حماة والذكرى الـ30 للمجزرة الأعنف في تاريخ سوريا

لم تكن عودة حماة إلى الحياة من جديد يقيناً بالنسبة للشعب السوري

نشر في:

أنتمي إلى جيل يخاف من حماة، جيل لطالما اعتقد وآمن بأن حماة ما هي إلا مدينة طائفية حمت الإخوان المسلمين فعاقبها النظام الشامخ، أنتمي إلى جيل يستبدل صفة المجزرة بصفة الأحداث كما الحمويون أنفسهم، أنتمي إلى جيل درس ورضع الخوف من ثدي أمه قبل أن يرضع الحليب فتحولت مجزرة حماة في عقله وقلبه إلى مجرد أحداث، وتحول الاستمتاع بالقتل والتعذيب والاغتصاب إلى كلمة عابرة اسمها حماة.

قبل 15 مارس/ آذار 2011 لم يخطر ببال أي من السوريين أن وطنهم سيقف من جديد، فلم تكن الثورة يوماً يقيناً بالنسبة لهم تماماً كما لم تكن عودة حماة إلى الحياة من جديد يقينا.

ربما كان من الصعب على جيل ولد وتربى تحت وصاية نظام الأسد الأب والابن أن يهتم بأن يصادق حموياً، وإن فعل فإن سؤاله عما يسمى "أحداث حماة" لن يأتي إلا في آخر اهتماماته، ولعلي أجزم أنه لولا الثورة السورية لما انتبهت كما غيري إلى جملة سمعتها من والد صديقتي الحموي في الأيام الأولى للثورة: "ما ترينه يا ابنتي ليس موتاً، فالميت ملّ من تكرار الموت، والجثة غادرت تابوتها، ومن يستشهدون في حماة لا يموتون، إنهم يسترجعون حياتهم وشرفهم من جديد".

والد صديقتي فاجأني كما فاجأ ابنته بأحلام اليقين التي عاش داخلها 30 عاماً بعد أن هرب مع عائلته مما يصعب عليه هو نفسه أن يتذكر تفاصيله، ليس بسبب ضعف بالذاكرة وإنما لعمق الجراح التي ينكفها باستذكاره، أول جراحه استشهاد شقيقته وأمه، وليس آخر جراحه نهر الدماء الذي ارتسم في ذاكرته دون أن تساعده تلك الذاكرة على نسيان لون مياه نهر العاصي التي تحولت إلى اللون الأحمر القاني من كثرة ما رمي فيها من جثث عندها.

لم يقبل في البداية أن يحدثنا عن تفاصيل ما رآه عام 1982، ولولا اقتراب الذكرى الـ30 لمجزرة حماة وترافقها مع ثورتنا السورية لما أغمض عينيه ناسياً خوفه وحذره، مسترجعاً بعض ذكرياته التي أخفاها عن أولاده خوفاً عليهم ومنهم، إذ إنه ولثلاثين عاماً خلت كان الحديث عن حماة من أكبر الجرائم التي يعاقب عليها النظام السوري، وهو وإن سبقت دمعته كلماته فإنه كان من الواضح أن حماة وأهلها ينتمون إلى البشر المستحيلين، مستحيلي الترويض، مستحيلي الهزيمة، المستحيل محوهم، مستحيل إغواؤهم ومستحيل اختزالهم.

العاصي.. عصي منذ الولادة

هل تتآمر الجغرافيا مع الناس، أم إنها تسكنهم بدل أن يسكنوها، ذكريات الحموي العتيق لا تمر بدون أن يقف على حدود نهر العاصي "العاصي يعيش في وجدان الحموي، فالشاب الذي يريد إثبات رجولته عليه أن يقفز من الناعورة إلى نهر العاصي، ونحن الحمويون نشبه العاصي بعناده وقوته، حتى إن المياه التي تشربونها أنتم في دمشق وتسمونها "مياه الفيجة" نسميها نحن "المياه العاصية" وكأننا عندما نشرب تلك المياه تتداخل مع دمائنا لتعطيها تلك الصفة.. العصيان".

لا يمكن أن يكون من قبيل المصادفة أن يحمل نهر العاصي جثة ابراهيم القاشوش منشد الثورة السورية، كما حمل جثث الحمويين قبل 30 عاماً، ولا يمكن أن يكون مصادفة أن تغوص أقدام الناس في 1982 في مزيج من الدم والطين في نهر العاصي، لتغوص الآن في دماء شبابها مرة أخرى ولكن بفارق شاسع أن دماءهم اليوم هي دماء من يستعيد حريته وكرامته، وهي وإن أغلقت مجاري النهر قبل 30 عاماً فإنها ستفتح تلك المجاري الآن وستعلن نهر العاصي حراً من جديد.

فارس قديم

لم أجرؤ أن أقاطع والد صديقتي، كما لم تجرؤ أحلامه يوماً إلى الوصول إلى اليوم الذي يعيشه: "في كل عام أذهب لزيارة بعض الأقارب في حماة، ولكنني ولأول مرة في حياتي أشعر أنني أريد الذهاب راكضاً رغم أن عمري لن يساعدني كثيراً في التظاهر مع أهلي هناك، إلا أنه يكفيني أن أرى وقفتهم في وجه النظام كاسرين خوفهم على حدود طهارة حماة، بادئين حياة جديدة لا ينهمر الموت من أنفاسها، رافضين أن يعيشوا الحياة التي عشناها حاملين جراحنا ومذلتنا طوال 30 عاماً".

وكما أنه استذكر أمامي القليل، رفع رأسه فجأة ليقول: "ماذا ستكتبين، ما حصل في حماة يفوق خيالك، وما كتب عنها رغم كل الفظاعات التي تم فضحها لا يمكن أن يصل لما عشناه حقيقة وواقعاً"، أجبته أنني أدرك تماماً أنني لن أستطيع أن آتي بجديد، ولكنني سأحاول فقط أن أنقل تلك النظرة في عينيه حتى لا أصبح شاهدة خرساء جديدة على آلام لا يحتمل سماعها لا حي ولا ميت.