شباب مغربي يحتج على نمطية المجتمع ويكسر "التابوهات" الاجتماعية

يرتدون ملابس غريبة ويغنون "الهيب هوب"

نشر في:

يرفع آلاف الشباب المغربي شعار "نايضة" بمعنى "الحركة" للدلالة على توجّه اجتماعي وموسيقي وذوقي يرغب في التجديد، ويتمرد على كل ما هو سائد ونمطي احتجاجاً على واقعهم الذي يرونه جامداً وسلبياً.

وابتكر هؤلاء الشباب صيغاً مختلفة لممارسة "نايضة" من خلال ألوان موسيقية جديدة مثل "الهيب هوب" و"التيكتونيك"، ومن خلال تقليعات غريبة في اللباس والشكل، أو خلقهم فضاءات إلكترونية تتعدى حدود الهوية الدينية للمجتمع.

ويرى مراقبون أن "نايضة" ثقافة شبابية احتجاجية تشبه حركة "لاموفيدا" في إسبانيا بعد وفاة الجنرال فرانكو، فيما يؤكد آخرون أن "نايضة" مجرد موجة شبابية لا مقومات لها، ويسعى الشباب بواسطتها إلى إثارة الانتباه إليهم والتميز عن غيرهم.

"لا موفيدا" مغربية

وتزايدت حركة الشباب الداعي إلى تعميم "نايضة" في كل مناشط الحياة بالمجتمع المغربي، حيث تكاثرت المهرجانات الغنائية التي تهتم أساساً بالأغاني الشبابية بطابع محلي، مثل "الهيب هوب" و"البلاك ميتال"، ومن أشهرها مهرجان "البولفار" بالدار البيضاء.

ويحضر الآلاف من شباب "نايضة" إلى الحفلات والسهرات التي تحييها مجموعات غنائية شبابية باتت تكتسح أذواقهم بشدة، ومنها فرقة "البيغ" أو الخاسر الذي يعد نجم الراب بالطريقة المغربية، ومجموعة الفناير وغيرها.

ومن فرط بروز ظاهرة "نايضة" لدى الشباب المغربي، أضحت أحزاب سياسية تلجأ إلى تلك الفرق الموسيقية لتنشط تجمعاتها الشعبية ومؤتمراتها السياسية سعياً لاستقطاب شباب "نايضة" الذي تعد السياسة آخر انشغالاته.

ويشبه بعض المعجبين توجه "نايضة" في المغرب بثورة "لا موفيدا" La Movida التي سبق أن شهدتها إسبانيا بعد رحيل "فرانكو" عام 1975، فكانت أقرب إلى ثورة ثقافية عاشها المجتمع الإسباني حينئذ.

وأفضت تلك الحركة إلى ميلاد العديد من الأعمال الفنية والثقافية انطلقت حينها من العاصمة الاسبانية مدريد لتعم جميع المناطق في جو من نسائم حرية هبت على ذلك البلد الأوروبي بعد فترة من الحكم الشمولي الذي بصمه "فرانكو" ببصماته الثقيلة.

غير أن هناك من يرى أن المقارنة بين "نايضة" المغربية و"لا موفيدا" الإسبانية هو مثل من يقارن السماء بالأرض، فلا مجال لأي مقارنة بين الحركتين بسبب اختلاف المجتمعين المغربي والإسباني ومرجعية الطريقتين معاً، فـ"نايضة" مثلاً لم تفرز أدباً رفيعاً ولا راكمت إبداعات فنية وثقافية تتماشى مع هوية المجتمع المغربي وتحترم أصالته وعاداته.

موسيقى احتجاجية أم موضة؟

وبخصوص موسيقى "نايضة"، يرى ربيع خلدوني، الباحث في موسيقى الشباب، أن أغانيها وكلماتها مرآة لما يعتمل داخل المجتمع المغربي من تناقضات وإكراهات وواقع مرير يعيشه الكثير من الشباب.

وأضاف خلدوني أن أغاني "نايضة" تحاول تكسير التابوهات الاجتماعية والمواضيع التي يصعب جداً على أنماط غنائية أخرى التطرق إليها، مشيراً إلى أن الفرق الغنائية التي تكرس ظاهرة "نايضة" اعتمدت على نفسها في إبراز طاقاتها الذاتية، وهو الأمر الذي يثير إعجاب الشباب بالمغرب.

واعتبر المتحدث أن موسيقى "نايضة" قد تكون تعبيراً عن سياق اجتماعي يعيش فيه شباب الجيل الحالي وعن إحباطاته المتوالية جراء تفاقم البطالة وانتشار الفساد والرشوة، وتهميش الكفاءات الشابة في مختلف القطاعات الحيوية بالبلاد.

وفي السياق ذاته، يبرر الدكتور لطفي الحضري، الاختصاصي النفسي، سلوكات شباب نايضة برغبتهم في "التفرد"، فالكثير من الشباب المغربي يرغبون في التميز بتوجه معين يحدد مسارهم ويجعلهم متميزين، تلبية لأسباب نفسية داخلية تُعزى إلى التهميش الذي يطالهم من قِبَل أسرهم أولاً ومحيطهم القريب ثانياً، ثم المجتمع بعد ذلك.

الرغبة في الانتماء

وهذه الموجة "النايضة" ترجع أيضاً إلى رغبة هؤلاء الشباب في "الانتماء"، فصارت اتجاهاً يحبذه كثير من الشباب المغربي، ووجد فيه انتماءه الذي يدافع عنه بأفكاره مهما ظهرت للآخرين غير ذات بال.

لكن الناقد فؤاد زويريق يرى أن الشباب المغربي يحاول الخروج من بيئته التقليدية المغلقة إلى بيئة أكثر تطوراً وانفتاحاً بواسطة سلوكيات اجتماعية وأشكال غنائية تلائم بيئته.

ولا يتفق زويريق مع الاتهامات التي تقول إن موسيقى "نايضة" تهدد هوية المجتمع المغربي، لكون الفرق الموسيقية مثل "الهيب هوب" بالمغرب لم تقم سوى بإبداع أسلوب جديد للتواصل، مردفاً أنه لا يمكن تهديد هوية مجتمع من طرف حركة ثقافية وفنية بنت لنفسها قاعدة عريضة من الجمهور الشبابي.