في الوقت الذي يواجه فيه القطاع الخاص بالسعودية انتقادات بالتقصير في ما يخصّ المسؤولية الاجتماعية، كان هناك شبه اتفاق على أنها ثقافة حديثة على المجتمع، إلا أنه برغم ذلك وجد العديد من الشركات التي قطعت شوطاً لا بأس به نحو ترسيخ هذه الثقافة والخروج بها من أن تكون مجرد "تبرعات" تقدمها الشركات إلى شرائح معينة من المجتمع، بل تشكل مفهوماً من المفاهيم الإنسانية الراقية.
وتأتي مجموعة الفوزان القابضة إحدى تلك الشركات التي لفتت الأنظار، حيث أكد رئيس مجلس إدارتها عبدالله عبداللطيف الفوزان في حواره لـ"العربية.نت" استمرار عملها على استراتيجية مبتكرة في مجال تفعيل المسؤولية الاجتماعية وتحدث عن التكامل مع جهود الآخرين والتخصص والإبداع وكذلك التنمية المستدامة والعمل على برامج طويلة الأمد متخطية المقاييس التقليدية، كما واجه العديد من الأسئلة حول بعض البرامج الأخيرة للمجموعة في هذا المجال وما وجه لها من انتقادات:
* القول إن مجموعة الفوزان القابضة تطلق برامج مبتكرة لنشر ثقافة المسؤولية الاجتماعية.. ما المبتكر هنا؟
- قامت مجموعة الفوزان القابضة بإنشاء مركز الفوزان لخدمة المجتمع والذي يهدف إلى الارتقاء بوعي بالمجتمع من خلال تنمية ثقافته واستغلال القدرات الايجابية لديه بتقديم مبادرات وبرامج ذكية من الخدمات الاجتماعية ذات الجودة العالية والابتكار المتجدد.
نؤمن في مجموعة الفوزان بالابتكار والتكامل ودائماً ما نضع نصب أعيننا هذه الأهداف الاستراتيجية التي تحكم أعمالنا الاجتماعية، ونضرب هنا مثالاً في "الإسكان الميسر"، نحن نهدف من خلال ذلك المشروع لتأمين حاجة أساسية لشريحة اجتماعية، واجهت ظروفاً صعبة في حياتها وحرمت من المشاركة الفاعلة في المجتمع. كما أننا في برنامج "تجزئة" نحاول ردم الهوة بين الشركات العاملة في قطاع التجزئة وبين القدرات العملية للشباب السعودي من خلال برنامج تدريبي متخصص جداً، وبمكافآت مغرية تحفز الشباب على تلقي التدريب المتخصص الذي يرضي الأهداف الاستراتيجية لشركات التجزئة.
وفي برنامج "خواطر" عززنا فكر العمل التطوعي لدى المجتمع واستمرارية تحفيز الذهنية الجماعية تجاه العمل الجماعي الوطني.
* ما هي بالضبط سياستكم الجديدة في هذا المجال، وكيف غيرتم مفهوم المسؤولية الاجتماعية وهو ما ورد على لسانكم في صحيفة "الشرق الأوسط"؟
- سعينا إلى تقديم ثقافة جديدة في تنمية المسؤولية الاجتماعية، عبر العمل الذي يثري المجتمع من خلال برامج ريادية، تحمل طابع الخير من جهة وتحمل طابع التنمية من جهة أخرى، قدمنا نموذجاً في وضع سياسات تتفاعل مع الوضع الاجتماعي وتساهم في تنميته، حيث شهد عام 2003 تأسيس "الفوزان لخدمة المجتمع"، ومن هنا قدمنا نموذجاً مختلفاً عن العمل الخيري.
كما طوّرنا تجارب شركاتنا المتعددة في مجموعة الفوزان لصهرها في تطوير "أداء الفوزان لخدمة المجتمع"، واستخدمنا هيكلة مبتكرة في تأسيس مركز الفوزان لخدمة المجتمع. كما عززنا رؤيتنا وجهودنا التكاملية بالتواصل مع رجال الأعمال في المنطقة وتقديم خلاصة خبرتنا للاستفادة منها.
