الخرطوم وحكومة جنوب السودان تقبلان بتعديل حدود أبيي النفطية
أمريكا وأوروبا تدفعان نحو تطبيق فوري للحكم
في اول ردة فعل على قرار محكمة التحكيم الدولية في لاهاي حول حدود منطقة أبيي النفطية السودانية، أعلنت الحكومة السودانية وحكومة جنوب السودان الأربعاء 22-7-2009 أنهما ستلتزمان بقرار المحكمة.
ودعا الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة الأربعاء حكومة السودان والمتمردين الجنوبيين السابقين إلى تطبيق "فوري" لقرار محكمة التحكيم في لاهاي الذي قضى بترسيم جديد لحدود منطقة أبيي النفطية.
وقالت الولايات المتحدة والاتحاد الاوروبي في بيان مشترك في بروكسل انهما "تطلبان معاً من طرفي اتفاق السلام الشامل (الموقع عام 2005) ان يطبقا فوراً قرار محكمة التحكيم الدائمة في لاهاي"، نقلاً عن وكالة الأنباء الفرنسية.
وأضاف البيان ان على الجانبين، اي حكومة الخرطوم والحركة الشعبية لتحرير السودان (متمردون سابقون)، "ان يستخدما سلطتهما ونفوذهما لضمان احترام قرار المحكمة وتطبيقه في شكل سلمي"، معتبراً أن هذا القرار يشكل "مرحلة اساسية" نحو تطبيق اتفاق السلام.
وقد خلَصت محكمة التحكيم الدولية، في القرار الذي أصدرته اليوم الأربعاء، إلى أن اللجنة الدولية التي أوكلت إليها مهمة ترسيم حدود المنطقة "تجاوزت تفويضها في بعض النقاط"، مشيرة إلى أن الحدود الشرقية والغربية لـ"أبيي" تحتاج إلى تعديل أو إعادة ترسيم.
وحسمت المحكمة النزاع الدائر بين الخرطوم وجنوب السودان حول منطقة ابيي، بقرارها تقليص مساحة المنطقة وبالتالي منح الخرطوم السيطرة على الحقول النفطية، في قرار اكد طرفا النزاع قبولهما به.
وتقلصت حدود منطقة ابيي من 18500 كلم مربع الى 10 آلاف كلم مربع، بحسب خريطة اصدرتها المحكمة. وبناء عليه باتت الحدود الشمالية للمنطقة عند خط العرض 10 درجات و10 دقائق.
وتقع أبيي في وسط منطقة رعوية منتجة للنفط في وسط اكبر الدول الافريقية من حيث المساحة، وتتاخم الحدود غير الواضحة بين الشمال والجنوب.
وأشار مراسل العربية في الخرطوم سعد الدين حسن إلى أن الحكم الصادر من لاهاي يتحدث بشكل واضح عن ضرورة إجراء تعديلات على تقرير الخبراء الفنيين حول ترسيم الحدود، معتبراً أن المحكمة "حاولت مسك العصا من النصف" من خلال إقرارها حق القبائل بالرعي في المنطقة.
من جهته، لفت محمد عباس أمين، أستاذ الدراسات الإسلامية في كلية العلوم السياسية، في لقاء مباشر مع "العربية" بعد صدور قرار المحكمة، إلى صعوبة تنفيذ حكم المحكمة الدولية، واعتبر أنه "من الممكن نقل السكان من منطقة لأخرى، لكن يصعب جداً التنازل عن الأرض"، مقرّاً بالتعقيد الذي يحيط بالمسألة.
تهديد السلام
وكان وضع المنطقة وحدودها من بين اكثر القضايا حساسية التي تركت دون حسم في اتفاق السلام الشامل بين حكومة الخرطوم والمتمردين الجنوبيين.
