دبي – أحمد أدهم
أفاد مراسل "العربية" في طهران ضياء الناصري أن هناك إشارات تدل على أن المرشد الأعلي للجمهورية الايرانية علي خامنئي تراجع عن دعمه لمرشح التيار المحافظ محمود أحمدي نجاد بعد لقائه بهاشمي رفسنجاني رئيس مصلحة تشخيص النظام والذي كان قد وجه له رساله قبل عدة أيام يطالبه بالتدخل لوقف الرئيس المنتهية ولايته.
ويؤكد مراقبون أن ضعوطا شعبية خلال اليومين الماضيتين كان لها دورها في هذا التراجع في ظل حديث مستمر داخل الأوساط السياسية والاجتماعية الايرانية وغير الايرانية عن نتائج المناظرة التلفزيونية التي جرت قبل أيام بين مرشحي الانتخابات الرئاسية الايرانية، الاصلاحي مير حسين موسوي والرئيس الحالي محمود احمدي نجاد مرشح "مرشد النظام"، وما اصطلحوا على تسميته "السقوط الأخلاقي والسياسي" لاحمدي نجاد في مواجهة موسوي.
احمدي نجاد الرئيس السادس لايران بعد انتصار الثورة الاسلامية، والرئيس الرابع الذي يكمل على الأقل دورة رئاسية واحدة حتى الآن، بعد الرؤساء علي خامنئي والشيخ هاشمي رفسنجاني والسيد محمد خاتمي الذين توالوا على المنصب لمدة دورتين من ثماني سنوات لكل منهم، على اعتبار ان الرئيس الاول ابو الحسن بني صدر اقيل من منصبه قبل مرور سنة على رئاسته.
 |
تفريغ موقع الرئاسة وكان الرئيس الثاني محمد علي رجائي فقد اغتيل بعد اشهر من انتخابه، لتبدأ حقبة رئاسة خامنئي (المرشد حاليا) وانتهت مع توليه موقع القيادة بعد وفاة المؤسس الامام الخميني. لتبدأ، بعد ذلك، مرحلة التفكير والتخطيط لتفريغ موقع الرئاسة من مضمونه ودوره في الحياة العامة، خصوصا بعد التعديل الدستوري الذي جرى في الفترة الانتقالية ما بين وفاة الخميني ووصول خامنئي إلى موقع القيادة والذي أعطى رئيس الجمهورية الصلاحيات التي تمتع بها رئيس الوزراء الذي الغي موقعه.
شكل وجود الامام الخميني في أعلى هرم الثورة والنظام حالة من الموازنة بين مراكز القرار والسلطات في تركيبة النظام والسلطات مستفيدا من شخصيته النافذة والكاريزما القيادية، مكتفيا بالتدخل في المفاصل المصيرية التي كان يرى فيها خطرا على الثورة والنظام والجمهورية، تاركا في المقابل للمؤسسات حرية العمل والتصرف تحت سقف الدستور والقانون.
اتساع صلاحيات رئيس الوزراء على حساب تلك التي كانت لرئيس الجمهورية خلق حالة من عدم التوازن بين الموقعين اضطرت الخميني للتدخل في كثير من الاحيان منتصرا للاول على حساب الثاني، الأمر الذي دفع القوى النافذة في السلطة للتفكير جديا بادخال تعديلات دستورية لتعزيز صلاحيات الرئيس وكذلك بمواصفات المرشد والقائد، والتي لم يكن اجراؤها ممكنا من دون موافقة الخميني.
وهو ما حدث آواخر حياته والتي مهدت الطريق لنوع من تقاسم السلطة بين المرشد الجديد خامنئي ورئيس الجمهورية هاشمي رفسنجاني في مؤشر على اطلاق شرارة الصراع على السيطرة ومحاولة تعزيز قبضة المرشد على مفاصل النظام للخروج من اشكالية تهميش الموقع.
في هذه الأيام يكون خامنئي قد أمضى ثمانية وعشرين سنة في أعلى مواقع السلطة والقرار من عمر الثورة التي انهت عقدها الثالث، توزعت بين رئاسة الجمهورية لثماني سنوات وعشرين سنة في موقع القيادة، الأمر الذي يطرح سؤالا جوهريا: هل حكم خامنئي ومتى حكم؟ |
 |
الرجل الثالث قد يكون من سوء طالع أي شخصية سياسية تتولى موقعا متقدما في أي سلطة، خصوصا ثورية، ان تكون الشخص الثاني بعد قائد الثورة. فكيف اذا كانت الثالثة من حيث الصلاحيات في ظل دستور يعطي رئيس الوزراء قدرة للمناورة على حسابها. من هنا يمكن اعتبار أن هذه الاشكالية هي التي حكمت رئاسة خامنئي في ظل قيادة الخميني ورئاسة مير حسين موسوي للوزراء . فقد أمضى ثمانية سنوات رئيسا من دون أن يحكم.
