الأربعاء 14 ذو القعدة 1432هـ - 12 أكتوبر2011م
 
F C www.weather.com
c°
.
.
تفاصيل | تغيير المدينة
الرطوبة .
الرؤية .
الضغط الجوي .
حالة الضغط .
سرعة الرياح .
اتجاه الرياح .
شروق الشمس .
غروب الشمس .
اليوم
العليا °. الدنيا °.
غداً
العليا °. الدنيا °.
www.weather.com
يرجى كتابة اسم المدينة التي تود الحصول على بيانات حالة الطقس الخاصة بها باللغة الإنكليزية
آخر تحديث: الأربعاء 14 ذو القعدة 1432هـ - 12 أكتوبر 2011م KSA 01:28 - GMT 22:28

رواية "حدث ذات مرّة في دبي"

الجزء الأول : أصيل صيف بعيد

الأربعاء 14 ذو القعدة 1432هـ - 12 أكتوبر 2011م
محمد سليمان

قتلتها . إيرانية من شيراز . كانت حلوة وكان اسمها نيروز . كنت قد قابلتها في مطعم المحارة في برج العرب . جلست وسط الضوء الأزرق فلكأنها في البحر والبحر فيها . أسماك القرش بعيونها المرعبة وأنيابها القاطعة كانت تسبح في جوف الموج الذي صدّه عنا حاجز الزجاج . حين دخلت المحارة قادني النادل صوب طاولتي ، انتبهت لحضورها الطاغي ، لجلستها الفاتنة . علقتني عيناها بحبال من مسد فلمحت فيهما وميض نجم وضيء وسمعت منهما هتافا لنشيد وثني ، سمعت ايقاعات طبل كلّه أصداء .

شعرها فاحم طويل وفستانها أحمر يمور باللهب ، ينوء بالوهج ، يضجّ بالوجيب . كانت لها أهداب غزيرة طويلة أصابت القرش بالإرتباك . نحيلة كانت ، دقيقة الملامح والجسم والأعضاء . لم تكن بالطويلة ، وفي عينيها السوداوين الواسعتين سبحت حيرة جذابة ، تبعثر أكثر من سؤال . تلك الليلة عكفت أعابثها لسبع ساعات ، مراكبي غرقى ، والقتل يتلاصف في موج عينيها مثل نداء الطوق . شعرها عطر وعناقها خلد عجيب ! جيدها ناهض ، ناصع صقيل ، يحوطه عقد حبّاته كبيرة حمراء ، على خصلة منها ثبّت فراشة ذهبية بكلّ الروعة والإعتناء وبفمها توقدّت جمرة شديدة الإغواء .

طوقتني بذراعيها ورائحة العرق والجسد في جيدها وأذنها اختلطت برائحة شعرها الفاحم المسدل الملئ بالظلمة والجسارة والأسرار . أغمضت عينيّ برهة فرأيت حصونا وقلاعا زرقاء وخضراء وحمراء . حينما فتحت جفنيّ سال منيّ دمع غزير فبلّ خصلتها وغسل نحرها الوضاء .

في خاتمة الأصيل الذي سبق ليلة ألاساطير تلك ، أصيل يوم من أصائل الصيف البعيدة التي ما تعرفت فيها بعد على مليسا . تلك قصّة أخرى . غادرت حجرتي في الجميرا وأصداء الاذان تعلو من المنائر القريبة تهدهد الجنبات والارجاء . المؤمنون والأتقياء هرعوا صوب المساجد يؤدون صلاة المغرب وأنا وحدي مضيت أتخبّط في الطرقات ممزّق الاوصال مسفوح الدماء . ليس لي من الدنيا من أحد ، ليس لي من كلمة ، ليس لي من عزاء .

بعد الغروب الصحراوي السريع توارت الشمس وسقطت المدينة في قبضة الشيطان . كانت ليلة من ليالي الصيف الخانقة الرطوبة . كان النفس عسيرا فلكأنما ملح الخليج تناثر يدخل الأنوف بدلا من الهواء . ثمة هواء ساكت معلّق , وأنا وحدي أسير مضمّخا بعطر انتروشن من أوسكار دو لا رونتا ، حلّتي كاملة برباط عنقها ماركة هارودز، بقميصها ماركة بنْك الإنجليزية ، بحذائها السويسري ماركة بالي وحزامي المنقوش بالنجمات . نعم كانت عليّ حلّتي السوداء لأنني كنت قد أعلنت الحداد ، العرق المتصبب منّي كان يشهد أن جسمي كلّه يبكي ويسرف في البكاء .

