خبراء وأخصائيون: اضطراب "فرط الحركة" يرفع فرص الجريمة

أكثر من 15% من الأطفال العرب مصابون به

نشر في:

حذّر مختصون واستشاريون من أن المجتمعات الخليجية ستكون أول الخاسرين في حال لم يتم التنبه للآثار السلبية لأحد أبرز الاضطرابات المنتشرة دون قياس حقيقي لواقعها المؤثر، وهو اضطراب "فرط الحركة وتشتت الانتباه"، والذي تؤكد الدراسات والتقارير أن عدد المصابين به في السعودية يصل إلى مليون طفل، وهو ما يعادل نسبة 15% في السعودية، فيما يصل إلى نسبة 14.9% في الإمارات و 11.1% في قطر.

وبدأت السعودية الاهتمام بالتصدي لهذا النوع من الاضطراب عام 2004، كأول دولة خليجية تقوم بذلك.

وقالت استشارية المخ والأعصاب في مستشفى الملك فيصل التخصصي ومركز الأبحاث الدكتورة سعاد اليماني، إنه بالرغم من أن اضطراب فرط الحركة وتشتت الانتباه لا يصنف كمرض، إلا أن آثاره السلبية كبيرة وقد تؤدي إلى وقوع المصابين به فريسة سهلة للسقوط في الجريمة والاتجاه للمخدرات والتسبب في خسائر اقتصادية كبيرة.

وينتشر هذا الاضطراب، بحسب الدكتورة سعاد، عند العائلات الفقيرة، مشيرة إلى أن هناك علاقة عكسية بين الفقر والمستوى الاجتماعي والتعليمي واضطراب فرط الحركة، فكلما كان مستوى الأهل التعليمي أقل كانت الإصابة عند أطفالهم أعلى.

هذا فيما أكدت الدكتور نهال عرفان رئيسة قسم الطب النفسي في مدينة الملك فهد الطبية أن الأطفال المصابين بالاضطراب هم الأكثر عرضة للاكتئاب، وأن التشخيص المبكر هو الأفضل للحيلولة دون تفاقمه.

واتفقت الاستشاريتان اللتان كانتا تتحدثان ضمن برنامج "واجه الصحافة"، الذي يعده ويقدمه الإعلامي داود الشريان وتبثه قناة "العربية" الساعة الحادية عشرة من مساء الجمعة 24 سبتمبر 2010 بتوقيت السعودية؛ على أن هيمنة الأعراض وتأثيراتها السلبية دليل وجود الاضطراب، كما أن المصابين هم الأكثر عرضة لمشاكل وصعوبات التعلم والفشل الدراسي والاجتماعي.

فيما تحدثت الضيفة الثالثة سهير أبو زيد عن تجربتها مع طفلها الذي يعاني من اضطراب فرط الحركة.

الذكور أكثر إصابة

وأضافت الدكتورة يماني أيضاً أن المصابين باضطراب فرط الحركة فرصهم في النجاح في التواصل الاجتماعي محدودة جداً، مقارنة بين الاهتمام الغربي بهذه المشكلة وبين الاهتمام العربي، حيث أن الغرب يجري أبحاثاً على هذا الموضوع أكثر مما يجريه على مرض "السكري"، مؤكدة أن الفحص السريري هو الذي يستطيع إبراز عمق الإصابة.

وتعرضت يماني لجوانب أخرى هامة، مثل الصعوبات الكبيرة التي تواجهها جمعية دعم اضطراب فرط الحركة وتشتت الانتباه (أفتا) المعنية بنشر ثقافة التوعية تجاه هذا النوع من الاضطراب وتعريف المجتمع بأهمية التعامل مع مصابيه ليتسنى الاكتشاف المبكر له، مؤكدة أنه لو أجريت دراسات على الكثير من الكبار وممن فشلوا في جانب من حياتهم لسبب من الأسباب لربما وجد أن اضطراب فرط الحركة هو السبب ولم يتم اكتشافه.

وأشارت يماني إلى أن الشعور بالخجل هو السبب لدى الكثير من أهالي المصابين لاخفائها، مضيفة أن الإصابة بتشتت الانتباه هي الأكثر لدى البنات، فيما نسبة الإصابة باضطراب فرط الحركة أكثر لدى الذكور عموماً.

وكشفت يماني أن المصابين بفرط الحركة هم الأكثر تسبباً بالحوادث المرورية، وأن الشرائح المجتمعية ذات الدخل المنخفض هي الأكثر إصابة بهذا النوع من الاضطراب، مشيرة في الوقت ذاته إلى أن الكثير من الأسماء اللامعة في التاريخ مصابة بهذا الاضطراب، مثل والت ديزني وأجاثا كرسيتي وأديسون وأنشتاين.

البحث عن شراكة حقيقية

واعتبرت يماني أن التشخيص المبكر والبيئة الملائمة وتقبل المجتمع هو طريق تحويل المسار للمصابين من معاناة إلى إبداع وتفوق، وعن سبل العلاج والأدوية ذكرت أن الأدوية المنشطة وعلى عكس المتوقع هي الأفضل لعلاج الحالات.

وعن الوضع في الخليج أكدت يماني أن السعودية في أوائل الدول المهتمة خصوصاً في ظل أن نسبة الإصابة لديها وصلت 15%، مؤكدة أيضاً أن الإصابة في المجتمعات الناشئة مكلفة جداً.

