أحزاب مصر.. أكثرها كرتونية وواقعها حزب واحد يملك ويحكم
24 حزبا لا يعرف منها إلا خمسة فقط
خمسة أحزاب فقط يعرفها المصريون من بين 24 حزبا سياسيا حصلت على موافقة رسمية، بعضها عبارة عن شقة مؤجرة ولافتة أعلى العقار الذي تقع فيه، وهذا يعني أن 19 حزبا هي أحزاب كرتونية ليس لها صوت في تغيير المعادلة في بلد يقطنه أكثر من 80 مليون نسمة، فيما يظل الحزب الوطني ممثلا في الواقع لتنظيم أوحد يملك قرار التصريح بأحزاب جديدة أو فاعلة، وقادر على الامساك بالحكم لانعدام قدرة منافسيه على ذلك.
والطريف أن اتحاد ملاك إحدى العمارات رفض وضع لافتة واحد من تلك الأحزاب حتى لا يشوه الشكل الخارجي للعمارة، وكان أسهل وصف لمن يقصد مقره أن يقال إنه يقع أعلى سوبرماركت شهير.
في مقدمة الأحزاب المعروفة، الحزب الوطني الحاكم المهيمن على الحياة السياسية في مصر وعلى الأغلبية شبه المطلقة، وهذا تعزوه المعارضة إلى تدخل الحكومة في الانتخابات بشكل أو بآخر على مستوى البرلمان بغرفتيه، مجلس الشعب والشورى، والمجالس المحلية.
وتكاد تنفرد الديمقراطية المصرية بما لا يوجد في أي نظام حزبي في العالم، بأن المنافس الرئيس للحزب الحاكم ليس حزبا بل جماعة محظورة تشارك في الانتخابات بصفة مستقلين، وهي جماعة الإخوان المسلمين، والتي أحرزت انتصارا ملحوظا في الانتخابات البرلمانية قبل الماضية، بمشاركة أعضاء سابقين في الحزب الوطني تقدموا كمرشحين مستقلين، بعد أن استبعدتهم هيئة الحزب من قوائم ترشيحاته، مما جعله يفقد أغلبية المقاعد لأول مرة، والتي عادت إليه بعد أن أعاد ضم هؤلاء المرشحين الفائزين عقب الانتخابات ليمثلوه في مجلس الشعب.
أما الأحزاب فعدد المقاعد التي تمثلها محدود للغاية، لكن البعض منها معروف للناس لعوامل تاريخية فقط مثل حزب الوفد الذي وصل إلى الحكم في فترات وكان رقما معارضا كبيرا في فترات أخرى قبل حركة الجيش في 23 يوليو 1952.
ومنها حزب الغد بسبب حبس أيمن نور في ما سمى بقضية تزوير التوكيلات، عقب حصوله علي المركز الثاني في أول انتخابات رئاسية مباشرة تجري في مصر عام 2005، وحزب التجمع اليساري الذي قرر زعيمه خالد محي الدين ترك منصبه طواعية، واخيرا يأتي الحزب الناصري لارتباط اسمه باسم الرئيس الراحل جمال عبد الناصر.
البداية ثلاثة منابر
عندما قرر الرئيس المصري الراحل أنور السادات التمهيد لعودة الأحزاب في السبعينيات بانشاء ثلاثة، منابر حزبية لليمين واليسار والوسط، لم يكن يدري أن الأمور ستصل الي ما وصلت إليه الحياة الحزبية الآن في مصر، وربما لم يدر بخلده ان طريقة إنشاء الاحزاب التي نفذها ستكون هي هشاشتها الحالية.
كان أول ما فعله السادات الغاء الاتحاد الاشتراكي العربي (التنظيم الأوحد الذي أسسته حركة يوليو/تموز على انقاض تنظيمين سابقين، فشل كل منهما إثر الآخر، وهما هيئة التحرير، ثم الاتحاد القومي).
ثم أسس المنابر الثلاثة التي ترأس إحداها وهو منبر الوسط الذي تحول فيما بعد إلى حزب مصر، ثم تغير مرة ثالثة إلى اسمه الحالي "الحزب الوطني الديمقراطي".
