موسكو تحاول القيام بدور الوسيط بين أطراف الأزمة السورية

الكرملين يُعدِّل من أسلوبه مع ملفات الشرق الأوسط

نشر في:

عقب زيارة ميخائيل بجدانوف، نائب وزير الخارجية الروسي إلى دمشق- والتي أبلغ القيادة السورية خلالها موقفا روسيا يطالب بسحب قوات الأمن والجيش من المدن السورية، وإيقاف العنف الفوري، والبدء في تنفيذ إصلاحات جدية- طرأت على الساحة الدولية متغيرات، دفعت الكرملين لإعادة النظر في أسلوب تعامله مع ملف ربيع الثورات العربية.

ولعل أبرز هذه التطورات كان سقوط نظام القذافي، ونجاح المجلس الانتقالي في فرض سيطرته على الأراضي الليبية، وتولي زمام السلطة السياسية، ما جعل الاقتصاد الروسي مهددا بأن يفقد مليارات الدولارات بسبب إصرار وزارة الخارجية الروسية منذ بداية الثورة الليبية على مساندة القذافي وتجاهل المعارضة.

ويعتقد العديد من الباحثين الروس أن الكرملين كان مضطرا لإجراء تعديلات على أسلوب تعامله مع بقية ملفات الشرق الأوسط، وعلى رأسها ملف الأزمة السورية.

واستقبل مجلس الاتحاد الروسي وفدا من المعارضة السورية برئاسة عمار القربي، ضم مختلف الاتجاهات المعارضة لنظام بشار الأسد باستثناء الإخوان المسلمين، الذين اعتبروا أن الحوار مع موسكو ليس له أهمية كبرى.

ولم تكتف موسكو بالاطلاع على تطورات الأزمة السورية ومواقف المعارضة السورية بأطيافها المتعددة، وانما تقدمت باقتراحين.

الأول كان إرسال لجنة من البرلمانيين الروس إلى سوريا لتقصي الحقائق، والاطلاع على أسلوب تعامل الحكومة مع المتظاهرين المدنيين العزل، ومعرفة حقيقة ابعاد الأزمة السورية.

أما الثاني فهو التواصل مع أطراف الأزمة لتوفير أجواء وظروف مناسبة لإطلاق حوار سلمي لتسوية الأزمة.

وإذا كانت المعارضة السورية قد رحبت بالمقترح الأول، مع التأكيد على ضرورة ضمان حرية تنقل الوفد وعدم خضوعه لرقابة حكومة دمشق، فإنها أبلغت الجانب الروسي بأنه رغم كونها الطرف المبادر في الدعوة لحوار سلمي في بداية الانتفاضة، إلا أن رد حكومة الأسد على هذه الدعوة كان بالمزيد من العنف والدماء، ما أدى لرفع شعار إسقاط النظام، وإغلاق الطريق أمام أي حوار جاد.

ويرى الكرملين أنه كان من المفترض قبل الحديث عن حوار من هذا النوع، تنفيذ حكومة الأسد لمجموعة من الإجراءات لاستعادة ثقة الشعب السوري بشكل جزئي، حتى تصبح دراسة امكانية الحوار مع النظام خطوة واقعية يمكن أن تحقق نتائج باتجاه انتقال السلطة السلمي نحو بناء نظام مدني ديمقراطي.

وتتمثل هذه الإجراءات في خطوات محددة، منها بدء سحب الجيش وقوات الأمن من المدن السورية، والإفراج عن المعتقلين السياسيين ومحاسبة المسؤولين عن الجرائم التي ارتكبت بحق الشعب السوري، وإطلاق الحريات السياسية والديمقراطية وإجراء انتخابات حرة ونزيهة.

خطوات الكرملين ومقترحاته عكست مساعي روسية أرادت أن تستبق لقاءات مستشارة الرئيس السوري بثينة شعبان في موسكو مع بجدانوف نائب وزير الخارجية الروسي ومارجيلوف مبعوث الرئيس مدفيدف، وذلك عبر بلورة مبادرة وساطة روسية لوقف العنف وتسوية الأزمة عبر الحوار السياسي بين النظام السوري والمعارضة.

واعتبر المراقبون أن تصريحات مدفيدف الأخيرة التي جاءت بعد تحذيراته للرئيس السوري بمصير محزن، وأكد فيها على ضرورة بدء الحوار بين أطراف الأزمة في سورية، وحمل الحكومة والمعارضة مسؤولية العنف وإراقة دماء المدنيين بشكل متساو، تعكس ارتباكا في سياسة الكرملين ناجم عن تضارب مواقف مراكز صناعة القرار في السلطة وانعدام القدرة السياسية على صياغة منهج للتعامل مع الوضع في المنطقة على ضوء هذه المتغيرات.

في نفس الوقت اعتبر المراقبون أن هذه التصريحات لا تعني تراجع موسكو عن طلب كشف حساب من مستشارة الأسد يعرض إجراءات الحكومة السورية لتطويق الأزمة، باعتبار أن موسكو مازالت تساند حكم بشار الأسد، وتعارض إصدار أي قرارات دولية تتضمن إدانة لسياساته أو عقوبات ضده.

في الوقت الذي بدأت فيه مواقف حليف دمشق الإيراني بالتراجع بين الانتقاد والتقرب من المعارضة من جهة، والإعلان عن أهمية استقرار الأوضاع في سوريا من جهة أخرى.