"جيمس كاميرون" يعود بأغلى وأضخم فيلم في تاريخ السينما

"بالألوان الطبيعية" آخر أفلام 2009 العربية

نشر في:

يعرض فيلم "افاتار" الأمريكي لمخرجه الشهير جيمس كاميرون، قصة جديدة في عالم افتراضي مستقبلي للإنسان، عبر كوكب "باندورا" الذي يقيم عليه الإنسان احدى مستعمراته التي يهدف منها الى استنفاذ كل ثرواته الطبيعية دون اقامة اي اعتبار لحاجات السكان الأصليين لذلك الكوكب وهو ما يثير صراعا طويلا مع الإنسان.

والمشكلة التي تواجه الإنسان هناك – في هذا الفيلم- هو انه لا يستطيع العيش في هذا الكوكب. ولذلك فقد قام عبر مشروع "افاتار" بإبتكار تقنية تمكنه من خلق مخلوقات معدلة جينيا تشابه التركيبة البيولوجية للسكان الأصليين ويمكن ربطها عبر اجهزة محاكاة ذهنية وعبر تنويم مغناطيسي بأشخاص حقيقيين.

ومهمة هولاء الأشخاص هي محاولة اختراق تلك الأمم الأصلية ومعرفة طريقة تفكيرهم وعيشهم ومن ثم تدميرهم والحيلولة دون بقائهم عقبة في وجه الإستثمارات البشرية لهذا الكوكب.

"جاك" (سام ورثتنقتون) هو جندي امريكي سابق، يقوم مع "نورم" (جويل مور) و"جرايس" (سيقونري ويفر) بتقمص ثلاثة نماذج من الأفاتار، ولكن ما ان ينخرط هولاء الثلاثة في ذلك المجتمع الغريب حتى يكتشف الثلاثة عالما ساحرا مفعم بالثقافة والتاريخ والمثيلوجيا لا تقل عن اي تاريخ بشري. إنه عالم من طبيعة مختلفه تمام الإخلاف لا يمكننا الإحاطة بكنهه ولا كيفيته. وكنتيجة لذلك يسعى الثلاثة الى ايجاد صيغة اخرى من التعاون تحمى هذا العالم الساحر من مخططات الإنسان الاستعمارية، إلا ان ذلك لا يجد اي قبول من قبل رؤسائهم في القاعدة العسكرية.

بعد "تايتانك"..

يتجنب بعض من النقاد الحديث عن سينما هوليوود على اعتبار انها سينما تجارية، سينما البوب كورن ورقائق الشبيس، سينما شباك التذاكر والنهايات السعيدة، سينما المؤثرات الضخمة والبهرجة البصرية، سينما الترفيه والتسلية، اسيرة النجم وربيبة رأس المال وغير ذلك من الألقاب التي يقصد منها الإقلال من هذه السينما والحط من قيمتها، لكن دائما سيكون هناك مثل جيمس كاميرون من سيثبت عكس ذلك ويقول انها رغم كل ذلك و طوال اكثر من ثلاثة عقود كانت هي السينما الأكثر تأثيرا حول العالم. كاميرون في اخر انجازاته السينمائية "افاتار" يخرج فلما هو الأضخم والأغلى في تاريخ السينما، فيلم "هوليوودي" بكل ما تعنيه الكلمة، إنما هوليوود بوجهها الريادي والسيادي.

بعد اكثر من ١٢ عاما من الانتظار والعمل الدؤوب يعود جيمس كاميرون بفيلم يمتد لأكثر من ساعتين ونصف من الإبهار المتواصل والسحر الأخاذ. قال ذات مرة وهو يتسلم اوسكار افضل مخرج عن فلم "تايتانك" انه "ملك العالم"، عاد الان ليثبت سطوته على هذا العرش. فهو لا يحتاج إلى ان يتصدر كل سنة بفلم صيفي لأسبوع او اسبوعين حتى يبقى كذلك، اخر فلم له قبل "افتار" كان فلم "تايتانك" الأغلى في ذلك الوقت والأكثر دخلا في التاريخ والأكثر حصولا على جوائز الأوسكار، وإن لم يكن من المتوقع ان يصل "افاتار" ماوصل اليه تايتانك إلا انه دون شك سيضع بصمته على صناعة السينما بأكملها على الأقل في جانبها التقني.