في تلك العشية البعيدة لا أدري كم لبثت أذرع الشوارع ذات الأسفلت الأسود مثل قلب الشيطان لكن تناهى الى أذنيّ مرّة أخرى صوت الاذان يعلو في المنائر . كان المؤمنون يتأهبون هذه المرة لصلاة العشاء . وأنا أخذ منّي الحرّ ، عصرتني الرطوبة واقتضاني الرهق . رهق الجسم محتمل لكن رهق الروح !

كنت أشعر بتعب مدمّر ولم أكن أملأ رئتيّ الا بالملح الأجاج . ما من تاكسي ، فسائقو التاكسيات يناصبونني العداء . مشيت أشعر بحريق ملتهب في راحتي قدمي وبألم مبرح في عظمتي ساقي . بعد جهد ومشّقة ، بعد طول انتظار وأنا واقف أتلفت كما يتلفّت الضبّ في الصحراء وقفت عربة تاكسي ! لم أصدّق ! فتحت بابها الخلفي وارتميت على المقعد يلفحني المكيّف ببارد الهواء . غصت في المقعد ، غاصت الروح منّي في حفرة مليئة بالهمّ والدماء . انتبهت الى صوت السائق الهندي يسألني ويلحف في السؤال
- سير الى أين تريد الذهاب ؟
- ................
- سير إنني أسألك لأكثر من خمس دقائق وأنت لا ترد !
- ......
- سير!
- ............
- هل تسمعني ؟ الى أين يمكنني أن آخذك سير ؟
تنهدت وأجبته
- خذني الى برج العرب .

كنت مرهقا غاية الإرهاق ، كنت غارقا في زرقة بعيدة هي زرقة الذكريات في الدنيا الجديدة : أمريكا . جميلة هي ، كانت حلما فكيف هي الآن ؟ في اليوم الأول لزيارتي كنت أستنشق الهواء بشغف ، أعبّه عبّا ! وبعد يوم المركب والتمثال ، بعد المحكمة ، بقيت محطم الروح أجوب أنحاء نيويورك ، نيويورك التي أحبّها أبي . في حدائق السنترال بارك ، والعشب أخضر ، والأشجار مورقة ، الزهور متفتّحة بألف لون ولون ، والنسيم عليل يحمل الشذى ، رقدت مسندا رأسي على راحتيّ ، خيّل اليّ أنني أرى أبي يجوب الحديقة بسمته المهيب ، وزيّه الأنيق ! طافت الذكرى وانعقدت في الرأس ورطات عصيبة ، تفجّرت في القلب ينابيع من الحزن والألم والفقدان والفجيعة ، ترنح القلب والفكر وارتبكت في عروقيّ الدماء !

ثم بغتة رأيت أختي حياة تجري تنطط فوق العشب ، تلهو وتمرح ! تشكلت بطيفها هناك ، في دخان الذاكرة حيث النخل والريحان والرمان ! حيث الورد الجوري ، الزرزور والهذار ! رأيتها وهي بنت سبع سنين تجلس في كرسيّها الأثير ! الكرسي المعدني الصغير المنسوج بالبلاستيك الأزرق ثم تذكرت المنظر الرهيب للعبوة الناسفة التي فعلت بوجهها وجسمها تشوها لم يكن ليدركه الخيال! وأنا في حال ليست كحال جائني أبوالطيب ، جلس بقربي فوق عشب السنترال بارك يعزيني بشعره ، وأنا أبكي وأسرف في البكاء .

صوته الهاديء النبرات حوّلني الى نبع يضج بالحنن ، يضج بالفقدان ، بالدموع ، بالحسرة والتحسّر ، بالنشيج وبالأسى . صوته دوما يظلّ يسكن الروح والخاطر ! كانت حياة تظهر بوجهها الطفولي البرئ برهة ، وبرهة تطل مشوّهة يلفها الموات . بقيت أبكي وأبو الطيب قربي يرفدني بشعره مزيدا من الحزن ، مزيدا من البكاء . نهض أبو الطيب ، تهادى يسير ببطء يغادر ، بدا غريبا ، تائها في حدائق السنترال بارك ! صحت فيه أناديه وأسأله : أنحن في شعب بوّان جديد يا أبا الطيب ؟ التفت ، مرّ ولم يجبني ، لكن قدميه خلّفتا أثارا عميقة على العشب المبتلّ والدروب الّلينة المتعرّجة في السنترال بارك !