والمثير الوسط ثم الحزبين، كانوا كمن ولد في فمه ملعقة من ذهب، فلكونهم خرجوا من عباءة الحكم فقد ورثوا مقارات الاتحاد الاشتراكي العربي، وأماكن وقصور تابعة للدولة.
وبعد ذلك ظهرت أحزاب الأحرار والتجمع والوفد الجديد. وميزها جميعا بما فيها الحزب الحاكم صوت صاخب تمثل في صحفها التي بدأت قوية شدت الشارع إليها، خصوصا أن السادات تدخل بكل ثقله في الصحيفة الناطقة باسم الحزب الوطني، وأطلق عليها اسم "مايو" نسبة إلى حركة التصحيح التي نفذها ضد أركان سلفه عبدالناصر في 15 مايو 1971، وخصص لها طاقما تحريريا مميزا برئاسة الصحافي ابراهيم سعدة رئيس تحرير أخبار اليوم، وعددا من الكتاب المشاهير، وخصها بأحاديث أسبوعية معه حول ذكرياته وما يدور في مطبخ الرئاسة، بل وبصور خاصة في منزله حول حياته اليومية بدءا من لحظة استيقاظه وحلاقة ذقنه وإفطاره واستقباله لعائلته، وكلها أمور شدت القراء المصريين في وقت لم يتعودوا فيه سوى على منظومة الإعلام الرسمية الرصينة التي تمنع الاقتراب من خصوصيات الحكم.
وفي المقابل نافستها صحف الأحزاب الثلاثة الأخرى بقوى، فرئيس تحرير "الأحرار" التي تمثل حزبا يحمل الاسم نفسه، د.صلاح قبضايا، قدم نفسه وصحيفته كرئيس تحرير لأول صحيفة معارضة في مصر قبل الثورة، وبهذا المسمى حققت أرقام توزيع عالية، وصارت تكتب بأسلوب معارض قوي، لكنها انزوت قليلا عقب ظهور صحيفة الوفد برئاسة تحرير مصطفى شردي ودخولها في معارك عنيفة مع أركان الحكم وإعلامه ممثلا في موسى صبري الذي كان يوصف حينها بهيكل السادات لقربه الشديد منه، مقارنة بقرب الصحافي المعروف محمد حسنين هيكل بالرئيس جمال عبدالناصر، وانضمت إلى هذه القافلة صحيفة "الأهالي" لسان حزب التجمع اليساري وحققت مثل زميلاتها أرقام توزيع عالية.
صخب صحافي لأحزاب ضعيفة
هذا الصخب الصحافي أعطى للناس انطباعا بوجود حياة حزبية لم تكن موجودة في الواقع سوى للحزب الوطني الحاكم، وإن ظهرت الأحزاب الأخرى فيما بعد السادات عندما دخل الاخوان في قوائم بعضها كما حصل مع الأحرار ومع حزب العمل، وذلك عندما تم تطبيق نظام القوائم في الانتخابات.
ذبلت تلك الصحف فيما بعد، وأصاب الذبول الشديد الحياة الحزبية، فلم يعد موجودا واقعيا سوى الحزب الوطني الحاكم وبدا للرأي العام كأنه الوجه الآخر للتنظيم الأوحد، فيما أصرت لجنة الأحزاب التي تمنح صكوك العمل الحزبي على رفض مشروعات أحزاب جادة، مانحة موافقتها لاحزاب ورقية لا تملك من اكثر من اصوات اعضائها، وفي بعض الاحيان يمنحون اصواتهم لممثلي الحزب الحاكم، مثلما حدث في انتخابات الرئاسة عندما قام مرشح حزب الامة ورئيسه، بمنح صوته لمنافسه الرئيس حسني مبارك.
