ليبيون يدعون لطياري الأطلسي بالسلامة ويحملون أعلام الغرب إلى صلاة الجمعة
ربيع الثورات يحسن صورة الغرب
بعد عقود طويلة من هيمنة خطاب متشنج معادي للغرب ظل حاضراً في المشهد السياسي والإعلامي في ليبيا، حتى بعد مصالحة العقيد معمر القذافي مع الدول الغربية خلال السنوات الأخيرة إثر تخليه عن برامجه النووية وعن دعم الجماعات الإرهابية وتسوية قضية لوكربي وإبرام عقود نفطية بمليارات الدولارات؛ يسود اليوم الكثير من المدن الليبية التي خرجت من قبضة القذافي الحديدية شعور بالامتنان للدول الغربية، لمساعدتها في حمايتهم -كما يقولون- من عمليات تقتيل واغتصاب واسعة شرعت كتائب القذافي في تنفيذها لإخماد نار الثورة الشعبية المطالبة بالديمقراطية والحرية.
صلاة الجمعة في عاصمة الثوار
وفي ميدان الحرية مهد ثورة السابع عشر من فبراير/شباط الشعبية، حيث يحتشد آلاف المسلمين كل أسبوع لأداء صلاة الجمعة أمام محكمة بنغازي عاصمة الثوار المناوئين لحكم القذافي؛ ترتفع أعلام دول عربية وغربية اتخذت قياداتها مواقف حازمة ضد القذافي، من بينها فرنسا وبريطانيا والولايات المتحدة.
ويضع بعض هؤولاء المصلين الأعلام الفرنسية والبريطانية إلى جانبهم وهم يستمعون إلى خطبة الجمعة التي لا تخلو في المدن الليبية الخارجة عن سيطرة القذافي من الدعاء على الغرب الكافر بالزلازل والأعاصير ووعده بالويل والثبور وعظائم الأمور، كما الحال في الخطاب الديني التقليدي السائد في العالم العربي، حيث ينعت الغرب حليف إسرائيل على أنه عدو الإسلام والمسلمين.
سجادة صلاة وعلم فرنسي
ويحمل كريم معه كل جمعة سجادة صلاة وعلماً فرنسياً إضافة إلى علم الاستقلال، وبعد عبور نقاط تفتيش أقامها الثوار في أحد الشوارع المؤدية إلى الميدان الكبير المطل على البحر، قال لـ"العربية.نت" "إنهم يسمحون لنا فقط بأن نأخذ معنا السجادة وأعلام البلدان التي وقفت معنا، التوتر مازال يسيطر على المدينة حيث يقوم الطابور الخامس من وقت لآخر بتفجيرات، تخيل لو لم يتحرك الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي بسرعة هل كنا نصلي هنا بحرية؟ إن الله ينصر هذا الدين بالرجل الفاجر"، بحسب تعبيره.
وتتركز الخطبة في بنغازي على معاني الحمد والشكر لله لما أصبح عليه حال المدينة من حرية وشعور بالأمان بعد أن تراخت قبضة القذافي، مع كثير من الوعظ وبعض السياسة التي كان يحظر في السابق التطرق لها في خطب الجمعة.
ويعتبر بعض الليبيين أن الله سخر لهم الآلة الحربية الغربية الفتاكة لمواجهة جيش القذافي العرمرم والأفضل تسليحاً وتدريباً وخبرة، بيد أن هذه لا يخفي حقيقة أن صورة الغرب قد تحسنت بشكل كبير في مجتمعات مسلمة محافظة بسبب الربيع العربي.
ومع أن وسائل الإعلام التابعة للقذافي تصرف الكثير من الوقت والمال في تقديم الحملة العسكرية الغربية الجارية بتفويض من مجلس الأمن الدولي لحماية المدنيين العزل على أنها حرب صليبية شعواء، هدفها تقسيم بلد مسلم غني بالنفط، وقتل أمير المؤمنين الأخ الثائر المسلم معمر القذافي؛ إلا أن الكثير من الليبيين في مدن آهلة بالسكان مثل بنغازي يؤيدون غارات قوات الناتو، ويتبادل بعضهم التهاني مع دوي الانفجارات في معقل القذافي الحصين باب العزيزية، ويدعون للطيارين الغربيين بالعودة إلى قواعدهم وذويهم سالمين.
اهتزاز الصورة النمطية للغرب
ومع استمرار الحراك السياسي والاعلامي في الساحة العربية تهتز الصورة النمطية التي خلقتها أنظمة قومية استبداية للغرب على أنه قوة استعمارية صليبية، تتحين الفرص لانقضاض شرس على بلاد العرب والمسلمين، بهدف وضع يدها على ثرواتهم الهائلة.
وفي مقاهي بنغازي يجري الحديث باستمرار داخل حلقات النقاش المفتوحة عن دعم الغرب للثورة المستمرة في ليبيا من أجل الإطاحة بالقذافي. وقال عمر بن حليم وهو رجل أعمال ليبي كان يقيم في دبي لغياب مناخ الاستثمار في بلاده لـ"العربية.نت" "هناك شعور سائد في المناطق المحررة بالامتنان للغرب، لقد أدركوا أخيراً حقيقة القذافي وكفوا عن التعامل معه بسبب دمويته، لقد غسلت دماء الشباب ليبيا من عار القذافي، والغرب من دنس التواطئ مع الأنظمة الشمولية العربية".
