هجوم غزة: تيار العنف في إسرائيل يهزم أنصار "السلام الهزيل"
95 % من الإسرائيليين يؤيدون قصف القطاع
تطرح الهجمات الإسرائيلية المتصاعدة على قطاع غزة تساؤلات حول جدوى اللجوء المتكرر للقوة المفرطة. ويثبت استقراء تاريخ الدولة اليهودية أن هذه الممارسات شكلت مبدأ أصيلا للسياسة الإسرائيلية تجاه العرب، وفقا لمقال للكاتب حازم عبد الرحمن نشرته صحيفة "الأهرام" المصرية الأحد 4-1-2009. ويطرح المقال رؤية مؤداها أن أنصار العنف أكبر وأقوى من تيار "السلام الهزيل" داخل إسرائيل. ويدلل الكاتب على رؤيته بأحدث استطلاعات الرأي في إسرائيل عقب بدء الضربات الجوية على غزة والتي أسفرت عن تحسن الموقف الانتخابي لزعيم حزب العمل الإسرائيلي إيهود باراك وتسيبي ليفني زعيمة حزب كاديما الحاكم. كما ذهبت نتائج الاستطلاعات إلى أن 95 % من الإسرائيليين يؤيدون العملية العسكرية ضد غزة. وفيما يلي نص المقال.
إسرائيل تشجع المتطرفين
المطلوب من إسرائيل أن تعيد النظر في سياساتها بصدق, فهي قد دأبت علي اللجوء إلي القوة, وهذا يفتح الباب لكراهيتها في المنطقة بشكل منقطع النظير.. فمن الذي يحب الجلاد؟.. ثم أين هي العبقرية في أن يلجأ الإنسان إلي البندقية والدبابة والصاروخ كلما واجه مشكلة؟.. خاصة أنه من الثابت أن المشكلات لا حل لها عن طريق هذه الأدوات.. فهي أدوات قتل وإبادة وليست أدوات حياة وسلام.
(1) تعتمد السياسة الإسرائيلية تجاه المنطقة العربية علي مبدأ أصيل, هو الضرب بكل قسوة, فعلي هذا الأساس تمت زراعتها في المنطقة, ولقد أثبت تيار المؤرخين الجدد في إسرائيل أن قيام الدولة نفسه في عام1948 ارتبط وتوافق مع قسوة وعنف ووحشية بالغة الضراوة, دفعت بعض هؤلاء المؤرخين إلي الاعتراف بأنه قد تم ارتكاب عمليات تطهير عرقي.
والمؤسف أنه كان المأمول من إقرار اتفاقيتي السلام مع مصر, ثم الأردن, أن تزداد قوة تيار أنصار السلام داخل إسرائيل, ولكن الظاهر بكل وضوح, أنه تيار هزيل وهش ولا يمثل أي قوة لها رصيد أو ثقل في هذا المجتمع. قد يتصور البعض, أن حادث اغتيال اسحق رابين عام1995 كان سببا قويا في ذلك, وهذا كلام مشكوك فيه, لأن السؤال يبقي, لماذا وبالرغم من كل شيء, يبقي تيار العنف والتشدد قادرا علي التوالد, وعلي الانتشار, وعلي الهيمنة علي الغالبية العظمي من الأحزاب السياسية؟.. بحيث يتحول التيار السياسي الراغب في التعامل مع الدول العربية المجاورة إلي نوع من الحيوانات المنقرضة؟
المدهش مثلا أن الرد علي تقرير لجنة فينوجراد التي حققت في أسباب الأداء السيئ للجيش الإسرائيلي في لبنان2006, يكون في شن غارة خلال نصف ساعة بين الساعة11,30 إلي الساعة12 من صباح السبت27 ديسمبر2008 تؤدي إلي قتل205 وإصابة نحو ألف شخص؟.. لماذا لا يؤدي هذا التقرير مثلا إلي إضعاف أنصار عقيدة القوة والعنف والقسوة والدم, بدلا من أن يصبح غذاء يقتاتون عليه ليزدادوا توحشا؟
كيف يمكن إقناع أي إنسان في المنطقة العربية بأن هناك في إسرائيل أهل سلام لهم وزن بينما يري كل هذه الدماء تسيل في غزة؟.. ألا يعني هذا أن عقيدة الضرب والقسوة أصيلة بشكل لا يمكن إصلاحه في إسرائيل؟
(2) ماذا تقول آخر استطلاعات الرأي في إسرائيل؟! إنها تبين أن ضرب غزة أدي إلي تحسين الموقف الانتخابي لكل من إيهود باراك, زعيم حزب العمل الإسرائيلي, وتسيبي ليفني زعيمة حزب كاديما الحاكم, وأن هذا التحسن يأتي علي حساب موقف حزب الليكود الذي يتزعمه نيتانياهو, وظهر أيضا أن أكثر من95% من الإسرائيليين يؤيدون العملية العسكرية ضد غزة, وأن80% منهم يؤيدونها بلا قيد أو شرط.
