تحديات ومطبات عديدة بانتظار ريكارد في تجربته مع "الأخضر" السعودي
الشارع الرياضي استقبل بفتور خبر تعيينه خلفاً لبيسيرو
رغم تلهّف الشارع السعودي طيلة الأشهر الستة الماضية لمعرفة هوية المدرب الجديد الذي سيُعهد له بقيادة "الأخضر" في المرحلة القادمة خلفاً للبرتغالي جوزيه بيسيرو، فإن خبر تعيين الهولندي فرانك ريكارد لتولي هذه المهمة لم يحظ بكثير من الاهتمام، وإن حرص الجميع؛ إعلاماً ومشجعين على التروّي قبل إصدار أي حكم، واتفاقهم على أن المحك الرئيسي هو "الشكل" الجديد الذي سيظهر عليه المنتخب برفقة ريكارد.

وكان لافتاً عدم تفاعل الشارع السعودي كثيراً مع تعيين ريكارد لتدريب "الأخضر" بالمقارنة مع الصخب الذي كان يرافق تعاقدات الاتحاد السعودي في مراحل سابقة مع مدربين، كان معظمهم أقل مستوى وإنجازات من ريكارد سواء على صعيد اللعب أو التدريب.
ويبدو أن تأخر عملية التعاقد بعد ستة أشهر من الانتظار من ناحية، وترديد الإعلام السعودي لأسماء عديدة خلال الفترة الماضية مرشحة لتدريب المنتخب، ومن ثم إعلان الاتحاد السعودي عن توصله لاتفاق مع البرازيلي ريكاردو غوميز قبل أن يتم "صرف النظر" عن التعاقد معه، يبدو أن هذه الأسباب مجتمعة أدت لحالة من الفتور حين الإعلان عن اختيار ريكارد.
أسباب جوهرية
على أن المراقب للشأن الرياضي في السعودية، يدرك أن ثمة أسباباً أخرى أكثر جوهرية، هي التي جعلت خبراً بهذا القدر من الأهمية، لا يحظى بنصيب وافر من الاهتمام لدى مشجعي "الأخضر" ووسائل الإعلام المحلية، وفي مقدمتها الحال "المزري" الذي بات عليه المنتخب السعودي والذي ظهر جلياً خلال بطولة كأس أمم آسيا الأخيرة التي أقيمت في قطر مطلع العالم الحالي، إذ خرج حينها المنتخب من الدور الأول بعد ثلاث هزائم صادمة.
كما أن التجارب السابقة مع المدربين الذين تولوا الإشراف على المنتخب السعودي، ورحل معظمهم سريعاً وقبل إكمال المهمة، تجعل من تواجد ريكارد أو غيره حدثا ليس استثنائيا، مع إدراك الجميع أخيراً أن القضية الأساسية لا تتعلق باسم المدرب بقد ما تتعلق بالمنظومة بمجملها التي تُدار بها الكرة السعودية.
وهو أمر كان واضحاً أن المسؤولين في الاتحاد السعودي أدركوه هذه المرة، وعبّرت عن ذلك تصريحات الأمير نواف بن فيصل رئيس الإتحاد السعودي لكرة القدم، والتي وعد فيها بمنح المدرب الهولندي الفرصة كاملة للقيام بعمله، أي انه سيظل على رأس الجهاز الفني للأخضر طوال السنوات الثلاث القادمة بغض النظر عن النتائج، مع التأكيد على أن الهدف الأساسي لريكارد هو قيادة المنتخب السعودي للتأهل لنهائيات كأس العالم القادمة.
رسالة للإعلام

وحرص الأمير نواف على حث الإعلام السعودي على عدم المسارعة بالهجوم على ريكارد، وقال خلال مراسم توقيع العقد في لندن: "نأمل من الإعلام الرياضي ألا يستعجل في الحكم على المدرب، وان يعطيه الفرصة الكاملة للعمل وتقديم كل ما لديه، وأنا أؤكد للجميع انه سيتم منحه كامل الصلاحيات، بالإضافة إلى الوقت الكامل والكافي من عقده".
وكانت العديد من وسائل الإعلام الهولندية انتقدت موافقة ريكارد على تولي تدريب المنتخب السعودي، وتناول بعضها بتهكم تجربة ريكارد الجديدة مؤكدة أن المقام لن يطيب له طويلاً في السعودية بسبب سياسة تحميل المدربين وحدهم مسؤولية أي إخفاق، والمسارعة لـ"فسخ" تعاقدهم في أوقات حرجة.
لكن الأمير نواف تفطّن لهذه النقطة، وأكد بحضور ريكارد، أن "الانجازات لا تأتي في يوم وليلة، وعقد ريكارد مستمر لثلاث سنوات، والحكم عليه سيكون نهاية هذه الفترة بكل تأكيد، كما أن المدرب الجيد ليس هو كل شيء، فالنجاح يحتاج إلى العمل الإيجابي من الجميع سواء اللاعبين أو الأجهزة الإدارية ووسائل الإعلام والجماهير".
وتطرح فلسفة المدرسة التدريبية الهولندية التي خرج من رحمها ريكارد العديد من التساؤلات عن مدى قدرة المدرب الشاب على المواءمة بين حاجة الكرة السعودية للتطوير من جذورها وما يتطلبه ذلك من وقت، وبين حاجة الجماهير السعودية لتحقيق نتائج جيدة بسرعة تعوضّهم الإخفاقات الأخيرة والتي جعلت "الأخضر" يتراجع بشكل مرعب في تصنيف الفيفا الشهري ويحتل مركزاً هو الأسوأ في تاريخه.
وتقوم المدرسة الهولندية بالأساس على الشمولية في كل شيئ، والبناء من العمق للمنتخبات، بمعنى بدء العمل من الصفر والحاجة لوقت طويل قبل تحقيق النتائج، وهو أمر يتعارض مع العقلية السعودية ومع المُطالبات الجماهيرية الدائمة بنتائج سريعة.
شبح ليوبنهاكر
ورغم النتائج الرائعة التي حققها مدربون هولنديون مع منتخبات وفرق عالمية في العقود الماضية، فإن بعض المختصين وجهوا اتهامات للمدرسة الهولندية لاعتمادها بشكل كبير على الجانب البدني وما يسببه ذلك من إرهاق كبير وإصابات خطيرة بين اللاعبين بسبب زيادة الأحمال، وهي فلسفة لا يمكن أن تنجح مع اللاعب السعودي والعربي بشكل عام، بينما تحقق هذه الفلسفة نتائج مميزة في بلدان أوروبية معينة بفعل الموهبة الفطرية التي يتمتمع بها اللاعبون.
وفضلاً عن ذلك يقول بعض المراقبين إن الشخصية القوية للمدربين الهولنديين والتي قد تصل إلى حد "العجرفة" ربما تساهم في فشل ريكارد مع المنتخب السعودي، إذ سيصطدم بلاعبين يحظون بشعبية كبيرة وقد يؤدي ذلك إلى خلافات عميقة داخل المنتخب، وهو بالضبط ما حدث مع المدرب الهولندي الشهير ليوبنهاكر الذي تولى تدريب المنتحب السعودي عام 1993 بهدف قيادته في مونديال 1994، لكنه أقيل قبل انطلاق المونديال بسبب خلافات قيل إنها مع نجوم الأخضر حينذاك مثل ماجد عبد الله ومحمد عبد الجواد.