الأربعاء 14 ذو القعدة 1432هـ - 12 أكتوبر2011م
 
F C www.weather.com
c°
.
.
تفاصيل | تغيير المدينة
الرطوبة .
الرؤية .
الضغط الجوي .
حالة الضغط .
سرعة الرياح .
اتجاه الرياح .
شروق الشمس .
غروب الشمس .
اليوم
العليا °. الدنيا °.
غداً
العليا °. الدنيا °.
www.weather.com
يرجى كتابة اسم المدينة التي تود الحصول على بيانات حالة الطقس الخاصة بها باللغة الإنكليزية
آخر تحديث: الأربعاء 14 ذو القعدة 1432هـ - 12 أكتوبر 2011م KSA 08:38 - GMT 05:38

"لم لا تقتلني وترتاح عذاباتك ويسكن مرضك"

خلفية للمشهد

الخميس 10 شوال 1432هـ - 08 سبتمبر 2011م
أحمد القرشي إدريس

ابتسامات حزنى.. لا تكاد تخفى في وجوه الشماليين والجنوبيين على حد سواء.. كولاج ٌ من الأمل المتعب والخطو المتعثر والاشرئباب الخجل يلتفُ بوثاق الواقع المرير وقلة الحيلة. بعد أسابيع من استقلال جنوب السودان، سكتت زغاريد الفرح وزيف الحزن.. ونضحت تضاريس التائه المسكون بالهم الأبدي.

المشهد الأول

"جر غاري من شعره ترتطم ركبتيه بالحشائش.. والحجارة المتناثرة.. في فناء القصر.. فترى خيوط الدماء تظهر ثم تبتلعها الأرض" وخاطبه:

-كيف لا تراني أيها العبد الحقير.. النتن.. وترتعدُ فرائصك.. وتزبد.. كيف لا تراني وأنا وهج من الألق مبين.. كيف لا تراني وأنا نثرٌ من حكايا بطولاتٍ ومجد.. ونمقٌ تكور في أركان المدى.. كيف لا ترى.

-أرى تعبك وانحسارك.. لم لا تقتلني وترتاح عذاباتك ويسكن مرضك.. لما لا تفتكُ بي .. قبل أن تأتي الخيلُ وعليها الذين لا يخافون الموت.

-ستذهبُ إلى بقايا البشر الذين تنتمي إليهم.. فليسلموا ما لديهم من سلاح.. أو أن نغير عليهم وندلك الأرض والحرث بهم، سيسلمون سلاحهم أو... ؟

رأوه من أفق بعيد.. فاستسلموا للفرح وأقبلوا.. بيد أنه لم يلبث أن قال:

- لم تسألوني.. لما أنا هنا حياً؟

- شده الجميع وترقبوا.

- يريدون سلاحنا الذي استحدثناه.. أو أنهم سيعلنون حرباً شاملة يقضون فيها على المولود والذي سيولد فينا.. ؟ وأرى أن نعقد الصلح معهم!

- أخالك قد انتشر التعب والقنوط فيك.. ما هي إلا مرارة التجربة.. أتدري إن سلمناهم سلاحنا الذي لا يعرفون فسيكون لهم ما هددوا به.

- أرى أن نحشدُ قواتنا ونكثر من إنتاج المادة الحارقة وأدوات إطلاقها.. إن صباحنا أتى.. ولم تبقَ إلا سويعات جهد.. ونحن لا نريد لهم استعباداً في الأرض.. إنما الحقوق.. الحقوق.. وشتان ما بين طموحنا وطمعهم.

- سأعتزل وأذهب الى الإقليم الأبعد لأزرع وأعيش ما تبقى من عمري.. بعيداً عن كل هذا..!

- أتترك العز الذي انبلج بعد أن تحررت الأرض.. مكانك في قيادة الجيش أيها الشجاع...!!

- التزمت بعهدي وحاربت.. بيد أن رائحة الدماء وأصوات الجرحى وبكاء الثكلى والأطفال يستبدُ فيعصف.. ناشدتكم أن نبلغ الى الحق سلماً.. بعدما أفرجوا عني.. لم تسمعوني وسمعتكم.. فهنيئاً لكم حريتكم.. والحكم مريئاً.

- ما أقبح أن تذرف دموعك أيها البطل على قتل من هموا بسحلنا وذبحنا.. حتى النصر المبدع الذي أحدثته عبقرية جنسنا.. تحيله الى بكائية مقيتة وأنت الحليم فينا.. ما أقبح ما قلت.. إنهم كرهوا رائحة عرقنا.. ومقتوا أصواتنا.. واستفزهم تفكيرنا.. ألم يقولوا كيف خلق الله لهؤلاء لسان وعقل.. ألم يجأروا بأننا فصيلٌ للحيوان أقرب.

