خلاف جزائري أمريكي حول تحديد هوية الإرهابيين بمالي
طوارق الجزائر يعارضون التدخل العسكري ويطالبون بحل سياسي للأزمة
كشف مصدر جزائري مسؤول لـ"العربية.نت"، الاثنين، رفض الكشف عن هويته، أن الجزائر أبلغت وزيرة الخارجية الأمريكية هيلاري كلينتون، موقفها من مسألة التدخل العسكري في شمال مالي، حيث "طلبت التفريق بين الجماعات السياسية التي لديها مطالب سياسية، ويمكن محاورتها، وبين الجماعات الإرهابية التي لديها مطالب إرهابية ولا ينفع معها سوى الحل العسكري".
وقال المسؤول الجزائري رفيع المستوى "موقف الجزائر واضح ولم يتغير حيال التدخل العسكري في شمال مالي، نحن قلنا إن الجزائر تعتبر مثلاً حركة تحرير أزواد، وحركة أنصار الدين جماعتين سياسيتين لديهما مطالب سياسية يمكن الحوار والتفاوض معهما من طرف الحكومة المالية، بينما جماعة التوحيد والجهاد تنظيم إرهابي يتبع القاعدة، وهذا لا ينفع معه سوى الحل العسكري".
وسجل المسؤول الجزائري بقوله "الآن هناك مشكلة، ففرنسا وأمريكا ترى مثلاً أن جماعة أنصار الدين جماعة إرهابية حالها حال التوحيد والجهاد، وهنا أحد أوجه الخلاف".
وعمليا، أعلنت حركة تحرير إقليم أزواد تحالفها مع جماعة أنصار الدين في مايو/أيار الماضي، لمواجهة نفوذ جماعة التوحيد والجهاد في غرب إفريقيا التي أعدمت الدبلوماسي الجزائري الطاهر تواتي، ولا تزال تحتفظ بالقنصل بوعلام سايس وخمسة من مرافقيه في مكان مجهول.
ويقود بلال أغ اشريف الحركة الوطنية لتحرير الأزواد، بينما يتزعم إياد أغ غالي حركة أنصار الدين، في حين يرأس أبو الوليد صحراوي مجلس شورى حركة التوحيد والجهاد في غرب إفريقيا.
كلينتون: الإشكالات شديدة التعقيد في شمال مالي
وبحسب إذاعة الجزائر، فقد أكدت كاتبة الدولة الأمريكية هيلاري رودام كلينتون، الاثنين بالجزائر العاصمة، أنها أجرت مع الرئيس عبدالعزيز بوتفليقة محادثات "جد معمقة" حول الوضع السائد حالياً في منطقة الساحل وبالخصوص في شمال مالي.
وفي تصريح صحفي، عقب الاستقبال الذي خصها به رئيس الدولة، قالت كلينتون "لقد وقفنا على علاقاتنا الثنائية القوية جداً، و أشرنا إلى أننا أجرينا لتوه ندوة ممتازة للحوار الاستراتيجي التي احتضنتها واشنطن الأسبوع الماضي، كما أجرينا محادثات جد معمقة حول الوضع في منطقة (الساحل) وبالخصوص الوضع السائد في شمال مالي".
وأضافت كلينتون قائلة "أثمن كثيراً تحليل الرئيس بوتفليقة الثري بتجربته الطويلة حول المنطقة لمواجهة الوضع المعقد للغاية والإشكاليات كثيرة التعقيد في شمال مالي وكذا لمواجهة مشاكل الإرهاب والاتجار بالمخدرات في المنطقة".
واستطردت "لقد اتفقنا على ضمان متابعة هذه المحادثات عن طريق الخبراء في إطار ثنائي وفي إطار مشاورات مع شركاء المنطقة مع الاتحاد الإفريقي والمجموعة الاقتصادية لتنمية غرب إفريقيا والأمم المتحدة لمحاولة إيجاد حلول لهذه المشاكل".
وأعربت كاتبة الدولة الأمريكية عن سعادتها الكبيرة لعودتها إلى الجزائر وإجرائها مشاورات "جد معمقة" مع الرئيس عبدالعزيز بوتفليقة، مشيدة برئيس الدولة على "ضيافته" وعلى "هذا الوقت الذي خصصه لها".
