يبكي وطن عروقه جفّت
يبكي وقته الصامد على نفس الثانية.. منذ رحلت آخر حمامة سلام من شبّاكه
وجفّت آخر ورقة زيتون
من 1948 مايو, وهم يتألمون.. قضموا جزءاً من أرواحهم
تركوهم بلا أيدٍ.. بلا قلوب
والحمامة تطير ملوّحة بمنقارها الحزين
من طبريا.. وبيسان.. وحيفا ويافا.. وعكّا
إلى أن تمزّق الوطن الأخضر
إلى أن أقاموا ولائم الدماء في أراضيهم
إلى أن امتدّت مخالبهم نحو القدس, ورام الله ونابلس.. في حرب الأيام الستّة
في حزيران البائس
لم يكفهم صراخ الطائرات ولا جلبة الرصاص
وبقوا ينتظرون أن يسمعوا صراخ الأجنّة وأنين النساء
من مذبحة حيفا.. والدوايمة
إلى مذابح الأقصى الثلاث
إلى تدنيس طريق الحرم
إلى حصار غزّة
بكوا كثيراً ليلتها.. بكوا كأنهم لم يبكوا أبداً
بكوا عجز العالم عن طرد طوابير البشر الملعونين من أنبيائهم
عن طرد أكوام المتشردين في الصحراء 40 سنة بلا وطن
وعلى مرّ السنين الدماء في شوارع فلسطين بدت كأنها خيوط أنهار صغيرة
يشربها اليهود وهم يبتسمون.. شربوها حتى تغدوا قلوبهم أشد سواداً من طواقيهم
كل يوم, يشيّع الفلسطينيون شهيداً على سجاجيد تشبه لون وطنهم الأول
يمدونهم لله.. يدفنونهم تحت أرضهم.. وأرواحهم معلّقة في السماء
تحميهم كلمات الله, مبشّرون بأماكنهم عنده
ويبتسمون..
وحتى الآن.. تبكي النساء رجالها.. وتترمّل
في قلب كل فلسطينية أم مكلومة, وأرملة, ويتيمة
وفي قلب كل رجل.. عائلة كانت ملاذه حينما تسدل الشمس أجفانها
يأوي إليها..
يبتلع ضحكاتهم تجدد فيه الحب والحياة
لكنّهم الآن.. مفقودون
في ذمّة الله, لكنهم أحياء
ينتظرون قدومه برصاصة
ولكنهم أيضاً مازالوا يعضّون بالنواجذ على بيوتهم وأوطانهم.. ولن يرحلوا
ولن يستلموا
وستسقط الطواقي السوداء
وسترتفع الحمامة البيضاء, وتزهر شجرة الزيتون
وتنكسر النجمة السداسية
وسنزور القدس.. ونصلي جنباً إلى جنب
ونهدم الجدار
وتبقى القدس مسلمة عربيّة.. عروقها رطبة.. وأولادها بأيديهم ألف حلم وحجارة