سالم الصباح يتخلى عن لقب شيخ "المحافظين"

نشر في:

لم يأت قرار مجلس الوزراء الكويتي في سبتمبر الماضي بالموافقة على تجديد تعيين الشيخ سالم عبدالعزيز الصباح محافظاً للبنك المركزي لدورة سادسة، بعد أكثر من ربع قرن قضاها "المحافظ" على رأس السلطة النقدية الكويتية، من فراغ، فهو من دون شك أحد أكثر الشخصيات الاقتصادية تأثيراً في الاقتصاد الكويتي منذ عام 1986، وفقاً لصحيفة "الراي" الكويتية.

"بوفهد"، الاقتصادي ذو الأعصاب الحديدية، كما يصفه كثيرون، عاصر كافة الأزمات والأوقات العصيبة، التي مرّت على الكويت واقتصادها وسوقها المالي، على مدى أكثر من 25 عاماً، تميز خلالها بسرعة وصوابية القرار والإقدام.

وبات "رجل العام"، في أكثر من مناسبة، اليوم مخزن تجارب وخبرات في إدارة الوضع النقدي والمصرفي الكويتي في ظروف الرخاء والبحبوحة، كما في ظروف الأزمات السياسية والمالية المصيرية.

وينظر إلى "المحافظ"، الحائز على أكثر من جائزة محلية وإقليمية وعالمية، كأحد أبرز رؤساء السلطات النقدية في الشرق الأوسط، الذين أظهروا، خلال مسيرتهم العملية، شخصية مميزة تجمع بين الخبرة في الشؤون النقدية والمصرفية والاقتصادية بصورة عامة، وبين الحكمة والرؤية في معالجة المشاكل والمعوقات.

وعرف عن الشيخ سالم، الذي يحمل شهادة البكالوريوس في الاقتصاد، أنه إذا توصل إلى قناعة ما، فإنه ينفذها ويحولها إلى قرارات، بصرف النظر عن الضغوط أو المصالح التي قد تعترض طريقها.

وهذا الحزم في الإدارة، أكسبه احتراما واسعا في الأوساط المصرفية المحلية والدولية، إذ أضحى عنصرا أساسيا من عناصر الثقة الخارجية المتعلقة بالوضع النقدي والمصرفي الكويتي.

ولعل احد تجليات فنون إدارة الأزمات، التي يتمتع بها الشيخ سالم، والتي ظهرت فيها شخصية "المحافظ" واستقلاليته المهنية هي قرار مجلس الوزراء، العام 2007، بـ"فصل الدينار الكويتي عن الدولار"، بطلب من الشيخ سالم، واتخاذه آخر بربط العملة الكويتية بسلة عملات، إذ دفع "المحافظ" بهذا التوجه، يقينا منه أن تلك الخطوة هي مصلحة للكويت وخطوة صحيحة من منظور مهني، رغم التباين، الذي أوقعه به هذا التوجه، بين نظرائه في دول مجلس التعاون الخليجي، الذي كانوا قرروا التمسك بسياسة ربط عملات بلادهم بالدولار الأميركي، حتى إشعار آخر، ليثبت الواقع لاحقا صوابية قرار "المحافظ"، لما أظهره الدولار الأميركي من ضعف شديد في تلك الفترة، ليبرهن الشيخ سالم على بعد نظر وجدارة مهنية وشجاعة باتخاذ القرارات الصعبة قل نظيرها.

وشهد الاقتصاد الكويتي، خلال مسيرة الشيخ سالم عبدالعزيز الصباح المهنية المميزة والمليئة بالإنجازات، أربع أزمات حقيقية، كانت الأولى، ما اصطلح على تسميتها بـ"أزمة المناخ" العام 1982، والثانية غزو الكويت العام 1990، والثالثة أزمة السوق المالية بين العامين 1998 و1999، في حين ما زالنا نعيش تداعيات الرابعة منذ العام 2008.

ويرى مراقبون متخصصون في الشأن الاقتصادي الكويتي أن تجربة "المحافظ" مزيح معقد من الدروس والعبر، استخلصها من أزمات وتجارب، خرجت بحلول ومبادرات، اجترحها في خضم تلك الأزمات وتقلباتها وما انطوت عليه من مخاطر وأوقات عصيبة، مبرهنا أنه بحق مهندس برنامج تسوية المديونيات الصعبة، والذي شكل في مراحل لاحقة نموذجا عالميا يحتذى به، إذ ركز، بعد تحرير الكويت، على معالجة حجم المديونيات الخاصة، التي كانت تنذر بمخاطر شديدة على الاقتصاد الوطني، مطلقا برنامج شراء المديونيات، ومعيدا الاقتصاد الكويتي إلى طريق الاستقرار والنمو المتسارع، كما ساهم تدخل البنك المركزي وإجراءاته الرادعة في الحد من ظاهرة المضاربة في أسواق الأسهم.

وما الثقة "الأميرية"، التي منحها أمير البلاد الشيخ صباح الأحمد الجابر الصباح للشيخ سالم، إلا اعتراف بكفاءته وميزاته القيادية، إذ كلفه سمو البلاد، قبل عدة سنوات، بقيادة فريق وطني لمعالجة تداعيات الأزمة المالية العالمية، وانعكاساتها على الاقتصاد الكويتي، ليتوج "المحافظ" جهود فريق "الإنقاذ" بوضع مشروع متكامل، عرف بمشروع "تعزيز الاستقرار المالي في الكويت".

لقد نجح "بو فهد"، طيلة مدة تقلده رأس السلطة النقدية الكويتية أكثر من عقدين من الزمان، في قيادة "المركزي" والنأي بالقطاعين المصرفي والمالي عن أي تحديات حقيقية في زمن الأزمات، ما جعله بحق "المحافظ" على الاقتصاد و"المركزي" في اتخاذ القرارات.