جنوب السودان.. الحرية تصل أخيراً وصعاب في الداخل والخارج على طريق البناء
بعد خمسة عقود من الحروب حصدت ملايين القتلى
تحت شعار "الحرية أخيراً" وعلى وقع حمى النشيد الوطني الجديد، يعلن غداً السبت مولد دولة "جنوب السودان"، أحدث عضو ينضم للأسرة الدولية، والدولة رقم 54 في القارة السمراء. ميلاد جاء بعد مخاض عسير استغرق أكثر من خمسة عقود من الحرب الأهلية بين الشمال والجنوب، حصدت أرواح أكثر من مليوني شخص، وشردت أكثر من ضعفهم ما بين نازح داخل السودان الكبير المترامي الأطراف، ولاجئ في الخارج.
مصاعب اقتصادية
ورغم الآمال الواسعة التي ترافق كل ميلاد جديد، وأحلام بناء مستقبل أكثر ازدهاراً وتحقيق حياة كريمة، أو أضعف الإيمان، أفضل مما كانت عليه، فإن الدولة الوليدة تواجه كماً هائلاً من الصعاب والعقبات، ربما لا تقتل مساحات الحلم، ولكنها ستجعل من تحقيقه بلا شك أمراً شاقاً ويحتاج لجهد كبير.
آلام جنوب السودان الجديد وأحلامه كانت محل تغطية موسعة أفردتها صحيفة "نيويورك تايمز" الأمريكية للحدث، الذي يأتي في وسط حراك وسيولة عربية غير مسبوقة، ربما خطفت الأضواء عن لحظة الميلاد هذه.
تبدأ الصحيفة موضوعها بتسليط الضوء على الحقائق الصادمة في الكيان الوليد، قائلة إنه بمجرد ميلاد جنوب السودان فسوف يحجز موقعه تلقائياً في ذيل قائمة الدول الأقل نمواً في العالم، حيث تعيش الغالبية العظمى من سكانه بمعدل دخل أقل من دولار يومياً، ويموت فيه أكثر من 10 بالمئة من الأطفال قبل بلوغ عمر الخامسة، ويعاني أكثر من ثلاثة أرباع البالغين فيه من الأمية، ولا تتجاوز نسبة من لهم حساب مصرفي فيه أكثر من واحد بالمئة من مجموع السكان.
تمرد الداخل وعداء الخارج

فضلاً عن تلك الحقائق الاقتصادية، تعاني الدولة الوليدة مشاكل أخرى، منها حركات تمرد وعصيان في مساحتها الكبيرة، وعداء مع جارها الشمالي، عدو الحرب السابق.
فعلى سبيل المثال لا الحصر، قتل أكثر من 2300 شخص منذ بداية العام الحالي في أعمال عنف عرقي، مع انتشار عشرات من حركات التمرد التي تضم في صفوفها آلاف المقاتلين، والتي تقاتل القوات الحكومية وترهب المدنيين وتقوم بأعمال سلب ونهب واسعة تشمل حتى اختطاف أطفال.
ورغم الانفصال واعتراف الشمال به، تبقى منطقة أبيي، الغنية بالنفط واحدة من بين عدة نقاط ساخنة قابلة للانفجار في أي لحظة، وعودة الحرب بين الطرفين مجدداً.
خلافات عرقية
وفي الداخل والتركيبة السكانية تبقى الخلافات العرقية ملمحاً بارزاً يشكل هوية الدولة الوليدة، فالحكومة تسيطر عليها قبيلة "الدينكا"، القبيلة الأكبر عدداً في جنوب السودان، بينما تتولى عناصر من قبائل النوير، العدو التاريخي للدينكا، قيادة جماعات التمرد.
ويخشي كثيرون أنه بمجرد أن تخبو جذوة الفرحة بالنصر والاستقلال أن تعود القبيلتان، الدينكا والنوير، للقتال مجدداً كما كان الأمر سابقاً، حتى أثناء الحرب مع الشمال، بل إنه حتى داخل قبيلة الدينكا نفسها توجد انقسامات واسعة.
ومع مشاكل الداخل والجوار يبقى الجوع أيضاً عدواً آخر محتملاً، حيث يعتمد أكثر من ثلاثة ملايين شخص، أي ما يعادل نحو 40 بالمئة من سكان دولة جنوب السودان على معونات غذائية خارجية للبقاء على قيد الحياة.
غياب الأمن

غياب الأمن أحد التحديات الأخرى على الطريق، فعلى بعد أقل من عشرين كيلومتراً فقط من العاصمة جوبا، يهرب الناس من القرى، بسبب عصابات مسلحة تقوم بقتل المزارعين وخطف الأطفال، ووفقاً للميزانية الحالية لحكومة جنوب السودان فإنها تنفق نحو 700 مليون دولار على الأمور المتعلقة بالأمن، وهي ميزانية تفوق ما يتم إنفاقه على التعليم والصحة والرعاية الطبية والكهرباء والطرق والصناعة مجتمعة.
ورغم كل تلك الصعاب، تملك الدولة الوليدة فرصاً وإمكانيات محتملة، حيث ينتج جنوب السودان نحو 375 ألف برميل من النفط يومياً، ولا تزال كيفية اقتسام عوائدها محل تفاوض بين السودانيين، الشمالي والجنوبي، كما تملك مساحات واسعة من الأراضي الزراعية الخصبة القابلة للزراعة ومساحات واسعة من الغابات التي يمكن أن يستفاد منها.
إذن هي دولة تولد في مناخ يمزج بين الصعاب والآمال، وما ستكون عليه الدولة مستقبلاً يبقى متروكاً للكيفية التي ستدار بها الأمور في داخل الدولة الوليدة وطبيعة علاقاتها مع الجوار، وعلى رأسه الجار الشمالي.