وقالت "أشكر الرئيس (بوتفليقة) على ملاحظاته الجد مفيدة بشأن مختلف هذه الأوضاع"، معربة عن سعادتها بـ"مواصلة هذه المحادثات معه خلال مأدبة الغذاء".
قمامة: نصر على الحل السياسي في شمال مالي

وفي سياق متصل، أعلن محمود قمامة كبير أعيان طوارق منطقة الأهقار المحاذية لشمال مالي، رفضه للتدخل العسكري في شمال مالي، مطالباً الحكومة الجزائرية بـ"الصمود" على موقفها مع زيارة وزيرة الخارجية الأمريكية هيلاري كلينتون للبلاد لمناقشة أزمة مالي، كما صرح لصحيفة "الخبر" الاثنين.
وأكد قمامة قائلاً "ما تطلبه أمريكا وفرنسا من تدخل أجنبي سيخلق الكثير من المشاكل، ونحن كأعيان منطقة الأهقار نطالب الجزائر بالصمود في موقفها ضد التدخل الأجنبي".
وأضاف "الموقف الصحيح هو رفض التدخل الأجنبي والإصرار على الحل السياسي وطلب الحوار، لأننا نعرف وفق كل التجارب السابقة بداية التدخل الأجنبي، لكننا لا نعرف له نهاية، وما حدث في ليبيا خير دليل على ذلك".
وأوضح "عشت وعمري 15 سنة في شمال مالي، وأنا أعرف المنطقة وأدرك المخاطر التي تتهددها. التدخل الأجنبي في شمال مالي له أهداف استعمارية".
وكشف قمامة، وهو نائب في البرلمان عن ولاية تمنراست "200 كلم جنوب الجزائر" عن حوارات جرت مؤخراً بين السلطات الجزائرية ومجموعة من قيادات المتمردين في شمال مالي يرجح أن يكونوا من حركة أنصار الدين وحركة تحرير الأزواد.
وقال لصحيفة الخبر "هناك مجموعة منهم كانت متواجدة في الجزائر وتمنراست للحوار وعادت إلى مالي، وهذا الحوار سري لا يمكن الكشف عن أي تفاصيل بشأنه".
وكان المتحدث باسم وزارة الخارجية الجزائرية عمار بلاني حذر من "أي خلط أو غموض بين سكان شمال مالي "الطوارق" الذين لهم مطالب مشروعة، والجماعات الإرهابية وتجار المخدرات ".
رحابي: واشنطن ترغب من الجزائر لعب دور "باكستان"

واعتبرت صحيفة "الخبر" الجزائرية واسعة الانتشار، أن "الجزائر تواجه ضغوطاً شديدة من الغرب لإرسال جيشها لمحاربة الجماعات المتشددة التي تسيطر على شمالي مالي منذ إبريل/نيسان 2012، وسط مخاوف جزائرية من أن التدخل الأجنبي سيكون مقدمة لإقامة قواعد عسكرية فرنسية وأمريكية على مقربة منها".
ولفتت الصحيفة إلى أن "الضغوط التي تمارس على الجزائر من قبل فرنسا والولايات المتحدة الأمريكية ازدادت مع اقتراب انتهاء المهلة التي حددها مجلس الأمن الدولي لإيجاد الحل التفاوضي قبل منحه تفويضاً بالتدخل العسكري في شمال مالي"، موضحة أن "هذه الضغوط ترمي إلى دفع الجزائر للمشاركة فيها ميدانياً على أساس أنها حجر الزاوية في المعادلة الأمنية وتملك جيشاً قوياً له خبرة طويلة في ميدان محاربة الإرهاب".
ونقلت الصحيفة عن الناطق الرسمي الأسبق باسم الحكومة الجزائرية عبدالعزيز رحابي، استبعاده أن "تتوجه وزيرة الخارجية الأمريكية هيلاري كلينتون بطلب للجزائر للمساهمة عسكرياً بالتدخل الدولي المفترض في شمال مالي".