النائب المعارض حمدين صباحي وكيل مؤسسي حزب الكرامة قال لـ"العربية.نت" إن عملية رفض الأحزاب الحقيقية والجادة التي تمتلك رصيدا من الشعبية، عملية مقصودة حتي يصوروا للناس ان الاحزاب الكرتونية التي تمت الموافقة عليها تمثل المعارضة، فيفقدوا الثقة في أي بديل للحزب الوطني.
وأضاف حمدين: لدينا ما يزيد عن العشرين حزبا، أنا اتحدى رئيس لجنة شؤون الاحزاب صفوت الشريف أن يقول نصفها من ذاكرته دون أن ينظر إلى الأوراق أو يستعين بسكرتاريته الخاصة، فضلا عن أن يتذكر أسماء رؤسائها.
وأوضح أن تجربة حزب الكرامة كشفت عن حقيقة ما يرددونه عن التعددية الحزبية، لأنهم لا يريدون معارضة من قلب الشارع، بل معارضة تحت مظلة الحزب الوطني، مشيرا إلى رفض لجنة الأحزاب قبول حزبه مرتين، وكان السبب هو المادة المطاطة الموجودة في قانون الأحزاب السياسية والتي يتم بها ذبح أي وهي التي تشترط "تميز الحزب واتيانه بجديد" فمن خلال هذه المادة تم رفض حزبي الكرامة والوسط واحزاب أخرى برامجها افضل من برنامج الحزب الوطني.
وأشار إلى ما يعتبره أمرا شاذا لكون رئيس لجنة شؤون الاحزاب هو نفسه من يتولى منصب الأمين العام للحزب الوطني، وأن أعضاءها وزراء في حكومة هذا الحزب، وهذا يعني في الواقع أن من يمنح الموافقة لقيام حزب جديد هو الحزب الحاكم.
حزب الطربوش
من أطرف الشخصيات الحزبية في مصر رئيس حزب الأمة أحمد الصباحي – 94 عاما - الذي أعلن قبل فترة تخليه عن "الطربوش" الذي يضعه على رأسه، لأن الناس تسخر منه ومن حزبه وتسميه "حزب الطربوش".
تم تأسيس الحزب عام 1982 ولم يخض مؤسسه صراعا من أجل الموافقة عليه، وفي مراحل تالية قام الصباحي برد الجميل للحزب الوطني، آخرها إعلانه ندمه عندما رشح نفسه منافسا للرئيس مبارك، لكنه حصل مع المنافسين الآخرين علي النصف مليون جنيه كدعم من الدولة لكل مرشح من مرشحي الرئاسة.
خرج أحمد الصباحي من لجنة الانتخابات يرتدي رابطة عنق عليها صورة الرئيس مبارك، وقال للصحافيين إنه انتخب الرئيس مبارك ولم يعط صوته لنفسه.
وقدم الصباحي برامج للشباب من نوعية دورات قراءة الكف والفنجان والطالع، ودورة متخصصة لتدريب الشباب علي الحلاقة، وانتهى الحزب باعتكاف صاحبه في فندق مطل علي نيل العجوزة يملكه سامي حجازي الذي اصبح نائبا لرئيس الحزب، بينما حدثت مشاجرات بين اولاد الصباحي وزوجته الخامسة على المناصب.
تجميد وتفجير سياسي
يحصل الحزب على عدة مكاسب عندما يصرح له بدخول الحياة الحزبية، أولها الدعم المالي من الدولة ويقدر بخمسين ألف جنيه سنويا، وثانيها تمكينه من إصدار صحف يومية وأسبوعية وشهرية، وهي ميزة كبرى يعرفها كل من حاول اصدار صحيفة في مصر برخصة محلية، وفشل بسبب عشرات العراقيل القانونية أو الاعتراضات الأمنية، وهناك تسعيرات لبيع رخصة الصحيفة أو المجلة التي تصدر من الحزب لآخرين يلتزمون ظاهريا بأنهم ينتمون له، تتوقف على نوعها والجمهور الذي تخاطبه وهوية الشخص الذي يريدها.
كما يحصل الحزب على مكاسب أخرى تتمثل في تنظيم رحلات الحج والعمرة وسفريات متابعة المنتخبات الوطنية في المسابقات الرياضية، بخلاف العلاقات التي يفتحها رجال الحزب مع الدولة التي تسهل لهم الحصول على أراض ومدارس ومشاريع.