*- قلت إنكم تركزون على برامج طويلة المدى تعتمد على عقد اتفاقيات مع جهات حكومية.. ما نوعية هذه الاتفاقات وأبرز ما ترمي إليه؟
- نؤمن تماماً في مجموعة الفوزان بأن العمل الاجتماعي حق للمجتمع على قطاع الأعمال على أن يكون هذا العمل منظماً وفاعلاً ومؤازراً لجهود حكومة خادم الحرمين الشريفين التي لا تألو جهداً في خدمة مواطنيها، مما يؤمن الديمومة لهذه الأنشطة ويؤكد مشروعيتها ومصداقيتها. ولذلك نحاول دائما أن نعمل يداً بيد مع الجهات الحكومية المعنية في الأنشطة التي نقوم بها، فعلى سبيل المثال لا الحصر: تدريب وتوظيف الشباب من خلال برنامج "تجزئة" بإشراف المؤسسة العامة للتدريب التقني والمهني وتسوير الآبار المهجورة بالتعاون مع المديرية العامة للدفاع المدني بالمنطقة الشرقية.
*- هل يمكن أن تحدثنا عن جوانب غير معروفة وتعتبر رائدة في ما يخص برنامجكم (الإسكان الميسر)؟
- رسالة الفوزان لخدمة المجتمع من خلال مبادرة الإسكان الميسر هي "الاستثمار في البشر لا الحجر". وترتكز الفكرة الأساسية لمشروع الفوزان للإسكان الميسر على خلق بيئة فاعلة، والمساهمة في الوقوف مع المحتاجين حتى يتجاوزوا المحنة التي تمرّ بهم، من خلال توفير السكن المؤثث بالكامل، والمساعدة في البحث عن التدريب والتطوير لتتمكن الأسرة من الاعتماد على مصادرها الخاصة للعيش، حتى يحلّ محلها أسرة أخرى تكون أشد حاجة من سابقتها، في دورة متكاملة تساهم في توزيع فرص الاستفادة بشكل عادل. المشروع يسعى إلى توفير أهم مقومات العيش الأساسية والسكن الملائم لما يربو على 180 عائلة، بتكلفة رمزية.
وقد تم وضع نظام غاية في الدقة للمشروع بالاتفاق مع جمعية البر بالمنطقة الشرقية، حيث يعتمد النظام على وضع نقاط يتم تحديدها لكل أسرة في سجلاتها، وفق حاجة تلك الأسرة وحالتها الراهنة، وعلى أساس هذه النقاط يتم إعطاء الأسر الأكثر حاجة فرصة السكن بالمشروع والعيش فيه لمدة مدروسة بعناية، بحيث لا يتجاوز مكوث الأسرة الواحدة في المشروع لمدة تزيد على 5 سنوات، لنضمن عامل التحفيز وسعي الأسرة في أسرع وقت على الاستفادة من هذه الفرصة وتحسين ظروفها وقدرتها الذاتية، ولنضمن أيضاً فرصاً عادلة للجميع.
*- وماذا عن برنامج (تجزئة)، وهل تعتقد أنه بالفعل يلقي قبولاً في ظل العزوف المعروف من الشباب السعودي عن الأعمال الحرفية والبعيدة عن طبيعة العمل الوظيفي؟
- الشهادة الوطنية لمهارات البيع بالتجزئة "تجزئة" هو برنامج مبتكر أطلقته "الفوزان لخدمة المجتمع" بالتعاون مع المؤسسة العامة للتدريب التقني والمهني والقطاع الخاص في مجال البيع بالتجزئة. فشركات التجزئة تحتاج إلى عمالة مدربة قادرة على أداء وظائف محددة في قطاع التجزئة، فيما يشتكي الشباب السعودي من عدم وجود الحافز والتأهيل الذي يمكنهم من القيام بهذه الأعمال بشكل لائق وتنافسي.