ولم تكن العروض الدعائية الاولية للفيلم مشجعة، وربما بعد المشاهدة الأولى سيتأكد ذلك خصوصا بعد الوصوف التي صدرت من عدد ممن شاهد النسخة الأولية للفيلم وتحدثت عن نقلة نوعية في عالم السينما. ذلك يعود بشكل رئيسي الى ان الشكل العام لسينما جيمس كاميرون تشابه كثيرا من افلام هوليوود ذات الإنتاج الضخم وهذا ما يجعل الإنطباع الأولى سواء من العروض الدعائية او حتى المشاهدة الأولى مخيبة للأمال. لكن كاميرون يراهن دائما على ان اعماله ستأخذ مكانها الخاص بين كلاسيكيات السينما الأمريكية.

صراع حضارات

باستثناء "Terminator" فإن "افاتار" يتقاطع مع بقية افلام كاميرون الشهيرة في انه لا يأتي محملا بحكاية او حبكة درامية اصيلتين. وهو لا يبتعد كثيرا عن "تايتانك" الذي كانت قصته وحبكته بسيطة وبنفس شكسبيري واضح.

لكن البساطة والحكاية التقليدية بحد ذاتها ليست عيبا ونقصا في قيمة اي عمل فني، فهناك مقومات اخرى لها قيمة كبرى في تكوين جمالية للعمل بمجمله من بينها توافق مكونات الصورة وتباينها والنجاح في إضفاء قيمة دلالية لكل عنصر من عناصرها. كما ان المستويات التي يتم تناول الحكاية من خلالها تعطي ابعاد جديدة لهذه الحكايات.

فمثلا الصراع الذي يتعرض اليه دائما كاميرون في نصوصه السينمائية ليس ذلك الصراع الذي يحدث على مستوى الأفراد وإنما بين طبقات و جماعات، صراع ثقافات وحضارات، بين هذا العالم والعالم الاخر.

و"افاتار" يبني حكايته على هذه القاعدة وربما بجلاء اكبر من اي من افلامه السابقة. الفيلم يدور في المستقبل البعيد، إنما هو إعادة لحكاية الإستبداد التي تمارسه الأمم تجاه بعضها البعض. لا نعلم في الواقع ماذا يحدث في كوكب الأرض، لا نعلم ان كان الإنسان قد وصل اخيرا الى مصالحة عرقية، لكن ذلك لا يبدو انه قد تم ولكن حتى وإن حدث فعلا فهذا لا يهم إذا كان هذا العرق بأكمله سيستمر في فرض سلطته وممارسة طغيانه على اشكال اخرى من الحياة في هذا الكون الفسيح.

سحر الخيال

جيمس كاميرون عاشق للخيال العلمي، ولكنه لا يرهق نفسه كثيرا في ابتكار مظاهر لثراء علمي وتقني ينزع من الفيلم سحر الخيال، كما نشاهده مثلا عند سبيلبيرق في افلامه الأخيرة او حتى عند جورج لوكاس في السلسلة الأخيرة لحرب النجوم. لكنه على العكس من ذلك يبذل جهدا كبيرا في ابتكار طرائق جديدة لكي ينخرط المشاهد في الفلم ويجعله جزأ من ذلك الخيال الذي تصنعه شاشة السينما.

الفيلم ربما هو اكثر الأفلام التي صنعت خصيصا لعرضها عرضا ثلاثي الأبعاد، ولكن مع ذلك فإننا لا نشاهد الطائرات ولا المقذوفات ولا الطيور والحمائم تحوم حول اعيننا بعيدا عن الشاشة في بذخ تقني يشتت الانظار. هناك ارتفاع قدرة بضع مليميترات تساهم في خلق صورة متعددة الأبعاد واسعة وعميقة تم حسابها بدقة متناهية. نشاهد الفيلم وكأننا نراقب عالما سحريا يفصلنا عنه ثقب في جدار متناهي العلو. ربما يتفاجئ المشاهد في هذا الفيلم في عدم وجود تقنية بارزه في صناعة الفيلم كما كان يقال وهذا صحيح نسبيا، إن من الظلم ان ينسب لكاميرون كل التجارب السينمائية الخلاقة السابقة التي قام بها صناع سينما سابقون في نوعية افلام الخيال العلمي مثل ستيفن سبيلبيرق وجورج لوكاس ورادلي سكوتد.

