بوتفليقة والولاية الثالثة: الجزائر رهينة ثورتها وعسكرها

التعديل الدستوري لفترات الرئاسة أجهض الديمقراطية

نشر في:

شكلت الجزائر منذ نيلها الاستقلال عن فرنسا ما يمكن اعتباره استثناءً عربيا في آليات تداول السلطة في الوطن العربي، بل وفي الدول حديثة العهد بالاستقلال عموما, إذ إنها إلى جانب لبنان، والسودان -نسبيا- كادت تكون هي الدول العربية الوحيدة التي بها رئيس سابق على قيد الحياة. فعلى مدار أربعة عقود ونيف منذ استقلالها عن فرنسا عام 1962 تناوب على حكم الجزائر ثمانية رؤساء، كان أطولهم حكما هواري بومدين، إذ حكم نحو ثلاثة عشر عاما ونصف العام خلال الفترة من يونيو/حزيران 1965إلى ديسمبر/كانون الأول 1978، ويليه الشاذلي بن جديد الذي حكم قرابة 13عاما في الفترة من 1979حتى أوائل 1992، وبعده تعاقب على حكم الجزائر أربعة رؤساء خلال أقل من نحو سبعة أعوام، كان أقصرهم حكما محمد بوضياف الذي جيىء به من منفاه في المغرب كرئيس انتقالي ليتم اغتياله بعد حوالي ستة أشهر في الحكم.

ينتمي كل هؤلاء القادة ابتداء من أحمد بن بلة الرمز التاريخي للثورة الجزائرية، وحتى الرئيس الحالي عبد العزيز بوتفليقة لجبهة التحرير الوطني، ما يعني أن مصدر الشرعية كان ومازال هو الإرث التاريخي لثورة التحرير، وأن السند الرئيس للنظام بقي الجيش في كل الأوقات. أبقت هذه المعادلة المؤلفة من قادة تاريخيين لهم وزنهم في حركة التحرر الوطني، ويد قوية لجيش الجزائر، ما يمكن اعتباره حالة جمود سياسي طويل، رغم تغير رأس القيادة سريعا.

سنوات التحول

أسهمت هيمنة الحزب الواحد وحالة الفراغ السياسي هذه -مع ما شهدته الجزائر من سعي محموم لاستعادة الهوية الوطنية، مصحوبة بالفشل في تحقيق كثير من الأحلام الكبرى للثورة كأغلب الثورات- في حدوث حالة حنق وغضب اجتماعي؛ غذَّى نموًّا سريعًا ومتزايد للتيار الديني السلفي في الجزائر؛ لتأخذ الأحداث منحى تصاعديا، قاد لما سمي بثورة الخبز في أكتوبر/تشرين الأول 1988، والتي اضطُر الرئيس الشاذلي بن جديد تحت ضغطها للدعوة لإصلاحات سياسية انتهت بتعديل دستوري في فبراير/شباط 1989أقر التعددية السياسية، والتي جرت وفقا لها أول انتخابات تشريعية تعددية في ديسمبر/كانون الأول 1991والتي فازت الجبهة الإسلامية للإنقاذ بزعامة عباس مدني بجولتها الأولى باكتساح؛ ليتدخل الجيش ممثلا في مجلس الأمن الأعلى ليلغي الجولة الثانية لها، ويجبر بن جديد على الاستقالة من الرئاسة في 11 يناير1992.

وفتح إلغاء الانتخابات واستقالة الرجل القوي الشاذلي بن جديد الباب أمام مرحلة دموية مضطربة في تاريخ الجزائر شهدت تولى رئيسين انتقاليين لما يفلحا في منع انزلاق البلاد نحو اقتتال داخلي، وصل إلى حد الحرب الأهلية بين الجيش من جهة، وجبهة الإنقاذ وتيارات إسلامية أخرى دفعت ثمنها الجزائر أكثر من 150 ألف قتيل خلال الفترة من 1992 وحتى عام 1999، الذي شهد مجيء عبد العزيز بوتفليقة للسلطة قادما من المنفى؛ عبر انتخابات قاطعها منافسيه الستة عشرة عشية التصويت، على خلفية أن الانتخابات لن تتوافر لها النزاهة والشفافية المطلوبة، وأن الجيش سيتدخل لدعم بوتفليقة.