ويسد البرنامج فجوة الطلب على العمالة المدربة في قطاع التجزئة ويحل إشكالية عزوف الشباب عن هذا القطاع من خلال أمور عديدة، منها تلبية احتياجات قطاع التجزئة بالمملكة العربية السعودية من العمالة المواطنة المؤهلة وترسيخ مفاهيم الأداء الفعال.
وفي هذا البرنامج يقوم المتدرب بدراسة ثمانية محاور إلى جانب اللغة الإنجليزية بإجمالي عدد ساعات تدريب نظرية (360 ساعة)، كذلك يقضي المتدرب خلال فترة التدريب النظري (100 ساعة) تدريب عملية في مواقع بيع التجزئة، وبعد انتهاء هذه الفترة من التدريب يقضي المتدرب (192) ساعة تدريب تعاوني في المواقع بواقع ثماني ساعات يومياً – دوام كامل، تحت إشراف كامل من متخصصين في الميدان. ويقدم البرنامج على مدار 16 أسبوعاً. البرنامج في عامه الخامس الآن وقد حقق نتائج رائعة وخرج مئات الشباب الذين استفادت منهم عدة شركات في قطاع التجزئة بما فيها شركات مجموعة الفوزان.
*- مارستم التوعية عن طريق الإعلام واسم مجموعتكم يذكره الكثيرون مع كل إطلالة للبرنامج المعروف (خواطر) لدعمكم المستمر له، بالمقابل كيف ترى أنت ما يقدمه البرنامج ويصب في مجمل أهدافكم؟
- الارتقاء بوعي المجتمع وتثقيفه هو أحد الأهداف الرئيسة للفوزان لخدمة المجتمع، وبرنامج "خواطر" يعزز هذا الهدف بإيصال رسالة اجتماعية راقية تعمل على إبراز مكامن الخلل في الذهنية الجماعية وبالذات لدى فئة الشباب، وكما لاحظ الجميع فإن البرنامج يحقق النجاح تلو النجاح كونه يتخصص في هذا المجال الذي يعاني من نقص شديد في التوعية بطريقة ابتكارية وشيقة. ونحن مستمرون في دعم رسالة هذا البرنامج وتطويرها بما يحقق أهدافنا من خلال الفوزان لخدمة المجتمع.
*- أين وصلت برامج مثل (تسوير) في ردم الآبار الخطيرة والتجمعات المائية، وبرنامج (الأيادي البيضاء)؟
- مبادرة تسوير وتغطية ووضع العلامات الإرشادية للآبار والفوهات الخطرة في الصحراء "تسوير" جاءت من نبع الحس الوطني ومشاركة الجهات الحكومية في ضمان سلامة المواطنين من تلك الآبار والفوهات التي تشكل خطراً على حياة المواطنين. المشروع الذي تتولاه "الفوزان لخدمة المجتمع" بالتعاون مع المديرية العامة للدفاع المدني بالمنطقة الشرقية.
وتغطي المرحلة الأولى من المشروع عدد 250 بئراً تشكل خطورة بالمنطقة الشرقية، كما تواصل العمل في المراحل اللاحقة لتغطية كل أنحاء المملكة ليعم النفع للجميع. كما عملنا على وضع لوحات إرشادية لتمكين مرتادي تلك المناطق من التعرف إلى المخارج والاستدلال على الاتجاهات الصحيحة لتفادي التعرض لمخاطر الصحراء، وبفضل الله أنجزنا أكثر من نصف المشروع في فترة قياسية لم تتجاوز ستة أشهر بتسوير الآبار في المناطق الصحراوية والنائية كمنطقة الصمان في الشرقية على سبيل المثال. على أن نقوم بالتوسع إن شاء الله مستقبلاً لباقي مناطق المملكة وذلك احتذاءً بنهج حكومة خادم الحرمين الشريفين الحريص دائماً على سلامة المواطنين.