صورة الأحزاب المصرية لا تكتمل دون أن نظر الى الأحزاب التي جرى تجميدها أو تفجيرها سياسيا.
حدث هذا مع أحزاب العدالة الاجتماعية والشعب الديمقراطي ومصر الفتاة الجديد، وهي أحزاب حصلت على موافقة خلال الفترة بين عامي 1990 و 1993 – أي أن عمرها ما بين 15 الى 18 سنة ومع ذلك لا يسمع احد عنها، فقد دخل الأعضاء في صراعات علي الرئاسة كما دخلت النيابة العامة ونيابة الأموال طرفا في صراعات اخرى انتهت بتجميدها.
وحدث كثيرا أن تفجرت سياسيا أحزاب من داخلها، فقد تفكك حزب الغد بدخوله صراعا على رئاسته، وحدث ذلك أيضا في حزب الوفد الذي شهد حادثة حرق مقره بقنابل المولوتوف بين جبهتي نعمان جمعة رئيسه السابق ومجمود أباظة رئيسه الحالي من مقره في قصر الدقي، لكن جمعة لا يزال يعتبر نفسه رئيسا واختار مقرا له شقة في ميدان رمسيس بوسط القاهرة، والمعروف أنه كان قد رشح نفسه للرئاسة منافسا لمبارك.
ما حدث في الوفد حدث في الغد بالتوكيلات المزورة التي حكم فيها بالحبس علي مؤسس الحزب أيمن نور بعد أن اتهم بتزوير توكيلات، ثم تفكك الحزب بإعلان موسي مصطفي انشقاقه وتنصيب نفسه رئيسا له، وأصبحت هناك جبهتان للغد جبهة نور وجبهة موسي.
أحزاب لا يسمع بها أحد
نجحت أحزاب في الحصول على موافقة لجنة شؤون الأحزاب، لكن أحدا لا يسمع بها حتى الآن، رغم إصدار بعضها صحفا تحمل اسماءها.
من بين تلك الأحزاب، حزب الخضر المصري الذي تأسس عام 1990 وحزب الاتحاد الديمقراطي الذي تأسس عام 1990 أيضا، وحزب التكافل الاجتماعي: تأسس عام 1995، وحزبا الوفاق القومي ومصر : تأسسا عام 2000 وحزب الجيل الديمقراطي: تأسس عام 2002 والحزب الدستوري الاجتماعي الحر: تأسس عام 2004، وحزب شباب مصر: تأسس عام 2005، وحزب السلام الديمقراطي: تأسس عام 2005 ، وحزب المحافظين: تأسس عام 2006، والحزب الجمهوري الحر: تأسس عام 2006.
آما آخر الأحزاب فهو حزب الجبهة الديمقراطية الذي تأسس عام 2007 الذي ضم نخبة مثقفة وسياسية وإقتصادية من بينهم الوزير السابق د يحيي الجمل والسياسي والنائب البرلماني أنور عصمت السادات وعضو المجلس الاعلي للسياسات بالحزب الوطني السابق د أسامة الغزالي حرب.
وفي خلال ثلاثة أشهر فقط حصل الحزب علي الرخصة، ولم تمض ثلاثة أشهر اخرى حتي بدأت الانشقاقات في الظهور، وانتهت برحيل السادات عنه، الذي قال
لـ"العربية.نت" إن هذا الحزب شهد أكبر حركة استقالات عرفتها مصر في ربع القرن الماضي ابعدت عنه قيادات إقتصادية وعلمية وسياسية، وشهدت مناصبه العليا صراعات كبيرة.
وأضاف: المجموعة التي تولت القيادة ابتعدت عن الشارع واغلقوا مكاتبهم عليهم واهتموا بالاعلام والدعاية، ولهذا انسحبت كما انسحب آخرون، وأنا محبط من الحزب الذي حصل على رخصته بسرعة وانهار بنفس السرعة.