احتفاءً بشعراء أهدرت السلطة دمهم أو قتلوا غدراً في أزمنة قديمة وحديثة، اختارت جمعيات ثقافية بمدينة الدار البيضاء المغربية تنظيم لقاء مفتوح في الشارع العام بوسط ساحة "الفداء" الشعبية المعروفة بحركتها وازدحامها الكثيف، للتعريف بهذه النخبة من الشعراء العرب العالميين، مع قراءة بعض أشعارهم على مسمع الناس، أدرجت تحت عنوان "ديوان الشعراء المقتولين".
وأشرف على إعداد وتنسيق فقرات هذا اللقاء شعيب حليفي رئيس مختبر السرديات، الذي قال في تصريح لـ"العربية نت": إن سياق اختيارهم لهذا المحور يندرج ضمن تفكيرهم في مواضيع غير مكررة، تحاول أن تبحث في القضايا الفكرية الأساسية التي ظلت لفترة ما مهملة، كالشعراء المقتولين، وإحراق الكتب في تاريخ الأمة العربية، وفترات الصمت التي برزت تبعاً له في مسار ثقافتنا العربية، وأيضاً الأحلام في الأدب والتاريخ التي نادراً ما يتحدث عنها.
وأضاف أنه فيما يتعلق بالشعراء المقتولين فقد تعددت وتباينت زاوية النظر بالنسبة لهؤلاء، مقدماً مثالاً بسعيدة المنبهي وعبداللطيف زروال، الذين يقول عنهما إن الشعب المغربي يعرفهم كمناضلين فقط، وإن تجربتهما السياسية كانت مؤثرة في الحركة السياسية بالمغرب، في حين لا يعرف الكثير من الناس أن تجربتهم الشعرية كانت أغنى بكثير من تجربتهم السياسية، وأنها لا زالت مؤثرة حتى الآن.
وذكر أن أجهزة القمع في ذلك الوقت صادرت كل ما تركه الشاعر القتيل ولم تنج سوى قصيدة واحدة كان قد نشرها بمجلة "أقلام" المغربية سنة 1972 بعنوان "عن الحب والموت"، يقول زروال في فقرتها الأخيرة:
ها أنا ذا أسقط في الساحة
أحمل قلبي. وردة حمراء، تنزف دماً
ها أنذا عريان، أزحف فوق القتلى
وألم أطرافي.. كي أمسك بالراية الممزقة
وأنفخ بدمي في رماد الشرارة المحترقة
ها أنذا أدفع الضريبة
فلتباركي موتي.. يا حبيبة
وعلى غرار زروال، قدمت نصوص للشعراء المحتفى بهم بأصوات شعراء شباب وآخرون ينتمون للجيل الأول من الشعراء المغاربة، ومن الأسماء التي تم استحضارها في هذا اللقاء المغني الشيلي فيكتور خارا الذي قطعوا أصابعه، ولوركا الذي رمي برصاص الموت، أو ميغيل هيرنانديث الشاعر والمسرحي الإسباني، ولسان الدين بن الخطيب الذي قتل بفاس وترك قصيدة يرثي فيه نفسه قبل قدوم صديقه الشاعر ابن زمرك وهو يحمل صك إعدامه، وطرفة بن العبد شاعر العبث الذي لم يكن داهية مثل خاله المتلمس، خانه عمرو بن هند لأسباب غامضة خارج الشعر والعفة.
وهو من قال:
بكى صاحبي لمّا رأى الدرب دونه ** وأيقن أن لا حقاني بقيصرا
فقلت له: لا تبك عينك وإنمـــــــا ** نحاول مُلكا أو نموت فنعذرا
واختتمت هذه القراءات بالفقيه والعالم الشاعر المغربي عبدالسلام جاسوس، الذي ينتمي للقرن السابع عشر، وقد ترك إبداعات شعرية ورسائل ووصايا، يقول عنها بعض الدارسين إنها كانت ذات أهمية كبرى تعكس الفكر النقدي والثوري لديه.
وقتل هذا الفقيه الشاعر حين رفض الموافقة على تمليك "الحراطين"، أي تحويل أصحاب البشرة السوداء إلى عبيد، ففي مطلع صيف 1708 استدعى السلطان مولاي إسماعيل علماء فاس للمثول بين يديه في العاصمة، يتقدمهم الحاج عبدالسلام بن حمدون جاسوس إلى مدينة مكناس.
وفي حضرة السلطان احتد النقاش، لتصل المجابهة الجدلية ذروتها بين أحد العلماء والجاسوس دون أن يفحم أحدهما صاحبه، أما السلطان فقد "نثر ثوبه" وغادر المجلس غاضباً.
وبعدها، اعتقل جاسوس، وتقدم الناس بطلب العفو عنه من قبل السلطان الذي اشترط عليهم - كما تقول الروايات - أن يزن نفسه ذهباً، وعمل الناس على فديته بالذهب.
ونظم اللقاء مختبر السرديات لكلية الآداب والعلوم الانسانية، ونادي القلم المغربي في إطار الأنشطة الثقافية لمعرض الكتب القديمة في دورته الخامسة.