تشهد أسواق ومزارع بيع المواشي والخراف في قطاع غزة حركة تجارية خجولة وحالة من الركود نتيجة لندرة المعروض وتدني الطلب، ويقول تاجر المواشي أبو جميل قشطة إن الأضاحي متوفرة بنسب جيدة هذا العام مقارنة بالعامين الماضيين بعد تهريب أعداد أكبر منها عبر الأنفاق على الشريط الحدودي بين قطاع غزة ومصر.
ويمارس قشطة مهنة تجارة المواشي منذ ثلاثة عقود لكن هذا الموسم هو الأسوأ بالنسبة له ولأقرانه نتيجة ضعف الإقبال على شراء الأضاحي جراء ارتفاع ثمنها من جهة، وتدهور الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية لسكان القطاع.
وعلى مقربة من سوق الماشية بمخيم رفح جنوب قطاع غزة كان تاجر آخر يدعى أبو وحيد يستلم كمية جديدة من الخراف المهربة عبر الأنفاق مصدرها السودان، وذكر هذا التاجر الذي يمتلك حصة في أحد أنفاق التهريب المخصصة لنقل المواشي إن الخراف السودانية والليبية مطلوبة في قطاع غزة نظراً لانخفاض ثمنها مقارنة بالأنواع المحلية والمصرية أو القادمة عبر إسرائيل.
وسمحت إسرائيل بإدخال نحو سبعة آلاف رأس من البقر إلى قطاع غزة بعد اتصالات مع السلطة الفلسطينية بمناسبة عيد الأضحى، وتضاف هذه الكمية إلى آلاف الأنواع من الماشية لاسيما الخراف التي جرى تهريبها من مصر. وتشهد هذه الأيام كثافة في كميتها مع اقتراب العيد، لكن أبو وحيد لا يبدو متأكدا من بيع كل الكمية وبالربح المتوقع لها، ويقول إنه يضع في حسبانه عدم نفادها إلى ما بعد العيد.
وتفرض إسرائيل حصارا مشددا على القطاع الذي يقطنه مليون ونصف مليون فلسطيني منذ عامين ونصف إثر سيطرة حركة حماس على الأوضاع فيه، وأدى هذا الحصار إلى تفاقم قياسي لمعدلات الفقر والبطالة لسكان هذا الشريط الساحلي.
ويقول الحاج أحمد الشوبكي من سكان خان يونس بنبرات حزن ويأس إنه لن يتمكن من اقتناء أضحية عيد الأضحى هذا العام شأنه شأن الغالبية الساحقة من سكان غزة بسبب عدم قدرته على دفع ثمن الأضاحي.
وما يزيد من مرارة الغزاويين هو أنّ غالبية ما يتم تهريبه من ماشية وخراف عبر الأنفاق بين غزة ومصر لا تجزئ التضحية به لأنه صغير السن، كما أن عمليات التهريب لم تخفض من حدة الأسعار الملتهبة التي أدت إلى رواج تجارة اللحوم المثلجة.
ويقول الشوبكي إنه كان في كل عام يشترك مع عدد من أصدقائه في الأضحية، وكان يدفع ثمن حصته 250 دولارا، لكنه فوجئ هذا العام بطلب صاحب مزرعة للماشية زيادة قيمتها 200 دولار.
ويضيف أن هذا الغلاء جعله يتراجع عن فكرة الاشتراك مع أصدقائه في ذبح "عجل العيد" لكنه أبدى تفهماً للغلاء الذي طرأ نتيجة منع إسرائيل الكمية الكافية من المواشي والأغنام من دخول غزة، إضافة إلى عدم قدرة المهربين على إدخال الخراف والماشية الكبيرة التي تجزئ التضحية بها.
ويوضح هذا الرجل الذي كان يتجول سوق الماشية شرق مدينة خان يونس برفقة ثلاثة من أبنائه أن الظروف الاقتصادية السيئة التي يمر بها القطاع نتيجة للحصار الإسرائيلي المشدد منعت العشرات من مجرد التفكير في الاشتراك في الأضاحي.
من جانب آخر، يخشى عدد كبير من أرباب الأسر الفلسطينيين من غد أسوأ ويفضلون ألا يجازفوا بما يمتلكون من مال في شراء الأضاحي.
ويعيش نحو 80 في المائة من سكان غزة على المساعدات الإنسانية التي تقدمها وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين "الأونروا"، في الوقت الذي وصلت فيه نسبة البطالة في القطاع إلى 65 في المائة، حسب إحصاءات رسمية صدرت خلال العام الجاري.
ويقول محمد الآغا وزير الزراعة في الحكومة المقالة التي تديرها حركة حماس إن ما أدخلته إسرائيل وما جرى تهريبه عبر الأنفاق لا يكفي لحاجة السكان، واتهم السلطات الإسرائيلية بأنها لم تصدر إلى القطاع ما يحتاجه من ماشية وأبقار خلال الأعوام الثلاثة الماضية.
وأوضح في مقابلة خاصة أن قطاع غزة يحتاج من خلال عيد الأضحى سنوياً أكثر من (15 ألف) رأس من العجول و(20ألف) رأس من الأغنام، عدا عن بقية العام حيث يحتاج إلى (4000) رأس شهرياً.
وطالب الآغا مصر "الشقيقة" بالسماح باستيراد الأضاحي عن طريق معبر رفح البري، معتبراً أن ذلك يعفي المحاصرين في قطاع غزة من "الابتزاز الإسرائيلي" والإغلاق المتكرر للمعابر.
ولا تعتبر الأضاحي في ظل نقصها وغلاء أسعارها علامة وحيدة في غزة على ضعف مظاهر استقبال العيد في ظل حالة الركود المستمرة لأسواق القطاع.
وفيما تعود مواطنو غزة على التهافت على شراء السكر والشوكلاتة وكسوة جديدة لأطفالهم قبيل نفادها من السوق عشية حلول العيد فإن هذا العام ومع اشتداد وطأة الأزمة الاقتصادية والانقسام السياسي عزف الكثيرون عن هذه العادة.
ورغم اكتظاظ الشوارع والميادين بالمتجولين إلا أن الأسواق تشهد كسادا وافتقارا للبضائع بشكل منقطع النظير خيب آمال التجار المحليين الذين تزداد مبيعاتهم في هذه الفترة من كل عام. ويقول عدد من التجار إنه لا جديد في عيد الأضحى سوى استمرار ضعف الاحتفال الشعبي وندرة الحركة التجارية في ظل تدهور الأوضاع الاقتصادية وظروف الحصار وإغلاق المعابر.