وعن دور الجمعية (أفتا) التي تقودها قالت يماني إنه ما زالت تتطلع إلى عقد شراكة حقيقية مع عدة جهات لتبليغ رسالة الجمعية، مثل "التربية " و"الصحة" و"التعليم العالي"، مبدية أسفها أنه رغم الدعم الملكي وتوجيه العاهل السعودي بدعم مشروع الجمعية إلا أن التفاعل معها من قبل الشركات والمؤسسات الحكومية والخاصة ورجال الأعمال ما زال دون المأمول، بالرغم من أن الجمعية لديها شراكات عالمية، ضاربة مثالاً عن التكاليف الباهظة والحاجة للدعم، وأنه لعلاج 1170 طفلاً "نحتاج إلى 12 مليون ريال".

من جهتها، أشارت الدكتورة نهال عرفان إلى أن أهمية التشخيص تبدأ من التعرف على تاريخ الاضطراب، مؤكدة أن الأمر المهم هو أن فحص الكبار الذي تم التوصل إليه أخيراً قد يتيح التعرف على إصابات لم يتم التنبه لها، وقد تفسر الكثير من حالات الخلل الاجتماعي.

التفاعل مع التعليم ضعيف

كما تحدثت السيدة سهير أبو زيد عن جوانب من معاناتها مع طفلها نادر المصاب باضطراب فرط الحركة، حيث أشارت إلى أنها لم توفق في السيطرة عليه وتوجيهه، رغم بذلها لكل الجهود، مؤكدة أن بقية أطفالها "لم يتفهموا حالة شقيقهم"، وأن ما أذهلها هو تداخل الصفات الإبداعية غير العادية مع سلبيات الاضطراب بشكل عجيب، حسب وصفها.

وأضافت أبو زيد أنه "كثيراً ما أجد حرجاً في تبرير تصرفات طفلي أمام الآخرين، والجانب الأكثر ألماً هو عندما يشعر طفلي أنه غير مرغوب فيه، وبالتالي يرتكب المزيد من السلبيات"، مشيرة على أنها في حالة دائمة لإشغاله وإلا سيرتكب ما هو أكثر.

وتطرقت أبو زيد إلى الجانب الدراسي مؤكدة أن طفلها غير قادر على التفاعل مع طريقة التعليم العادي، وأن العقاب المدرسي غير مقبول لدرجة أنه في إحدى المرات قابل حرمانه من بعض الأمور التي يحبها بسبب شقاوته بالاعتداء على زملائه وتحطيم الأثاث، مؤكدة أنها اضطرت لإدخاله مدارس تقوم بالتعليم الفردي للطفل، مشيرة إلى أنها وإن "تمكنت مادياً" من ذلك إلا أن غيرها لن يتمكن من ذلك، خصوصاً في ظل التكاليف الباهظة للأدوية.

وطالبت أبو زيد بالنظر إلى الموضوع إلى أنه مقلق بدرجة خطيرة على مستقبل الأجيال، مؤكدة أن "كل ما نريده هو التفهم والتعاون".

حقائق حول اضطراب فرط الحركة

وتُعرف (أفتا) فرط الحركة بأنه اضطراب عصبي بيولوجي يصيب الأطفال ويؤدي إلى فرط الحركة والاندفاعية وتشتت الانتباه. وقد أكدت الدارسات أن من أبرز أعراضه فرط الحركة، وصعوبة المشاركة مع الأشخاص، وصعوبة في انتظار الدور، وعدم النظر في العواقب، والإجابة دون تفكير، وكثرة النسيان والكلام، وضعف العلاقات الاجتماعية.

ويقابل هذه الأعراض في الوقت نفسه، قدرة على الابتكار وإنجاز عدة مهام في وقت واحد وتجاوز الصعاب، ورؤية الحلول عندما يفشل الأخرين. كما يتصف المصاب باضطراب فرط الحركة بالعطف والكرم والعطاء والذكاء.

ولا يوجد حالياً علاج سريع ونهائي، ولكن يمكن علاج أعراض الاضطراب بالعلاج الدوائي والسلوكي والاجتماعي، وينصح باستعمال الطرق العلاجية مجتمعة للحصول على أفضل النتائج.

ويرى المهتمون أن الموضوع مقلق وخطر جداً، نظراً لكون نسب الإصابة مرتفعة بالإضافة للخسارة المالية والبشرية، وعدم استفادة المجتمع من إبداعات المصابين. ولعل من أبرز الجوانب السلبية للاضطراب أنه غالباً ما يتسبب الأطفال المصابون به بإحداث المشاكل التالية بنسبة تعادل ضعفي نسبة الأطفال العاديين، ومن أبرزها الاعتقال، وحمل الأسلحة بطريقة مخفية، والتعدي بالسلاح، والتعدي بالهجوم الجسدي، واقتحام المنازل، وسرقة النقود وسرقة ممتلكات الغير.

وعلى صعيد الحقائق أيضاً تؤكد التقارير أن 30-50% من ذوي (أفتا) يضطرون إلى البقاء في نفس السنة الدراسة. وأن 35% من التلاميذ المصابين لا يستطيعون إكمال الثانوية العامة. و25% منهم يتم طردهم من المدرسة. و 35% من المراهقين المصابين يتم توقيفهم عن المدرسة.