أبي كان يقول لي : إن أبا الطيب في تمرده يمثلّ النزعة الفردية العظيمة في الإنسان العربي ، هذا ما يعجبني فيه ، عدا ذلك كان رجلا يتكسّب بالمديح ، وهذا لا أحبّه . أبي لم يفهم أن أبا الطيب لم يكن يمدح الا نفسه ، لم يفهم أنّه كان شاعرا ضخما عظيما .

ليس من أحد يُعينني في هذه الفوضى غير صوته !

إنّي أختلف معك يا أبي ، وأنت على كلّ حال قتلت في بغداد ، هناك حيث جدّك وترابك ، حيث عملك وأحلامك ، حيث دجلة الذي يحفظ التاريخ ، لكن كيف ستكون نهايتي أنا؟ وأين ؟ ومرّ بي عن قرب فوج من السيّاح الآسيويين والأفارقة يحجّون الى الحقل العظيم .

تذكّرت كلمات بعثها لي أبي من العاصمة داكار حيث كان يشارك في أحد المؤتمرات، قال في الرسالة " الحضارة الغربية القديمة الوحيدة هي الحضارة اليونانية الرومانية ، وقد كانت على مرمى حجر منا . تذكر أن معظم حضارات العالم القديم نشأت فيما يعرف اليوم بالعالم الثالث ! آشور ، بابل ، سومر ، الهند ، فارس ، الصين ، مصر وحضارة أفريقيا جنوب الصحراء . الإنسان عرف صهر الحديد لأوّل مرّة في حضارة مروي الأفريقية . لا تنسى مالي وأكسوم . في داكار التقيت اليوم بتلميذ بارز للمؤرّخ السنغالي الشيخ أنتي ديوب. لديوب آراء جريئة في التاريخ . جلسات المؤتمر منحتني الكثير من الأمل .

بات الجميع مدرك لأهمية الديمقراطية وارتباطها الوثيق بحقوق الإنسان . بات الجميع مدرك بأنه قد آن الأوان لكي نندرج في سلك الحضارة ، حضارة الإنسان .

آن الأوان لكي نشرع بالمشاركة في صياغة حضارة عالمية . إذا لم نفعل رغبة وقدرة واقتدارا فسيأتي اليوم الذي ترفع فيه حدود الدولة القومية وتصبح السيادة الوطنية القائمة على النظريات التي نشأت في القرون الماضية هي أيضا شيئا من الماضي .

في الأفق تلوح قرون جديدة تشابه انتشار الحضارة الرومانية القديمة التي أنتشرت بالحضور الفيزيائي الفعلي في الأصقاع والقارت . كذلك فعلت الحضارة العربية الإسلامية التي وصلت أفريقيا والهند والسند والصين وعبرت الأوقيانوس لأندلس بعيد ثم مضت قدما حتى مدينة بواتية الحالية في فرنسا . العرب والمسلمون لم يحكموا بالإنابة لكنهم وفّروا بوجودهم الفيزيائي الفعلي تعاليم راقية وعدلا وإخاءً ، خلقوا مدنية وخلقوا حضارة ربطت ما بين الحضارة الهيلينية اليونانية الرومانية وحضارة الغرب الفتية .الحضارة الغربية الراهنة هي ودونما ريب آخر الحضارات الإقليمية وستكون أكبرها وأعظمها لأنها تحمل سمات العالمية شأنها شأن الرومانية والعربية الإسلامية ، ولأن العالم سيحطّم الحدود " .
وأيقظني صوت السائق الهندي
- سير لقد وصلنا !
- .......
- الا تسمعني ؟ الا تود النزول ؟ وصلنا !

