جواد كاظم.. الصحافي الذي التقى الموت ولم يغادر معه
ظهر مبتسماً في تحليل "حلم العراق الجديد"
لا يمثل جواد كاظم حالة إنسانية نادرة بقدر ما هو حالة أكثر خصوصية في عمق الجانب الإنساني الذي لا ينتظر اعتبار البعض للصحافة أنها مهنة المتاعب، ولا ما يراها آخرون شقاء المحترفين، فقد أطل بثقة تفيض دقة وهو يصف تفاصيل أكثر براعة عن الانتخابات العراقية، ويحرك بتمكن وفي سلاسة "دمى" شُكلت على هيئة المرشحين العراقيين، بحيث لم يكن لأحد أن يشك بأن كاظم كان من القلائل الذين التقوا الموت في لحظات نادرة ولم يغادر معه بلا عودة.
وتركز حديث جواد كاظم ،حول قراءة لأبرز التحالفات بين 2005 والبرلمان المقبل عام 2010، الذي تجري انتخاباته حاليا.
وكاظم لمن لا يعرفه، صحافي عراقي يعمل في قناة "العربية" الفضائية، وُلد في 1966 ودرس الاقتصاد والإدارة، وسبق له أن عمل مذيعاً في الاذاعة والتلفزيون العراقيين منذ عام 1989 قبل أن يصبح مراسلاً صحافياً.
وفي عام 2005 كان جواد كاظم على موعد مع تحدٍّ ربما هو الأكبر في حياته، تحدّ من ذلك النوع الذي لا يقبل أنصاف الحلول، إما أن تصمد أو تغادر المكان، لذا لم تترك له محاولة الاغتيال التي تعرض لها في بغداد أكثر من نصف آمال الحياة، حيث قاوم التيار وبقي مقدماً لنشرات الأخبار وهو على كرسيه المتحرك من داخل استوديوهات القناة في دبي.
عندما وقف جواد ليقول بضع كلمات في حفل احتفاء به أقيم بمناسبة وصوله إلى دبي وبعد عودته من لندن للعلاج، كان حضوره القافز فوق التعاطف أكبر من كل شيء آخر، وابتسامته الشامخة تجيب عن كل الأسئلة، وعندما هتف "الحادث الذي تعرضت له لم يكن سهلاً وآثاره ليست بسيطة، ولكنني مع ذلك عازم على مهاجمة الحادث ومحاربته".
ورسم كاظم ملمحاً أكثر قوة من الحياة نفسها وهو يضيف "من هاجموني أرادوا قتلي لإيقافي عن العمل، ولكنهم لم ينجحوا في ذلك فما بقي مني كثير، وسأواصل العمل بنفس الرؤية وبنفس الخط ووفق نفس المنهج المتوازن ووفق أصول المهنة".
لم ينتصر جواد لنفسه فقط، أو لأهله وأقاربه، عندما قهر الموت واليأس والإرهاب.. بل انتصر للصحافة وشعارها العالمي.. الناس يجب أن تعرف الحقيقة مهما كان الثمن باهظاً.. وها هو اليوم يعلن انتصاره للعراق أيضاً، عندما وقف متابعاً انتخابات بلاده التي تشي بعهدٍ جديد من الحياة والأمل.
نهار لا يُنسى

وكأكشن يختطف الأنفاس ويحبسها تبدأ قصة جواد كاظم ذات ظهيرة وهو يخرج من مكتب قناة العربية في بغداد، ظهر السبت 18-6-2005 متجهاً إلى حي الكرادة ليتناول طعام غدائه، عندما غادر المطعم كانت مجموعة مسلحة تنتظره وشعر كاظم ببرود وجسم المسدس في رأسه وطلب منه السير معهم، وفي لحظة شجاعة نادرة لا يفعلها إلا القليل رفض الدخول إلى سيارتهم فوضع المسدس في منطقة قلبه وانطلقت رصاصة لم يشأ لها القدر أن تصيب الهدف فمرت خلف قلبه واتجهت إلى العمود الفقري وكسرت فقرتين وأضرت بالحبل الشوكي ما أصابه بالشلل.
ولم ينتهِ الأمر فقد أطلق المسلح رصاصة أخرى في الوجه وثالثة بذراعه والرابعة في الهواء، ليتبين بعد إجراء عملية له وجود شظية متبقية من الرصاصة تحصر الحبل الشوكي فيما كانت صور الأشعة تشير في البداية إليها على أنها كتل من الدم، مرت رحلة علاجه بعدة محطات منها الأردن والسعودية ولندن ولم تمر اللحظات المؤلمة من ذاكرته بل خدشتها بدرجة لا تقبل المحو.
كاظم مازال يمنح الأمل والشجاعة لكل الذين تذويهم المآسي الصغيرة، وهو يؤكد أن الصحافة عشقه الكبير ولن يحول بينه وبين عشقه سوى تلك النهايات التي لا يمكن المساومة على تأجيلها أو تأخيرها.