أليس من المفروض أنه في ظل مجتمع ديمقراطي ينفتح المجال نوعا ما أمام المعارضة؟.. ما هو حجم المعارضة إذن لهذه العملية؟
الواضح أنها صارت أقلية لا قيمة لها أو ثقلا.. صحيح نحن نري المعارضين ينظمون مظاهرات, ويحرصون علي كتابة المقالات في الصحف, ولكن ما هو وزنهم أو قدرتهم علي التأثير في القرارات التي تتخذها الحكومة؟.. أو قدرتهم علي عرقلة أي تشريع ضد السلام في البرلمان؟.
ألاتنبئ هذه الاستطلاعات بأن الرأي العام الإسرائيلي تسيطر عليه في اللحظة الحالية عقلية القطيع؟.. هل يتصور أحد أن إنسانا يمتلك رأيا مستقلا وله قدرة علي انتقاد ما يراه من حوله يمكن أن ينضم إلي تأييد مثل هذه العملية التي تفتك بسكان مدنيين؟.. هل هناك أحد يصدق أن صواريخ القسام الفشنك يمكن أن تمثل تهديدا حقيقيا لدولة إسرائيل؟.. نحن نعرف أن آلة الدعاية الإسرائيلية تريد أن تقنعنا بهذا الرأي, ولكن من الذي يصدق ذلك؟ انها مزعجة نعم, ولكنها مزعجة كما تزعج النملة الأسد, ولا يمكن أن تكون تهديدا له.
(3) القضية إذن, أن العملية الإسرائيلية هي استعراض للقوة, ولن تنجح في القضاء علي حماس أبدا.. وحتي لو تم الاقتحام البري للقطاع, فلسوف يؤدي الغزو بالدبابات والمدفعية إلي تدمير المنازل المهدمة أصلا, ولكنه لن يقتلع حماس أبدا.. فعبر كل تاريخ العالم لم تنجح أي عمليات عسكرية أو قمعية في تحطيم بنية حركة مقاومة وطنية أو حزب سياسي.. بالعكس, تقوم هذه العمليات بأفضل دعاية لها, ولذلك فإن حجم الأنصار والمعارضة يزدادون عقب مثل هذه العمليات بدلا من أن يتناقصوا, ولذلك فهي تنجح دائما في تعويض خسائرها.
والأسوأ من كل هذا, أن هذه العمليات في ظروف المنطقة العربية الراهنة تؤدي إلي انتشار التشدد الإسلامي الديني علي اتساع المنطقة, ولو من باب التعاطف مع حماس التي يعتبرها الغالبية العظمي مظلومة. ولا قيمة هنا لكونها متعنتة, أو جاهلة, أو السبب في هذه النكبة.. فكل هذه أمور تشغل بال أهل النظريات, والفكر, والتاريخ.. أما المواطن العادي في الشارع, فإنه يجد نفسه مندفعا لأن يسلك السلوك المضاد للإسرائيليين, فإذا كان95% من الإسرائيليين يؤيدون العملية, فإن100% من أهل المنطقة العربية يعارضونها.
وهكذا إذن, فإن هذه العملية الإسرائيلية, وباستجابتها الهوجاء للتحدي الذي مثلته حماس, وباستخدامها القوة المفرطة التي لا تتناسب مع صواريخ القسام, تكون قد لعبت علي أنغام حركات وتيارات التشدد الإسلامي, لكي تزداد انتشارا في المنطقة, وتكون قد دفعت المنطقة نحو مأزق بالغ الخطورة يجعل السلام بعيدا بـعد السماء عن الأرض.