نعم وصلت ونزلت فعتقت واحدا من قبيلة الأعداء لأن التاكسيات جميعها تناصبني العداء! فككت أسره ! حررته ! فأنطلق السائق لا يلوي على أحد بعد أن أخذ أجره دراهم معدودات، لكن ذكرى أختي حياة لم تفك أسري . كانت تهلّ بوجهها الآسر الحسن ثم تعود لأراها كما رأيتها نهار العبوة الناسفة ، نهار الفجيعة . في ذلك النهار الصاقع الضوء الرهيب الألق هرعت الى مكان الإنفجار ، كان ثمّة دخان وذعر وصراخ ، ثمة سائل يشبه القي الأخضر عليه قطع طعام لم يهضم بعد . ورأيت ما رأيت ! رأيت رأسا مقطوعا مستقرا بالمقلوب فوق منضدة على مقهى الرصيف القريب ، وسمعت صوتا مذعورا يولول : إنّه رأس الرجل الذي فجّر نفسه ، ودنوت متقدما كأنّني أخوض مياه بحر كثيف الملح ، فركت وجهي براحتيّ ثم فتحت عينيّ لأرى سيلا من الدماء وجثّة رجل لا أعرفه مشطورة الى نصفين متساويين ! كأنّ منشارا دخل من أعلى جمجمته الى عصعصه أسفل الجذع ! ثم ويا للهول!لاح لي من وسط الأنقاض وجه أمي وقد سقط عنه اللحم وبان العظم أبيض قاتل البياض ! وقريبا منها بدت صفحة من وجه أختي حياة .

عرفتها وقد تمزّقت اشلاءً أشلاءً حتى أن أكبر عضو تبقى منها لم يزد عن ساق واحدة ! كان الرأس مقسوما الى اثنين والمخ بدا مثل العجين وبعضه كان سائلا ! كانت الأصابع متناثرة مثل حصى مشوى، الأصابع التي عزفت ذات يوم موسيقى الليل لشوبان!

أما العينان الجميلتان فتحولتا الى حفرتين ! لكن حاجب أمي كان كما كان لولا بعض الدماء العالقة بالشعرات السوداء ، الصدر هاهنا وعظم القدم هاهناك . والدم سال جداولا يشوبها الوحل . أما الحياة والذكريات فقد ضاعت ولم تترك من أثر ! ووسط الهرج والمرج انبرى صبي في الثانية عشرة من عمره وانحنى ، غمس سبابته في الدم المسفوح على وحل الشارع وكتب على الجدار القريب كلمة واحدة : قتلة !
من قتل أمي ؟ من قتل حياة ؟

ذات صيف كنا أنا وهي في الدرونغْ روومْ نتصبب عرقا لأن أستاذ الموسيقى أطفأ مكيف الهواء وستنغْ هاوسْ وقال لنا إنه يريد أن يسمع عزفا نقيا صافيا خاصة وأن الحجرة لم تكن معزولة الجدران . كانت أنامل حياة الغضّة تعدو كما يعدو الغزال رشيقة خفيفة على أصابع البيانو السوداء والبيضاء. أدت ببراعة فائقة امتحانها في قطعة من موسيقى الليل لشوبان وقطعة أخرى لفرانز ليست، أما أنا فقد كان امتحاني على عزف الكمان في السوناتا الرابعة من مقام دي ميجور لهاندل .

كان أبي مغرما بموسيقى الماء لهاندل وكان أستاذنا يفضل عبقريته في موسيقى المسيح . عزفنا بألق وحماس لان أبي كان قد وعدنا بأن يشتري لنا بروفيول محشو بالبوظة والفنيلا مع صلصة الشوكولاتة ، وكلافوتي بالخوخ المجفف والبرقوق المطبوخ بالفرن مع صلصة الكراميل . حياة أحرزت الدرجة الكاملة ، مائة بالمائة ، أما أنا فأحرزت ثلاثة وتسعين بالمائة . صفق أبي بحرارة وكان يجلس على الفوتيل المصصم نحتا وحفرا على الطراز القديم والمكسو بالقطيفة الحمراء . قال أبي : ممتاز .. ممتاز ، وأدير الوستنغْ هاوسْ فبرد حر الدرونغْ روومْ وانهمك أبي مع الأستاذ في نقاش لم نفهمه حول سيمفونية سلمونْ ومقطعها الذي يصور وصول ملكة سبأ . وقفنا أنا وحياة ننتظر ونتمطق نريد للحديث نهاية من أجل الخروج لكنهما عرجا لمناقشة الكونشرتو غروسو من مقام سي ميجور، والقطعة المعنونة باسم القديس زادوك . صرخت حياة: بابا قتلنا الحر، قتلنا الإمتحان والآن يقتلنا الإنتظار . حياة لا تعرف الحر والرهق الذين أعاني منهما الآن . نفضت رأسي عليّ أستريح ودخلت برج العرب .

