الايراني الداخلي، فقد عكست زيارة الرئيس اللبناني تصاعد الصراع السياسي بين قوى ومراكز القرار في ايران، اذ رفضت الدبلوماسية الايرانية ادراج لقاء مع رئيس مجلس خبراء القيادة الشيخ هاشمي رفسنجاني على جدول لقاءات ميشال سليمان على الرغم من رغبة الطرفين في حصوله، ما يؤشر الى رغبة لدى الرئيس الايراني محمود احمدي نجاد واطراف لبنانية بابعاد سليمان عن التعاطي مع الصوت الايراني المعتدل الذي يمكنه ان يقدم رؤية واقعية للتطورات والمعادلات الاقليمية وموقع لبنان فيها، اضافة الى رغبة احمدي نجاد في توظيف هذه الزيارة لتوجيه رسائل سياسية يحملها للضيف اللبناني ، وانتخابية داخلية تساعده على تحسين موقعه الانتخابي.