رجل الإنقاذ في مرحلة صعبة

تمكن بوتفليقة الذي سبق له رفض منصب الرئاسة حين عرضت عليه عام 1994، وبمهارته الدبلوماسية التي اكتسبها من سنوات طوال في هذا المجال -تمكن- من وقف إراقة الدماء، والتأسيس لحالة سلام ومصالحة داخلية كانت تبدو بعيدة، وذلك عبر تنظيم استفتاءين، أولهما حول "الوئام المدني" عام 1999، وأدى إلى استسلام آلاف الإسلاميين. وعقب إعادة انتخابه لولاية ثانية في إبريل/نيسان 2004، أجري استفتاء آخر عام 2005 حول ميثاق "السلم والمصالحة والوطنية"، الذي أتاح "العفو" عن متشددين إسلاميين مقابل استسلامهم. كما أطلق بوتفليقة -ومنذ توليه الرئاسة- خططا طموحة لإنهاض الاقتصاد تجاوزت قيمتهما 150 مليار دولار؛ بهدف تحديث البنى التحتية الأساسية التي ينتمي أغلبها للحقبة الاشتراكية. كما استطاع بجدارة أن يعيد الجزائر للمسرح الدولي، بعد غياب فرضه اضطراب الداخل. ورغم هذه الخطوات الكبيرة في بلد مرَّ بتلك الظروف الصعبة، بقيت قضايا أخرى كثيرة على رأسها تفشي الفساد، ومعدل البطالة المرتفع، وغياب الاستثمار الأجنبي عن الجزائر؛ بفعل هشاشة الحالة الأمنية، وجمود القوانين الاقتصادية التي تعود لبدايات الثورة, بقيت تلك القضايا دون حلول ناجعة.

ومع التسليم بتلك المعوقات إلا أنه يمكن القول بأن حالة الهدوء النسبي وتوقف دوامة العنف مع وفورات مالية ضخمة؛ بفضل ارتفاع عائدات النفط والغاز وفرت مناخا جيدا كان كفيلا بأن يفتح أمام الجزائر أفقا نحو تغيير طال انتظاره؛ للخروج من عباءة الحزب الواحد، وأن يعود الجيش لثكناته تاركا شؤون الحكم والسياسة للأحزاب والساسة، والتحول لمسار ديمقراطي جدي تحتاجه الجزائر وتستحقه عن جدارة بماضي نضالي باهر، ومقدرات اقتصادية قوية، وكفاءات بشرية قل أن تتوافر لدولة واحدة.

كان بوسع بوتفليقة أن يدخل التاريخ من باب أوسع وأبقى؛ باعتباره الرجل الذي أخرج الجزائر من أتون الحرب الأهلية لدائرة المصالحة والسلم المدني، وأن يهيئ لها مناخا آمنا نحو تعددية حقيقة توافرت لها الشروط والظروف الملائمة, لكن يبدو أن لحظة إحداث مثل هذا التغيير ولت أو في طريقها لذلك، ففي نوفمبر/تشرين الثاني الماضي أقر البرلمان الجزائري تعديلا دستوريا ألغى بموجبه تحديد فترات الرئاسة بفترتين متتاليتين فقط، بما فتح الباب أمام إعلان بوتفليقة في الحادي عشر من فبراير/شباط الجاري ترشحه لولاية رئاسية ثالثة؛ لتبقى الجزائر التي أطلق عليها يوما "قبلة الثوار" أسيرة الثورة؛ بحزبها، ورموزها، ولسان الحال يقول إن الجزائريين كما لو كانوا قد قايضوا خلال السنوات الماضية على حلم الديمقراطية بالأمن.