طوارق الفضاء الصحراوي بين الهوية والتهميش
ساهم بنفسه في بعض هذه المشاكل بسبب طبيعته البدوية وحرصه على التمسك بثقافته
تعاني مجتمعات الطوارق في إفريقيا من الكثير من التهميش والتخلف وضعف القدرة علي الاندماج والانسجام مع نظم الدولة المعاصرة.
ويساهم مجتمع الطوارق نفسه في بعض هذه المشاكل بسبب طبيعته البدوية وحرصه على التمسك بثقافته وتقاليده، كما أن الدول الإفريقية التي تتواجد فيها هذه المجموعة على شكل أقليات تتحمل هي الأخرى جزءاً كبيراً من مأساة الطوارق، إذ يحرمون من البني التحتية التعليمية والصحية ويفتقدون إلي أدني متطلبات الحياة الكريمة.
هذه الظروف الصعبة دفعت الطوارق في جمهورية مالي إلي حمل السلاح منذ أزيد من شهر، والدخول في مواجهة عسكرية ضد النظام الذي يتهمه الطوارق بإهمال منطقة الشمال، وممارسة الغبن والحيف السياسي ضد أبناء جلدتهم.
غياب السند
غير أن الكثير من المحللين يربطون بين ميلاد الحركة الوطنية لحرير أزواد، التي تتزعم التمرد في الشمال المالي، وهشاشة الوضع الأمني بالمنطقة، خاصة بعد سقوط نظام العقيد معمر القذافي، الذي كان يلعب أدواراً مهمة في منطقة الساحل الصحراوي، وذلك بإخماد النزاعات أو إيقاظها أحياناً، وفق مصالحه ومزاجه المتقلب، هذا بالإضافة إلي الحضور القوي لعناصر تنظيم القاعدة في المنطقة.
ويؤكد الأمين العام المساعد للحركة الوطنية لتحرير أزواد محمد الأمين ولد أحمد، في تصريح لـ"العربية.نت"، أن حركته لم تلجأ إلي العنف المسلح حتي نفذت أمامها كل الخيارات.
ويضيف أن ظاهرة التمرد أو حمل السلاح في وجه حكومات المنطقة هي وسيلة للتعبير عن مطالب شعب الطوارق، ومحاولة لإسماع صوته في كل من مالي والنيجر.
ويشكوا ولد أحمد من غياب سند إقليمي أو دولي حاضن تتكئ عليه حركات تمرد الطوارق في مواجهة الأنظمة السياسة التي تناصبها العداء. ويقول لـ"العربية.نت" إن هذا الأمر ساهم في الحد من قدرة هذه الحركات، رغم الإرادة القوية والتصميم والشجاعة التي يتميز بها مجتمع الطوارق.
ويُشير ولد أحمد إلي أن حركات التمرد التي قادها الطوارق تختلف عن معظم الحركات الإفريقية الأخرى، التي غالباً ما توظف بعد ظهورها في الصراعات الإقليمية، إن لم تكن ناتجة عنها أصلاً أو إفرازاً من إفرازاتها.
ويُفسر سر النقمة التي يعاني منها الطوارق بأنهم مجتمع لم يكن من تلك الأقليات التي استفاد منها الاستعمار وجندها لصالحه ومصالحه، فكان سنداً لها بعد رحيله كما كانت سنداً له أثناء تواجده في مستعمراته.
ويعتبر أن الطوارق هم وحدهم من حمل سلاح المقاومة في وجه المستعمر الفرنسي في مالي والنيجر من بين المجموعات الإفريقية التي كانت تتعايش معهم لحظتها.
تعاطف خجول
ويعتبر مراقبون أن التمرد الحالي يحظى بتعاطف قوي من طرف النظام الموريتاني، وهي المرة الأولي التي يكون لموريتانيا دور فاعل في قضية الطوارق.
ويرى محللون أن الموقف الموريتاني الداعم لمتمردي الطوارق سيجلب لنظام نواكشوط سخطاً من طرف باماكو، التي ظلت حليفاً قوياً لموريتانيا في حربها علي قاعدة المغرب العربي، التي يتواجد عناصرها بشكل رئيس على الأراضي المالية.
ويوصف موقف كل من الجزائر وليبيا من أزمة الشمال المالي الحالية بالخجول، وذلك بحكم الروابط التاريخية والامتدادات الاجتماعية لهذا المجتمع في البلدين.
ويعتبر مراقبون أن التعاطف مع قضية الطوارق في زمن العقيد القذافي كان يطغي عليه التطلع الاستراتيجي لليبيا في إفريقيا، وهو ما يحتم تحسين العلاقة بمالي من جهة، ومن جهة أخري خلق "فزاعة" الطوارق لابتزاز النظام بها.
أما الجزائر التي استطاعت أن تحافظ في آن واحد على علاقاتها التاريخية الطيبة مع مالي وعلاقاتها القوية بالطوارق، فتجد نفسها اليوم أكثر انشغالاً بمحاربة الإرهاب في هذه المنطقة الحساسة، وهو ما يتطلب منها في الظروف الراهنة العمل على تقوية تنسيقها الأمني مع مالي بسبب الانتشار الواسع لعناصر تنظيم القاعدة على التماس الحدودي بين البلدين.
وقد لعب التنازع بين ليبيا والجزائر على إدارة ملف الوساطة والتسوية بين حكومة مالي والطوارق دوراً كبيراً في تراجع ثقة الجزائر في قيادات التمرد المربكة، بسبب وجود أكثر من وسيط في ملف التسوية.
فالجزائر مثلاً عُرفت دخلت في السنوات الأخيرة على الخط في إطار مبادرة يطلق عليها مجالس قبائل الصحراء الكبرى، وهي مبادرة تهدف إلي "إنصاف" مجتمعات الطوارق, وتحقيق تصالح دائم بينهما مع حكوماتها في الفضاء الساحلي الإفريقي (مالي، النيجر وتشاد).