كشف استطلاع للرأي أعده منتدى العلوم الاجتماعية التطبيقية حول "باروميتر الثقة السياسية" في تونس، وأنجز خلال الفترة من 3 الى 7 يناير الجاري، عن وجود ارتفاع في مستوى الثقة بالوزير الأول حمادي الجبالي، حيث بلغت النسبة 35.8% مقابل 26.5% مسجلة خلال شهر أغسطس المنصرم، وهو ما يعد يعد "تحولاً ايجابياً نسبياً"، حسب فريق البحث المشرف على الدراسة.
وذلك برغم كل الانتقادات التي وجهت للجبالي ولحكومته، من ذلك اعتبارها نتيجة "محاصصة سياسية"، واتهامها من قبل المعارضة أثناء عرضها لنيل ثقة المجلس الوطني التأسيسي، وبأنها "تفتقد لبرنامج واضح ودقيق ولا ترتقي لمطالب الثورة"، وأنها "حكومة نوايا حسنة"، بل هناك من الإعلاميين من شكك في "أهلية" الجبالي وحزبه على إدارة المرحلة القادمة.
ومع أن نسبة الثقة برئيس الحكومة غير كبيرة ولا تعبر عن إجماع وطني، إلا أنها قريبة من النسب المتعارف عليها في الديمقراطيات الحديثة، كما أنها قريبة جداً من نسبة الأصوات التي حصدتها النهضة في انتخابات المجلس التأسيسي، حوالي 40%؛ أى أن رصيد الثقة بالإسلاميين لم يتراجع بل إنه يدفعهم إلى التقدم في تنفيذ خياراتهم وبرامجهم بفضل السند والثقة اللذين يحظيان بهما على المستوى الشعبي. وأن حالة الاستقطاب السياسي والايديولوجي، وكذلك "الحملة الاعلامية" التي طالت حمادي الجبالي على خلفية تصريحه حول "الخلافة" لم يكن لها تأثير أو صدى يذكر بالرجوع الى نسبة الثقة التي يحوز عليها الرجل.
كما تعبر هذه "الثقة" عن تواصل الثقة بقيادة المرحلة الانتقالية من قبل حزب سياسي ذي مرجعية اسلامية، ما يعني أيضاً تواصل تراجع حضور بقية الأحزاب خاصة اليسارية والعلمانية وهو ما كشفت عنه نتائج الانتخابات الأخيرة، وبالتالي فإن موعد السنة أو السنة والنصف القادمة لاجراء الانتخابات القادمة، لا يتوقع أن تؤثر على التوازنات داخل المشهد السياسي والحزبي ولا على النوايا الانتخابية.
ولا يُستبعد أن يستمر تقدم كل من حزبي النهضة والمؤتمر الشريكين في الحكم. وقد تناول الاستطلاع "مستقبل الحراك الانتخابي القادم" من خلال دراسة اتجاهات إعادة التصويت التي شملت مختلف الحساسيات السياسية والأحزاب الممثلة داخل المجلس الوطني التأسيسي، لتخلص إلى أن 58.4% من أفراد العينة الذين أكدوا تصويتهم لفائدة العريضة الشعبية يرغبون في إعادة "توجيه خيارهم التصويتي" خلال الاستحقاق القادم، الأمر ذاته ينطبق على بقية الأحزاب الأكثر تمثيلاً ضمن التأسيسي وإن اختلفت النسب، ليبرز - حسب المستجوبين - أن "المستفيد الأكبر" من حراك التصويت هو حزب المؤتمر من أجل الجمهورية و"الخاسر الأكبر" هو قائمة العريضة الشعبية.
ومثلما كان متوقعاً، وبالنظر الى "التشويش" الذي لحق بصورة المنظمة الشغيلة، بعد الثورة والانتقادات التي وجهت لقيادتها السابقة، فقد تراجع مستوى الثقة بالاتحاد العام التونسي للشغل ليستقر في حدود 18% مقابل 38.7%، وذلك لان" الصورة الطاغية لهذه المنظمة لدى العديد من القطاعات ولدى الرأي العام" وفق تحاليل نتائج الاستطلاع هي صورة "المحرض على الحركة الاحتجاجية وما يرافقها من حالة إرباك للسير الطبيعي للاقتصاد"، وهذا مؤشر دال ومعبر على أن التونسيين يريدون القطيعة مع ظاهرة الاضرابات والاحتجاجات والاعتصامات والانصراف للعمل واستئناف الانتاج عبر عودة الاستقرار والسلم الاجتماعي.
وفي علاقة بالحراك الاجتماعي والسياسي فإنه وبالرغم من التحسن التدريجي الملحوظ في مستوى الثقة بأداء الإعلام العمومي والذي وصل إلى نسبة 25%، وفق ما ورد في تحليل نتائج هذا الاستطلاع، وبهذا فإن النسبة المسجلة تبقى "ضعيفة قياساً لما هي عليه نسب الثقة بقطاع الإعلام العمومي في العديد من الديمقراطيات العريقة والناشئة".
كما جاء في الاستطلاع أن مستوى الثقة لدى المواطن في ما يتعلق بتحديد مصيره في المستقبل قد عرف ارتفاعاً ليصل الى 40% مع بداية شهر يناير الجاري وذلك مقابل 24% تم تسجيلها خلال شهر أبريل 2011، ويعود هذا التطور إلى دافع نفسي "مرده عملية بناء الشرعية السياسية بعد الانتخابات، وعودة الاستقرار الأمني النسبي الذي باتت تعرفه تونس منذ أشهر".
واللافت للانتباه، والذي لابد أن تتعامل معه الحكومة بكل جدية، ان مستوى الثقة بمستقبل التشغيل وفرص العمل قدر بـ24% مقابل 23% في شهر أغسطس 2011 ويفسر ذلك بتزايد المشاكل الناجمة عن الاعتصامات والاحتجاجات الاجتماعية.
ويفيد الاستطلاع بأن "خارطة انعدام الثقة بالمستقبل التشغيلي" تلتقي بصفة كبيرة مع "خارطة البطالة" في تونس حيث تتوزع النسب الأكبر من "خيبات الأمل" في ما تم تسميته بـ"المثلث الأحمر" الذي يجمع ولايات القصرين وسيدي بوزيد وسليانة" اضافة الى الجنوب الغربي.
ويؤكد 73% من العينة المشمولة بالاستطلاع البالغ عددها 2314 شخصاً يمثلون مختلف الشرائح وكل الجهات البلاد ثقتهم العالية بالمؤسسة العسكرية التي يعتبرها البعض "أهم ضامن لنجاح المسار الانتقالي" في حين لم تتجاوز نسبة هذه الثقة 30.6% بالنسبة للمؤسسة الأمنية.