في مطعم المحارة الأزرق المائي كانت أسماك القرش تسبح في القريب ، كانت نيروز تجلس ، وكان ما كان .

في البدء كنت وحدي أفكر في بنتي أختي حياة : فاطمة وزينب ، لذكر أمهما حياة برد على نار القلب التي تتقد . يوم الخروج من السجن ، يوم الربيع العظيم ، يوم انتصر النور ما بين دجلة والفرات ، عرفت قدماى الدار التي غابتا عنها سنينا وسنينا ، حضنتني أمي ، حضنتني البنتان : زينب وفاطمة وحضنتني حياة . استحممت ، حلقت الذقن النابتة كموحش الصباّر . طبخت أمي طبق الباجة . أكلنا ولعبنا وتراشقنا بالعظام ، وفي آخر العشي ملأتني الحياة . كان ربيعا حقيقيا قد حل ببغداد وكان مهرجان . من شدّة شوقي للمدينة والحريّة خرجت أتمشى في الدروب والطرقات الضيقة المتعرّجة . كان الجنود الأمريكيون حينما التقيهم هاهنا أو ها هناك يحيونني فأردّ التحية ، نتبادل الضحكات والكلمات والنكات . نبيح الكلاب التي تلقاني كان كلا نبيح ، لا خوف فيه ولا تخويف .

نسائم أواخر العشيات التي هبّت مع ربيع بدا محملا بالأمنيات سرت تلامس وجهي . تجمّع الندى وسال على شعري ووجهي . ومع أوائل تباشير الفجر وبواكيره صعدت رائحة النخل ، رائحة الريحان والورد الجوري ، رائحة الحقول التي تقوم في الأطراف ، رائحة الماء الذي يلقح الأرض ، يفور ، يلد الطين ، يلد الحياة . سمعت الديوك تضرب أجسادها بأجنحتها وتصيح تستعجل الصباح . شممت رائحة الصمّون يخبز في الأفران وفي البيوت ، رائحة القناديل التي تحرق الزيت والخيوط ، رائحة التمر والبلح المحفوظ من المواسم القديمة ، رائحة الضرع في الأبقار والضأن والماعز ، رائحة السمك يسبح في دجلة القريب وفي أغوار الفرات ومع شروق الشمس الجديدة شممت رائحة الشاي يلقح الحليب ، سمعت تثاؤب الأطفال يستيقظون ، سمعت الأمهات يلهجن بالدعاء.

وصحوت على نبل عينيها يرشق وجهي المخدد بالحسرات والأزمات .

لمّا التقينا كان يلفها شيء مثل الضياع . صحوت على عينيها تحدّقان في وجهي . كنا في مطعم المحارة الذي يهيمن عليه اللون الأزرق المائي . كنت وحدي ، وكانت تجلس على مرمى حجر وحدها تبادلني النظرات . كانت جمرة تتقد . كانت دما يقطر ، يبقبق، يسيل أو يهيج ، وكنت مرضا يحن للكي ، يحن للشفاء . رفعت يدا فاتنة سوّت بها شعرها المنداح سحرا وظلمة كأنه الألغاز . تعلقت بحلمتي أذنيها حبّتا ماس هن قرطها الذي يعكس المحار والأمواج والأضواء والظلال ، ومن أظافرها الحسنة المانيكيور الباهرة الحمراء بالطلاء تساقطت حزمة من أطلال تندثر ، تبعثرت عشيات أنس وألق وحياة . ظلّت طوال الوقت تحدّق فيّ بلا خجل ثم ببساطة نهضت كأنها النار الموقدة وجاءت حتى وقفت فوقي .

قالت بلهجة بسيطة
- هل يمكن أن أجلس معك ؟
انعقد لساني .
فأردفت ببساطتها الآسرة
- لا تخش سأدفع الحساب . (يتبع)