كما قامت مجموعة الفوزان القابضة بإنشاء مركز خدمة ذوي القدرات الخاصة في مدينة الزلفي وسط المملكة والتي تبعد عن العاصمة الرياض نحو 270 كيلومتراً، وذلك بتكلفة تناهز 30 مليون ريال. وقد وقعنا عقد الإنشاء منذ شهرين وبدأت أعمال البناء لتنفيذ المركز. ومشروع مركز الفوزان لخدمة ذوي القدرات الخاصة (الأيادي البيضاء) هو مركز للتأهيل الشامل يقع على مساحة تزيد على 20 ألف متر مربع، ويحتوي على كل مستلزمات ذوي الاحتياجات الخاصة، كما يتضمن قاعات ومباني للخدمات، إضافة إلى المناطق الخضراء والحدائق واستراحات للجنسين. ومدة تنفيذ المشروع تبلغ 36 شهراً، على أن يتم تسليمه في عام 2012 إلى وزارة الشؤون الاجتماعية لإدارته.
*- بنظرك ما جملة المشاكل الحقيقية التي تعترض نشر مثل هذا النوع من الثقافة؟
- الكثير من الشركات والمجموعات السعودية عندها توجهات خيرية وعطاء كثير وإحساس بأهمية العمل الخيري. ولكن هذا لا يكفي، نعتقد أن الجانب الاجتماعي مهم جداً. ونعتقد أن هناك عدم موازنة ما بين الجانبين الخيري والاجتماعي: عطاء كثير في الجانب الخيري وضعف في الجانب الاجتماعي.
والمشكلة الرئيسية هنا ليست في وجود الرغبة أو النية لدى رجال الأعمال لخدمة مجتمعاتهم، فرجال الأعمال يحتاجون إلى وجود برامج واضحة ومؤسسية تخدم أهدافهم في خدمة مجتمعاتهم، ولكن الوقت والخبرة في هذا المجال مطلوبة لإنجاحه.
يُذكر أن عدة جهات في السعودية تؤكد على المسؤولية الاجتماعية، حيث تحاول العديد من القطاعات من مؤسسات وشركات تخصيص إدارات معينة مناطة بها المسؤولية الاجتماعية. ولكن هذا العمل إلى الآن لم ينظم، ولا يوجد له ترتيب محدد، وإن كانت بعض الجهات التي بدأت في تنظيم هذا العمل، ولعل أبرزها ما هو قائم في مدينة الرياض، وهو مجلس المسؤولية الاجتماعية الذي يرأسه الأمير سلطان بن سلمان بن عبدالعزيز.
فيما أعلنت الهيئة العامة للاستثمار من جهتها عن مبادرة استثنائية على مستوى المسؤولية الاجتماعية في المملكة ألا وهي "مؤشر وجائزة المسؤولية الاجتماعية للشركات السعودية"، والذي يأتي حسب بيان الهيئة في سبيل تشجيع الشركات على اعتماد أفضل الممارسات التي تسهم في إثراء القيمة البشرية والاجتماعية وتؤدي إلى تعزيز القدرة التنافسية للمملكة.
هذا فيما يعزو خبراء المسؤولية الاجتماعية محدودية دور الشركات السعودية إلى أسباب كثيرة، يأتي في مقدمتها ضعف الوعي إن لم يكن غيابه لدى الكثير من الشركات بالمسؤولية الاجتماعية، والخلط بينها وبين العمل الخيري، وعدم الوعي بأن من المسؤولية الاجتماعية الالتزام بالأنظمة والقوانين المتبعة، والنواحي الصحية والبيئية، ومراعاة حقوق الإنسان خاصة حقوق العاملين، وتطوير المجتمع المحلي، والالتزام بالمنافسة العادلة، والبعد عن الاحتكار، وإرضاء المستهلك.