وأضاف وهو يحتسي قهوة في مقهى "تيبستي" الذي يرتاده السياسيون المعارضون للقذافي ورجال الأعمال والصحفيون وفنانون وشعراء من المدينة "صحيح أن الغرب لم يفعل هذا من أجل سواد عيوننا ولديه مصالح، لكن هذا لا يبرر نكران أنه ساعدنا في التخلص من الديكتاتورية"، على حد قوله.
حق الإنسان على الإنسان
وتشدد الدكتورة لمياء إبراهيم، وهي أستاذة في جامعة قار يونس، على البعد الإنساني والأخلاقي في الموقف الغربي مما يجري في ليبيا، وقالت "لقد أطلقنا صرخة استغاثة ومن حق الإنسان على أخيه الإنسان نجدته".
بيد أن صديقتها التي جلست معها حول نفس الطاولة أبدت وجهة نظر مختلفة، وقالت إن البعد الانساني ليس وحده محرك التدخل الغربي، لو أن الأمر يتعلق بصحوة ضمير لتدخلوا أيضاً لوقف المذابح في سوريا، تقول تمارة بنت حاتم الناشطة المدنية التي عادت للتو من لندن حيث تعمل.
ويسود الاعتقاد لدى الكثير من الناس في بنغازي أنه لولا حزم الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي والأمريكي باراك أوباما ورئيس الوزراء البريطاني دايفيد كامرون لفعل القذافي في مدينتهم ما فعل في مصراته التي ارتكب فيها جرائم حرب بحسب الثوار.
الغربيون أعداء صليبيون
ورأى مرعي بالطيب وهو مهندس أن صورة الغرب كانت مشوهة في ليبيا بسبب سياسات النظام الآيل للسقوط، ودعايته الإعلامية التي "تقدم لنا الغربيين على أنهم أعداء صليبييون لا يعرفون الرحمة، إننا ممتنون لهذا الغرب الذي يساعدنا على أن نعيش في أمان وحرية على أرضنا، إن موقف حكوماتهم متميز وغير عادي".
ويبدو رجب بن خليفة الحاصل على بكالوريوس في إدارة الأعمال والعاطل عن العمل منذ خمس سنوات واضحاً أيضاً في التعبير عن الشعور بالامتنان والشكر، خاصة للرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي. ويقول "لقد شعر الأطفال والنساء بالفزع فيما رابط الرجال في الثغور استعداداً لمعركة دامية بعد تهديدات سيف الإسلام نجل القذافي عندما أعلن أن كل شيء انتهى. لقد نفذ ساركوزي قرار مجلس الأمن قبل أن يجف الحبر الذي كتب به وأنقذنا. هل شاهدت الدبابات والمدافع الثقيلة والعربات الكبيرة المدمرة عند مدخل بنغازي؟ أرسل القذافي جيشاً لغزو مدينتنا وتدميرها".
ويقول سليمان محمود المسماري وهو يناقش زميل له في مقهى "أوزو" "أرى أن هدف الغرب هو النفط وتقسيم ليبيا، وأن على الثوار الحذر والتوجس من نواياهم". ويقول آخر كان يستمع لما يدور من نقاش "أمسك الثوار لدى أسرى من جنود القذافي منشطات جنسية وزجاجات من الخمر ومخدرات، موقف أمريكا والغرب بشكل عام لا يمكننا أن ننساه، لقد منعوا اغتصاب نسائنا وتدمير بيوتنا وقتل شبابنا وشيوخنا".
إخوتنا في الإنسانية
ويشاطر هذا الرأي محمد حسني طالب الهندسة في جامعة قار يونس "الغرب سيجني كصديق وكشريك تجاري ثمار موقفه النبيل من ثورة الشعب الليبي، إنهم إخوتنا في الإنسانية ومن بينهم جيران لنا على المتوسط".
ويذهب سفيان العوامي في نفس المنحى "فرنسا والغرب عموماً ننظر إليهم كأثر من أصدقاء، أنظر إليهم كإخوة في الإنسانية لا يمكن أن ننكر هذا المعروف، نظرتنا لهم كانت سيئة للغاية".
وتحت عنوان ساركوزي ألهم العالم كتبت ريم البريكي الصحفية الشابة المحجبة التي تدرس الأدب الإنكليزي في جامعة بنغازي مقالاً نشر في صحيفة "ليفو تايمز"، وهي واحدة من بين صحف كثيرة رأت النور في بنغازي بعد خروج كتائب القذافي منها، "طالب الشعب الليبي بالحرية والديمقراطية وتم قمعه، لكن في الجهة الأخرى من البحر الأبيض المتوسط كان هناك رجل يسمع صرخات وأنين الليبيين وانتصر لهم ليس بدافع الديانة وإنما لأنه يؤمن بالحرية والديمقراطية"، في إشارة إلى موقف الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي.
وتقول ريم إنها قامت بإجراء استبيان في شوارع بنغازي حول شخصية ساركوزي، أظهر الشعبية الجارفة في المدينة للسياسي اليميني الفرنسي المثير للجدل، والذي كثيراً ما اتهم بمعادة المسلمين المهاجرين في فرنسا وبموالاة إسرائيل، حيث قال 90% من الذين شملهم الاستطلاع إنه رجل شجاع وإنه لو أتيح لهم التصويت في الانتخابات الفرنسية لصوتوا لصالحه.