ما قام به كاميرون في الواقع في تعامله مع فيلم ثلاثي الابعاد ورسومات الكمبيوتر "سي جي" هو تماما يشابه ما صنعه بيتر جاكسون في سلسلة ملك الخواتم بإخراجه البديع لمشاهد الجموع الكبرى. كلاهما قام باستخدام التقنية في المكان المناسب وفي اللحظة المناسبة دون افراط ولا تفريط. وذات الأمر ينطبق حين الحديث عن مشاهد الحركة والأصوات المصاحبة، فكل شيئ لدى كاميرون في "افتار" له روح حتى اصوات المكائن والطائرات يأتي ذلك ابتداء من تسميته للمخلوقات التي تسكن كوكب "بندورا" بالسكان الأصليين، عوضا عن تسميات "غرباء" او "مخلوقات غريبه" التي تستعيرها افلام الخيال العلمي لتسمية سكان الكواب الأخرى المفترضين.

اكثر من 60٪من الفيلم هو عبارة عن رسومات كمبيوتر بما فيهم السكان الأصليين، لكن روحا متسامية البسها هذا العالم تكاد تفوق اي مشهد آخر حقيقي في الفيلم بأكمله.

صراع الموهوبين مع المجتمع

لماذا خلقني الله موهوباً طالما الفنون من المحرمات؟ هكذا رفع ( يوسف ) يديه الي السماء يسأل ربه بعدما انقسم على ذاته ما بين رغباته وبين منهج مجتمعه الذي ما يزال يعيش شتات الخلط بين الدين والعادات في فيلم "بالألوان الطبيعية"، فمازال العالم العربي يخلط ما بين التدين و المحافظة على الموروثات والعادات التي هي من صنع الانسان وتعد أفكار قابلة للتطور بفعل الزمن لكنها تطورت بشكل عكسي إلى الوراء حتى أصبحنا نؤمن بثباتها أكثر من تمسكنا بالعقائد الراسخة.

فيلم بالالوان الطبيعية للمخرج أسامة فوزي والمؤلف هاني فوزي هو آخر أفلام هذا الموسم وكان مسك الختام بعد معاناة مشاهدة عشنا فيها هذا العام مع ما قدمه انتاج السينما المصرية لاعمال لو حصرنا أهمها لن يتعدى عددهم كف اليد.

ويعد فيلم بـ"الالوان الطبيعية" واحداً من هذه الأفلام التي تداعب عقل المشاهد بأسلوب فكاهي طريف يقذف صرخات في وجه المجتمع الاذدواجي الذي طبع عليه لغة التدين ظاهرياً، يفتح الفيلم المجال للتفكير والجدال لتوضيح الفرق بين قيمة وجلال العقيدة وبين معنى وتأثير الموروثات على المجتمع، وهل الحياة هي رغبة ذاتية حرة أم رغبة إلهية؟، علي إعتبار أن الانسان عندما يولد يبدأ بالتفاعل مع الحياة والمجتمع المحيط به ويتشكل فكره حسب ما يتشبع به طوال سنوات عمره ممن حوله فتتولد رغباته الذاتية التي أحيانا ما تخالف طبيعة المجتمع فتحجم رغباته وأفكاره، تحجيم اجتماعي وليس تحجيم الهي وإما أن يتحول الي ثابت أو ثائر، كل حسب إرادته الداخلية ودرجة وعيه.

هذا ما حمله مضمون فيلم بالاوان الطبيعية وجسده الكاتب في عدة شخصيات رئيسية أهمها شخصية (يوسف) الذي يمثل نموذج لصراع الذات مع الذات من أجل اكتشاف النفس، ومنها تتسع الدائرة لتتحول الى صراع الذات مع الآخر بين أركان البيت، ثم تتحول الي صراع مع طبيعة المجتمع الذي يرفض الاختلاف، فيتحول الى خصم قوي يقاوم بقوة تغيير الأفكار وأحيانا ينعتها بالانحلال، فإما أن يتصدى له الانسان بفكره وعلمه وايمانه بذاته كما في شخصية يوسف (كريم قاسم)، أو يستسلم لها ويصبح كالآلة تسمع دون وعي وتتحرك دون ارادة كما رأينا في شخصية الهام ( يسرا اللوزي)، فالاثنان أصدقاء في كلية الفنون تنشأ بينهما علاقة حب تتطور الى أن يحصد كل منهما جسد الآخر دون تفكير بالعواقب الاجتماعية التي تنتظرهم.

