السلفيون يهددون الديمقراطية في تونس
"التطرف" يعرقل الانتقال الديمقراطي بعد اعتداء "ملتحين" على قبر بورقيبة
لا يزال المشهد السياسي التونسي مفتوحاً على كافة السيناريوهات، خاصة بعد تعدد الأحداث التي تقف وراءها مجموعات سلفية، ولعل آخرها الاعتداء على قبر الزعيم الوطني الحبيب بورقيبة، الذي اعتبر من قبل العديد من المتابعين، مؤشراً من شأنه أن يدخل البلاد في "حالة عنف"، خاصة أنه أتى بعد اعتداءات سلفية على فنانين ومبدعين ومقرات حزبية، ما جعل التونسيين متخوفين من استهداف "النمط المجتمعي" الحداثي الذي تتمتع به تونس.
ويبدو أن تلك العمليات "منظمة" ومدبر لها، وفقاً لما صرّح به المفكر يوسف الصديق لـ"العربية.نت". فقد اعتبر الصديق أن تواتر "الروايات والوقائع"، في الفترة الأخيرة دلالة واضحة على تصاعد دور التيار السلفي بعد الثورة خاصة بعد وصول الإسلاميين للحكم. هنا يشير أو يلمح الى وجود تساهل بل "تواطؤ" لحكومة النهضة مع هذا التيار، الذي يقول "إنه غريب عن المجتمع التونسي، بل إنه يهدد وحدته وانسجامه".
انزلاق نحو العنف
ومن جهته، وفي قراءة لما سمّاه "تعدد تجاوزات التيار السلفي"، صرح المختص في دراسة الحركات الإسلامية محمد القوماني لـ"العربية.نت" واصفاً "ما يجري بالتهديد للمكاسب التي يفتخر بها كل التونسيين، على تباين منطلقاتهم الفكرية والعقائدية، والمتمثلة في الحفاظ على سلمية ومدنية الصراع السياسي، وعدم الانحراف الى العنف لحسم الصراع.
كما اعتبر القوماني أن "عدم التعاطي الجدي مع ما يقوم به المنتسبون للتيار السلفي، من اعتداء على الحريات الفردية والجماعية، قد يجعلهم يتصورون كما لو أنهم فوق القانون، وبالتالي لابد من التحرك وبسرعة قبل أن تأخذ الأحداث منحى يهدد بالانزلاق نحو العنف".
إلى ذلك، لفت المحلل السياسي منذر ثابت، في مقابلة مع "العربية.نت" إلى أن تورّط السلفيين في الاعتداءات على "النمط المجتمعي التونسي"، جاء ليدق "ناقوس الخطر"، الذي تم التغافل عنه من قبل كل الفاعلين السياسيين، الذين انشغلوا بالصراع الحزبي على إدارة المرحلة الانتقالية، "ما جعلنا نعيش حملة انتخابية سابقة لأوانها، على حساب إهمال الوضع الاجتماعي والاقتصادي، الذي تردّى الى درجة أصبحت معه الثورة مهددة. في ظل إمكانية قيام ثورة داخل الثورة".
كما أشار ثابت الى "التغافل"، من قبل السياسيين والأحزاب، عن الخطر المتأتي من حدودنا الشرقية مع ليبيا، بسبب الانتشار غير المسبوق لقطع السلاح ومنها الثقيلة، التي قد تكون تسرب البعض منها إلى تونس. كما تم أيضاً التعاطي بـ"سلبية" وعدم جدية مع التقارير الاستخباراتية والإعلامية التي تناقلت تقارير عن تنامي نشاط الجماعات الإرهابية، خاصة تنظيم القاعدة في القرن الإفريقي وما يعرف ببلاد المغرب الإسلامي.
وفي قراءة استراتيجية قال منذر ثابت: "إن معالجة ملف السلفية والتيارات الدينية المتطرفة، يتجاوز البعد المحلي/الوطني إلى الدولي"، مشيراً في ذات السياق الى "أن ما حصل في ليبيا من قتل للسفير الأمريكي يمثل بداية منعرج لمسار الربيع العربي في اتجاه انفلات ظاهرة العنف عن إدارة التيارات الإسلامية المعتدلة التي ستجد نفسها بين فكيّ كماشة، إما تواجه قمعياً هذه الجماعات وإما تهادنها وتخضع لابتزازها الأيديولوجي".
إطلاق الجهاديين
يُذكر أن مجموعات سلفية سبق لها أن مارست "العنف المسلح" بعد الثورة، ولعل آخرها "حادثة بئر علي بن خليفة" في بداية تولي الحكومة الحالية، والتي اضطرت إلى مجابهتهم بقوة السلاح، وقد أعادت تلك "الواقعة" حينها للأذهان وقائع مشابهة منها واقعة الروحية في مايو 2011 قتل فيها ثلاثة عسكريين، خاصة أحداث سليمان سنة 2008، والتي عرفت مواجهات عنيفة بين الأمن والمتطرفين استمرت أكثر من أسبوع. وهي مناسبات استعمل فيها السلاح من قبل مجموعات سلفية لا يستبعد أن تكون على صلة فكرية وتنظيمية بتنظيم القاعدة في المغرب الإسلامي.
وسط هذا المشهد يتابع التونسيون بانشغال وقلق كبيرين ظاهرة "الانفلات السلفي"، وإن "نجح" الرئيس السابق بن علي في القضاء على "جماعة سليمان" اعتماداً على الحل الأمني، فإن الأوضاع المستجدة بعد الثورة تجعل المشهد مغايراً ومختلفاً، خاصة في ظل وجود "ثغرات أمنية"، وإطلاق سراح العديد من "الشباب الجهادي" من السجون، إضافة إلى "تسرّب" العديد من قطع السلاح من ليبيا إلى تونس.
وقد سبق أن أعلن عدنان منصر، الناطق الرسمي باسم الرئاسة، عن كشف "عملية لنقل أسلحة من جنوب تونس إلى شمالها"، يضاف إلى كل هذا "الحضور الاستعراضي" للجماعات السلفية في الجو العام، ولجوؤها إلى ممارسات للحد من الحريات العامة والشخصية والاعتداء على الإعلاميين والمثقفين، يحدث كل هذا في ظل غياب إجراءات ردعية من قبل الحكومات التي تعاقبت على إدارة البلاد منذ الثورة.