ورأى رحابي أن "قدوم كلينتون إلى الجزائر مرده إلى امتلاك الأخيرة 'للخبرة والإمكانيات في مكافحة الإرهاب، لكنه في النهاية يتوقع أن تطلب واشنطن من الجزائريين 'لعب دور أشبه بدور باكستان في ما يحدث في أفغانستان''، لافتاً إلى أن "الزيارة ليست في سياق جولة مغاربية ما يعني تغيراً في جدول الأعمال الذي كان سابقاً يتضمن ثلاثة ملفات هي تطبيع علاقة الجزائر بالمغرب ومكافحة الإرهاب والصحراء الغربية، أما هذه المرة فالأمر يتعلق فقط بالساحل وتداعيات أزمة مالي''،
وأضاف رحابي أن "واشنطن تقيم الأمور بواقعية استباقاً لتدخل محتوم في مالي فدول الساحل لا تملك الإمكانيات وهي ضعيفة وأنظمتها غارقة في الرشوة وليس لديها إجماع وطني على مستوى المجتمع والأحزاب حول مكافحة الإرهاب والفارق بالنسبة للجزائر أنها تملك الخبرة ولديها الإمكانيات''، مشيراً إلى أن "الغرب عموماً وواشنطن خاصة يدركون أن تداعيات التدخل العسكري في مالي ستدفعه الجزائر، وأن التداعيات المتوقعة هي نزوح آلاف اللاجئين وحركة غير مسبوقة للسلاح باتجاه الجزائر التي تملك 6 آلاف كيلومتر كحدود مع دول الساحل مجتمعة''.
باحث: هذه أسباب نزوح الجهاديين إلى منطقة الصحراء

وفي حوار سابق مع "العربية.نت"، فسر الباحث الجزائري في شؤون الجماعات الجهادية، محمد بغداد، أسباب نزوح الجماعات الجهادية إلى منطقة الصحراء الإفريقية، بأن "الأزمة ليست محصورة فقط في شمال مالي وإنما تمتد جغرافياً على مساحة من الصومال شرقاً إلى نيجيريا على المحيط الأطلسي غرباً، وهي المنطقة التي تعتبر أكبر موقع للفقر والأمراض والمجاعات والتخلف في العالم".
ويواصل بقوله "أسفرت حروب الأنظمة السياسية، مع تنظيم القاعدة في المغرب الإسلامي، وبقية الجماعات الإسلامية الأخرى في السنوات العشرين الأخيرة، عن خسائر كبيرة تكبدتها هذه الجماعات، وكذا خسرانها للتأييد الشعبي، وجفاف منابع الغنائم، الأمر الذي جعلها تتخذ من منطقة الساحل الإفريقي، الملاذ الذهبي لما يختزنه من غنائم كبيرة، بسبب أموال الفدية من الدول الغربية، وعدم قدرة الأنظمة الحاكمة على الوصول إليها لصعوبة تضاريس المنطقة، فضلاً عن تخلف المؤسسات العسكرية والأمنية هنا، أما السبب الآخر فهو حصول هذه الجماعات على تأييد السكان المحليين المتضررين من غياب التنمية في هذه المناطق".
ووفق هذا المنطق، يصبح شمال مالي نموذجاً لافتاً للانفلات الأمني في منطقة الصحراء الإفريقية، حيث تغيب حكومة مالي المركزية، وحيث ظهرت تيارات دينية متصارعة، أبرزها جماعة أنصار الدين، وجماعة التوحيد والجهاد، وحركة تحرير الأزواد، وهي حركة ذات مرجعية صوفية، وتستند إلى نفوذ الزوايا والطرقية، وهي ليست حركة إسلامية.
واستبعد الباحث في شؤون هذه الجماعات، محمد بغداد، نجاح حركة أزواد في بناء كيان سياسي مستقل في شمال مالي، بل يرى أن الأمور تتجه إلى ما هو أسوأ، والمتوقع حسبه هو أن "يغرق الساحل الإفريقي في مستنقعات الاضطراب، وانعدام الأمن، ويفتح على فضاءات بارونات تهريب السلاح والمخدرات، وهو الأمر ينعش الجماعات المسلحة، ويكون المشهد أقرب إلى النموذج الصومالي، وسيكون الخاسر الأكبر في العملية هي دول المنطقة، التي ستدفع الثمن باهظاً بسبب ضعفها الداخلي، ورؤيتها الساذجة للأزمة، وتقييمها الخاطئ لأسبابها".