- إنما تقول جوهره تخلفهم.. وكم من مرارة سكنتني لما يشيعون.. لكن ما بال عقلنا غاب.. وسجنا في أفكارهم.. وبتنا يرهقنا ما يحسبه العاقل حزمة.. تنكيل يلقون بها علينا لنظل في السفح.

- لكنهم كانوا هنا في أرضنا.. فهم المحتلون.. وكنا نفلحُ ونكُد.. فيستمتعون.. نمرضُ ونموت.. ويلهون ويضحكون.. في أرضنا التي لم يدعوا حقهم فيها.. أدنا بدينهم فلم يشفع لنا.. تبعت قلة فينا ثقافتهم وسلوكهم فلم يغفر لهم.. زادهم كل ذلك احتقاراً وعلوا فاجرين.. هيا اذهب أنما شئت.. فربما يعودُ إليك رشدك يوماً.

المشهد الثاني

أصوات صبية وبنات.. من على بعد: الحرية تركضُ نحونا.. ونحن في اشرئباب للبعيد اللامحدود.. نحن الآن بلا قيودٍ ولا عهودٍ مع الظلم.. نحن هنا.. في أرضنا".

-أحسست في صوتك كأنما أنت نيلسون الوحش..

-كيف أكون هو يا صاح؟ كنت أقولها وأرى ذهول ليمياء.. وتحديقها.. أنا أحب هذه اللمياء..
لماذا اختارني الأستاذ لدور جيري؟


-ماذا ??? هو الأفضل.. وأنت الأفضل..

-تسوقُ حجة لا أستسيغها.. أراد الأستاذ قاسم من البداية.. أن يضعني في ثوب المستعبد!!

- أنت أسود.. وجيري أيرلندي أبيض .. فما وجه الشبه.. أرى أنك تحرثُ لتحصد الأسى وحسب.. نحن في القرن الحادي والعشرين..

-نعم أتحدث في القرن الحادي والعشرين.. ولكنكم تمارسون فعائل القرن السابع الميلادي؟

- عمن تتحدث.. ومن تتهم أيها الصديق العزيز.. حتام تعتقلني في أوهامك وظنونك.

- أوهامي وطنوني، الآن أدعو لميا ومها.. لتخرجا معنا.. هل تقبل بأن تخرج معي أو تحبني أو تصادقني حتى.. ألم ترى حتى محمد العيسى.. صديقك الأملس ذاك.. حتى يتأفف من مبادلتي الحديث الودي.. ينصرف عني كما المجزوم.
هي منظومة قيم تخلف.. ألم نتفق منذ أمدٍ بعيد على ذلك وتعاهدنا على حربها.. لما تُصعِب عليّ الأمر.

- أنت منهم.. ها نحن تعلمنا ونفذنا.. نتطيبُ ونلبس أحسن الثياب.. اعتنقنا أفكار الجماعات الدينية عسى ولعل.. فلم نكن فيهم إلا ضعفاء منبوذين.

-أنا منهم قدراً ولكن على أغلبهم.. عشت في بيوتنا وتمازجت مع كبارنا وأحبك صغارنا.. البغضُ مصدره الضعف. ألا تجده في الأسرة الواحدة وبين قبيلةٍ وأخرى وشعب وآخر. إنه سمة الحياة إن شئت القول.

-تلك بيئة نادرة الوجود، هنا طفولتنا، رتعنا في الشوارع والميادين والحدائق.. وفي بطونِ بيوتنا؟ ملأنا الابتسام والإشراق، رويداً رويداً ابتلعت ما تسميه بالبيئة الأصدقاء واحداً تلو الآخر.. استوعبتهم البيئة، بل قل سيطرت لتفرض شروطها الظالمة.. وحتى أنت منذ تخرجنا في الجامعة تتحاشى صحبتي في كثير من الأحيان.. حتى جمعية المسرح هذه أراهم لا يسندون لي أدواراً إلا تلك التي تؤبدُ للدونية.

- أصدقك القول إنني بت تعباً من تكذيب نفسي.. فأنا أرى مثلك تلتهمني أشياء كثر لا أستطيع أن أفسر كنهها.. لكن غيها بادٍ.. وأكادُ أتفهم سخطك.. بيد أنني لا أرى مفراً من القول إنني أفعل ما بوسعي.

-كنت لا أريدك أن تفاجأ.. بيد أنني سأرحل الى هناك، ربما من حيثُ جيء بأجدادي عبيداً.. سأرحل إلى الجنوب.. فلن أجد أسوأ مما أنا فيه هنا.

مشهد

أطفال ينشدون:

أينما رحلت فسيهطل بعض مطرك في الهضاب الراقدة على وجع الغد.. وكيفما أدبرت فإن حوافر خيلك ستتبعها الفراشات.. وسيملأها المطر لتشرب منها الطيور المنهكة.. نحن هنا في انتظار المنتظر القادر.