وفي مايو/أيار 2008، اجتاحت مدينة ابيي صدامات دامية اوقعت نحو 100 قتيل وأرغمت آلاف السكان على الفرار. واعتبرت اعمال العنف هذه بمثابة التهديد الاخطر لاتفاق السلام الشامل الذي ابرم في العام 2005 بين حكومة الخرطوم والمتمردين السابقين في الحركة الشعبية لتحرير السودان والذي وضع حدا لحرب اهلية دامت 20 عاما، هي الاطول في افريقيا.
وفي اعقاب المواجهات التي وقعت في مايو/أيار 2008، عمد الشمال والجنوب في السودان الى تكليف المحكمة الدائمة للتحكيم في لاهاي بحسم الخلاف بينهما.
وينظر كثيرون الى التنافس بين الشمال والجنوب الذي ما زال مستعرا بشأن أبيي، على انه عالم مصغر من الانقسامات الخطيرة التي تظل في قلب البلاد بعد 4 سنوات من توقيع الاتفاق التاريخي، وهي انقسامات لا يزال يمكنها ان تهدد اتفاق السلام وصناعة النفط في البلاد والمنطقة ككل.
رهان كبير
ولن يقرر حكم الاربعاء ما اذا كانت أبيي تذهب الى الشمال ام الى الجنوب، لان هذا القرار سيتخذه سكان أبيي انفسهم في استفتاء سيجرى في يناير 2011.
لكنه سيحدد، بدقة، مساحة الارض التي تغطيها أبيي. ويقول الجنوب الذي يعول على التصويت بالايجاب في الاستفتاء ان الحدود الشمالية لمنطقة أبيي تمتد شمالا الى مسافة بعيدة من بلدة أبيي، لتضم حقول النفط واراضي المراعي الرئيسية، بينما يأمل الشمال في نتيجة مختلفة.
وستحدد المحكمة ما اذا كانت اللجنة السودانية التي رسمت حدود هذه المنطقة قد تجاوزت تفويضها. واذا كانت اللجنة احترمت تفويضها، فإن الحدود التي رسمتها ستكون مقبولة. لكن اذا كانت تجاوزت التفويض، فإن محكمة لاهاي ستعيد بنفسها ترسيم حدود ابيي.
وبالتالي، فإن الرهان كبير. فبموجب اتفاق السلام الشامل، سيحدد الاستفتاء ما اذا كانوا يريدون الاحتفاظ بوضع خاص داخل الشمال، او اذا كانوا يريدون الانضمام الى الجنوب الذي سيجري في الوقت نفسه استفتاء حول استقلاله.
ويتوقع بعض الناس اندلاعا فوريا للعنف اليوم، رغم تعهد زعماء الشمال والجنوب ان يكونوا على الارض يوم الاربعاء لتهدئة اي اضطرابات. غير ان المخاوف الأمنية التي تلوح في الافق مازالت قائمة.
واعرب الممثل الخاص للامم المتحدة اشرف قاضي عن "اقتناعه التام" بأن المسؤولين في الجانبين متمسكون "بتطبيق سلمي للقرار حول ابيي، سواء كانوا موافقين عليه تماما ام لا". لكنه اضاف ايضا ان تعزيزات ارسلت الى القطاع تحسبا لوقوع صدامات فور صدور الحكم.
ويبدو المسلك الحذر واضحاً في كل مكان، إذ ما زالت أبيي مدينة اشباح مقارنة بماضيها حيث يعتقد ان 3000 فقط يعيشون في البلدة والقرى المحيطة بها في حين كان عددهم 50 الف شخص قبل قتال مايو/ايار.
وتشعر قلة بالثقة في المستقبل بحيث تستثمر في المنطقة وتم سد الثقوب التي احدثتها القذائف الكبيرة كما تم اصلاح بعض اسقف المنازل وتطهير الالغام غير ان الاطفال مازالوا يسيرون الى جانب الدوائر السوداء للاكواخ المحترقة بينما ترى مباني بأكملها في البلدة خالية تغطيها القمامة.