والمؤلف لا يظهرهم كمنحرفين ولكن كأطفال لا يفقهون منظومة الحياة، يتصرفون بتلقائية يدفعهم اليها احساسهم البريء الطفولي، وسرعان ما تزول هذه البراءة عن أفكارهم عندما تبدا يد أخرى في استقطاب هذا الجيل بالتحديد جيل طلبة الجامعات، فمعظم هذه النماذج تبدو في مرحلة بدائية من تكوين الشخصية تجعل المجال مفتوح لمن يرغب في توجيه أفكارهم كيفما يشاء، تتخلي الهام عن طفولتها وترتدي النقاب خشية الوقوع في المحظورات وتحجب ذاتها عن يوسف وعن الرسم المحرم وتتقيد بفن يحدد ملامحه لها احد الدعاة الاسلاميين، على العكس تأتي شخصية هدى ( فرح يوسف) الفتاة المتحررة وربما هذه هي الشخصية الوحيدة التي تبدو على طول الخط واثقة من خطواتها مدركة هدفها لا تتأثر بتحول المجتمع، ينبع اختلافها عمن حولها من اختلاف أصولها حيث تنتمي الى ام المانية عاشت معها في اوروبا لسنوات وبالطبع فإنها لا تحسب على ثقافة العالم العربي، بل على ثقافة الغرب الاكثر ايجابية من وجهة نظر المخرج الذي صاغ شخصية هدى على خط مستقيم لا تحيد عن تحقيق هدفها، عندما تحررت من رغباتها تمكنت من إمتلاك نفسها وعقلها.

وكأننا في حلبة مصارعة مجنونة، شباب استنفذوا كل طاقاتهم بما تسمح به خبراتهم القليلة في عالم التمثيل، لكن ما أعطاهم بريق أكثر هو إقتراب شخصياتهم الحقيقية من موضوع الفيلم، فشخصيات الفيلم فنانون رسامون والمعاناة تكاد تتطابق بين هواة الرسم والتمثيل والفنون بشكل عام، الرفض الذي يحاصرهم من كل جانب، البيت ، الجامعة، الشارع، المجتمع الذي ينقسم على ذاته من داخل الكلية التي تمثل تصغير لمفردات مجتمع أكبر , نشهد داخلها تحطيم لكل القيم الاخلاقية وتدمير للعلاقة المقدسة بين الطالب والاستاذ.

نرى تنوعا في الطبقات الثقافية، دين، فن، سياسة، تمرد، فساد، تشدد ديني بين الطلبة المتدينين الساخطين على تمادي مغني الفن ضد أفكارهم الدينية، نشهد أيضاُ تشددا سياسيا بين طاقم اعضاء هيئة التدريس اللذين صورهم المخرج كبهلوانات في سيرك مختلين العقل والاخلاق.

هل يعني تحرير العقل تحرير الجسد؟، سؤال صامت طرحه مخرج الفيلم أسامة فوزي في أحد المشاهد التي احتج عليها أساتذة كلية الفنون الجميلة بعد عرض الفيلم في دور العرض، وهو مشهد خلع الطلبة لملابسهم أمام زملائهم ليقوم اصدقائهم برسمهم، فمنهم من انصرف عن القاعة مستنكراً ومنهم من أغمض عينه سريعاُ ومنهم من ضحك وصفق ومنهم من أمسك ريشته وشرع في الرسم، فهل يعني تحرير الجسد من رغباته المكبوتة ومن عقده التي ورثناها، تحرير العقل الذي هو في الواقع مصدر أي إبداع فني، الفن تحكمه الحرية، والحرية لن تأتي الا بتحرير الرغبات التي ترادف في مجتمعنا العربي الانحلال والفساد الاخلاقي.