وعندما حانت الفرصة ليكون صاحب القرار في هرمية النظام، بعد توليه منصب "القائد" و"المرشد" اثر وفاة المؤسس، برز إلى جانبه الشيخ هاشمي رفسنجاني الذي انتخب رئيسا معززا الصلاحيات للجمهورية بصيغتها الجديدة. ما اضطر المرشد للدخول في شراكة على مراكز القرار مع احد ابرز واقوى اعمدة الثورة والنظام واكثرها نفوذا داخل المؤسسات المدنية والعسكرية والامنية وفرض على خامنئي التعايش مع هذه المعادلة لمدة ثماني سنوات اخرى بانتظار الفرصة المناسبة.
تدخل مرشد النظام في الانتخابات الرئاسية بعد رفسنجاني لم تكن خافية على أي مراقب داخلي او خارجي، اذ تبنى بشكل واضح وصريح ترشيح رئيس البرلمان حينها الشيخ علي اكبر ناطق نوري للرئاسة في مواجهة مرشح بات يعرف بمرشح التوجه الاصلاحي والتجديدي في إيران ويحمل مشروعا مغايرا ومختلفا عن مشروع وخطاب التيار المحافظ هو محمد خاتمي الذي كانت فرص فوزه مقابل مرشح النظام ضئيلة.
إلا أن صناديق الاقتراع كشفت عن نتيجة غير متوقعة واذهلت النظام وقطعت الطريق على أي تدخل من قبله لفرض النتيجة التي يريدها، وفاز الخطاب الاصلاحي المناقض للخطاب المحافظ بنتيجة تفوق التصور تجاوزت العشرين مليون صوت، لتبدأ معها مرحلة عرفت في الادبيات السياسية الايرانية والدولية بـ"الحقبة الاصلاحية في إيران" محورها ورمزها خاتمي الرئيس المثقف وصاحب المشروع الديمقراطي، وتعزيز الحريات العامة والخاصة وحرية الرأي والتعبير واللامركزية الادارية، وتعزيز دور مؤسسات المجتمع المدني في السياسة والاجتماع والاقتصاد والانفتاح على الخارج. |
 |
تركيز القرار بيد المرشد شكل وصول محمود أحمدي نجاد إلى رئاسة الجمهورية الفرصة المناسبة لاعادة تصويب الامور في سياق تجميع ومركزة كل سلطات القرار في يد المرشد بعيدا عن مخاوف بوجود خطاب مختلف، أو طموح للرئيس بلعب دور خارج الدور المرسوم له. وبالتالي الخطوة الاولى على طريق تطبيق عملي لسلطات الولي الفقيه "مطلق الصلاحية" والتأسيس لمرحلة جديدة من تاريخ إيران مطبوعة بطابع القائد الجديد ما بعد الخميني المؤسس.
وغاب دور الخميني عن خطاب رئيس الجمهورية أحمدي نجاد في ذكرى انتصار الثورة (فبراير/شباط 2008) وتم التركيز على دور وموقع المرشد خامنئي في الدفاع عن "عزة وموقع إيران".
ترافق ذلك لاحقا مع بداية هجوم عنيف وهادف على مفهومي "الجمهورية والديمقراطية" التي رسمها الخميني للثورة والنظام ووصلت تاليا للنيل من حفيد الخميني لنجله (احمد) وما يمثله من أرث خميني متبق، من قبل جهات محافظة خصوصا من قبل الشيخ محمد تقي مصباح يزدي الذي يعتبر المرشد الروحي لاحمدي نجاد، والذي سعى إلى اسقاط مفهوم الجمهورية لحساب الاسلامية ومفهوم "الحكومة الاسلامية التي لا ترى ضرورة للعملية الديمقراطية ورأي الشعب".
وقد دفع هذا الهجوم المركز على تراث الخميني بمدير مكتب الخميني "آية الله توسلي" للاعتراض على ذلك والبكاء خلال جلسة لمجلس تشخيص مصلحة النظام انتهت بإصابته بنوبة قلبية اودت بحياته أمام اعضاء هذا المجلس. |
