اعتبر خبراء اقتصاديون وعقاريون أن مبررات ارتفاع أسعار الأراضي في السعودية يعود لغياب التنظيم للسوق وانعدام الشفافية، وأن تزايد النظرة للأراضي كوسيط استثماري ساهمت في ارتفاعات وانخفاضات غير مبررة، مؤكدين أن وجود الخدمات ما زال يحكم فارق الأسعار، وأنه يجب ألا تحول الأراضي لما وصفوه بالمخزون الوهمي للقيمة.
وقال الخبير في التمويل العقاري يحي أبو حاسرة، إن تكرار بيع المنح الحكومية ضاعف أسعارها على المستفيد الأخير وهو المواطن، فيما اعتبر المحامي والقاضي السابق عبدالعزيز القاسم أن التنظيم للمدن ديمواغرافياً يجب أن يكون الأساس كما أنه موجود منذ الفترات التاريخية المبكرة.
وفي ذات السياق، أكد الخبير الاقتصادي فواز الفواز، أن هناك بوناً شاسعاً بين أسعار الأراضي وبين الدخل لعموم المواطنين، فيما قال خالد الجاسر المدير التنفيذي لشركة أماكن العقارية، إن ما يحدث في تصريف المنح وتداولها بين العقاريين بعد بيعها من المواطن الممنوحة له، تسبب في مضاعفة أسعارها على المستفيد النهائي، وهم غالباً مواطنون من ذوي الدخل المحدود.
هذا فيما أشار عبدالعزيز القاسم، المحامي والقاضي السابق، إلى أنه يجب أن تدخل الأراضي ضمن (ما يُجبى) رسمياً، في ظل أن معظم دول العالم، حسب وصفه، لديها مخططات للإسكان، مؤكداً أن ارتفاع كلفة العقار أحرج شركات العقار التي اتجهت للمتاجرة في الأراضي.
وأكد الكاتب الاقتصادي خالد الربيش، أن المطور العقاري ساهم كثيراً في ارتفاع أسعار الأراضي، مطالباً بإغلاق صندوق التنمية العقاري للحد من ارتفاع أسعار الأراضي.
جاءت تلك التعليقات ضمن برنامج "واجه الصحافة"، الذي يعده ويقدمه الإعلامي السعودي داود الشريان، والذي ستبثه قناة العربية في الحادية عشرة من مساء الجمعة 10-9-2010، ويناقش أسباب ومبررات وحلول أوضاع الأراضي في السعودية وتنظيم سوق العقار.
وأضاف أبو حاسرة أن الكثير من المواطنين ممن يحصلون على منح من الأراضي ما يلبثون أن يضطروا لبيعها بسبب عدم امتلاكهم تكلفة تطويرها، مشيراً إلى أن حصول المواطن على مجرد المنحة ليس كافياً لتلبية احتياجاته للحصول على سكن، مطالباً بأن يعاد النظر بأسرع وقت في النظام البلدي في الأراضي، وأن تكون هناك آليات واضحة ومقننة وعادلة لتحديد المحتاجين بدءاً بذوي الدخول المنخفضة.
واعتبر أبو حاسرة أن من أبرز الحلول المطروحة: التنظيم وإعادة الهيكلة وفرض الرسوم، وأنها ستبرز نتائج إيجابية في إعادة تنظيم السوق وضبط الأسعار.
من جهته، قال الخبير الاقتصادي فواز الفواز إنه من المهم تحريك وتحرير رأس المال المجمد والمتمثل في الاحتفاظ بالأراضي كقيمة استثمارية، مؤكداً أنه لا يمكن أن تكون هناك حلول أنجع من فرض الرسوم على أصحاب الأراضي المجمدة والخالية لدفعهم لتحريكها.
وقارن الفواز بين أسعار الأراضي في السعودية وما تمثله بالنسبة لقيمة السكن بأنها في السعودية تفوق قيمة المنزل بحوالي 70 في المئة عن مثيلتها في الغرب، وأن ذلك يبرر أن الشريحة الكبرى من المواطنين في السعودية لا يستطيعون امتلاك منزل، خصوصاً في ظل عدم القدرة على تحمل تكلفة الحلول المثالية.
وأضاف الفواز أن من ضمن قائمة الحلول المقترحة أن يتم دمج هيئة الإسكان مع صندوق التنمية العقاري.
من جهة ثالثة، اعتبر الجاسر أن من أبرز الحلول أن يتم منح المواطن مسكناً جاهزاً بدلاً من المنح، وأنه يجب النظر بعين الاعتبار للنتائج الإيجابية للتجربة الكويتية في توفير السكن ونقلها. وعبر عن استيائه من تحول شركات العقار من دورها الحقيقي إلى شركات لبيع الأراضي مستغلة الأرباح الكبيرة فيها.
وأضاف الجاسر أن على مؤسسة النقد صياغة أنظمة تساعد على حل المشكلات وفرضها على التمويل العقاري سواء في البنوك أو غيرها، ممن تمارس نفس النشاط في تمويل سوق العقار، وإلزام تلك الجهات بمنح المواطن القروض الكافية والميسرة، محذراً في نهاية حديثه بأن نظام الرهن العقاري المنتظر سيرفع أسعار الأراضي ولن يكون الحل الأمثل المأمول والمنتظر كما يشاع عنه.
من جهة رابعة، أكد المحامي والقاضي السابق عبدالعزيز القاسم أن هناك غياباً للصورة الحقيقية للاحتياجات، مما صعب الحلول فارتفعت الأسعار، معتبراً أن سياسة توزيع الأراضي أو المنح هي سياسة "عفا عليها الزمن"، وأن الطريقة تعتتبر (سيادية كارثية)، مطالباً بخلق آلية لتخصيص الأراضي، في ظل أن قرابة 80 في المئة غير قادرين على الحصول على أرضٍ في طريق امتلاك المسكن.
وأضاف القاسم تعليقاً على وضع المنح أن الاستمرار فيها بوضعها الحالي يعزز سوق المضاربة، معتبراً أنه من المبكر التنبؤ بنتائج الرهن العقاري، وأن سقف الرواتب ووجود البيانات الدقيقة يجب أن تكون في مقدمة الاعتبارات لتحديد المستحقين للمنح.
وأشار القاسم إلى أن سقف 16 ألف ريال كمتوسط دخل شهري لأكثر من 80 في المئة من الموظفين في السعودية لا تلبي رغبة المواطن السعودي في تملك سكن خاص به، منتقداً الارتفاع الهائل في أسعار العقارات، ضارباً مثالاً بأنه حتى أسعار عقارات المباني الحكومية تضاعفت بشكل غير مقبول.
بينما أبرز الخبير الاقتصادي فواز الفواز فكرة الدعم المستنير التي تعتمد على التأكد من أن الدورة الاقتصادية مترابطة، مؤكداً أننا في حاجة إلى حل شمولي عبر نظام مالي وتشريعي واقتصادي يخدم البلد بعيداً عن الحلول الانفعالية.
هذا فيما بيَّن الكاتب الاقتصادي خالد الربيش أن تملك الأراضي أصبح "هدفاً وليس وسيلة"، مشيداً بتجربة الزراعة وأنه يجب نقلها لحل إشكالية ارتفاع أسعار الأراضي، والتي يرى أن المطور العقاري ساهم كثيراً فيها، مطالباً بإغلاق صندوق التنمية العقاري للحد من ارتفاع أسعار الأراضي، وأن تتحول الحكومة من مانحة إلى داعمة لتعزيز قدرة المواطن على تملك مسكن خاص به.