طبـاعة


حفـظ


ارسال
Bookmark and Share
السبت 11 جمادى الأولى 1426هـ - 18 يونيو 2005م

مهمة خاصة: "المحظرة" الجامعة البدوية الموريتانية

 

اسم البرنامج: مهمة خاصة، مقدم الحلقة: حسن زيتوني، تاريخ الحلقة: الخميس 16/5/2005

{المحظرة}
- جئت إلى المغرب وبعض الدول الإفريقية أسلمت خلال السفر المبارك.- شعرت بالهداية ولذة الإيمان والحمد لله.

عودة للأعلى

إقبال على الإسلام رغم الحملات

حسن زيتوني: أوروبيون يتحدثون العربية بطلاقةٍ ويبدون إعجاباً كبيراً بالإسلام، في وقتٍ نلمسُ فيه حملاتٍ مغرضة تدعو إلى الابتعاد عن هذا الدين والتنصل منه، أوروبيون وأميركيون فضلوا البحث والاطلاع عن كثب تاركين ورائهم كل ما وصلت إليه الحضارة المادية الغربية التي أصبحنا غير قادرين نحن على الحد من التباهي بها وبإنجازاتها في مجالاتٍ حياتيةٍ شتى، فلماذا يولي هؤلاء الأجانب وهم من فئة الشباب هذا القدر الكبير من الاهتمام إن لم نقل الشغوف بالإسلام والحضارة العربية الإسلامية؟ لماذا يغوصون في البحث عن خفايا وأسرار هذا الدين وهذه الثقافة؟ في موريتانيا التقيناهم وفوجئنا بوجودهم في بيئة ريفية بدويةٍ نائيةٍ بعيدةٍ عن ضوضاء الحياة المدنية، والغريب في الأمر أنهم لم يأتوا إلى هنا بقصد العلم والدراسة وحسب، بل بقصد البقاء والعيش مع أسرهم في وسطٍ اجتماعي غريبٍ عنهم، وجدناهم فيما عُرف عبر التاريخ في بلاد الشنقيط أو ما يُعرفُ بموريتانيا اليوم بالمحاضر التعليمية التقليدية.

عودة للأعلى

"المحظرة" الجامعة البدوية الموريتانية

مهمتنا الخاصة هذه المرة قادتنا إلى هذه القرية التي تُعرف: بالنباغية، وهي قريةٌ تابعةٌ للبادية الموريتانية، تبعد بحوالي 160 كم جنوبي شرق العاصمة نواكشوط، ومجيئنا إلى هذه القرية ليس بقصد التعرف على الحياة البدوية الريفية بموريتانيا بقدر ما جئنا لنسلّط الضوء على مؤسسة تعليمية هامة، لعبت دوراً هاماً وتاريخياً في الحفاظ على الهوية العربية الإسلامية لهذا البلد العربي الإسلامي الذي يسمى موريتانيا إنها المحضرة أو الجامعة البدوية الموريتانية. المحاضر في الصحراء الموريتانية منتشرةٌ في مناطق مختلفة والوصول إليها ليس بالأمر الهيّن, إذ يتوجب على الزائر أن يجد طريقه إليها عبر رمال ذهبيةٍ صحراويةٍ جميلة لكنها شاقة ومرهقة، خصوصاً إذا كان المرء لا يتحمّل أعباء حرارة الصحراء وصعوبة التنقل وسط رمالها في غالبية ساعات السهر البطيء، نشأ التعليم المحضري التقليدي في هذه البيئة الصحراوية الموريتانية حيث بساطة الحياة والعيش ولكن مع نوعٍ من الصراع المستمر بين الإنسان وباديته من أجل البقاء والاستمرار، هذا الصراع ينعكس على واقع التعليم المحضري الذي يُعدّ نمطاً فريداً من نوعه عُرف عبر التاريخ ومكث لقرون طويلةٍ من الزمن يؤدي رسالةً تثقيفيةً في تعليم الصغار والكبار من رجالٍ ونساءٍ دون تمييز يذكر، وذلك بهدف إعداد أجيالٍ مسلحة بالعلم والمعرفة في حقولٍ متنوعةٍ من حقول التلقين والتحصيل العلمي والإنتاج الفكري والأدبي.العلامة محمد سالم ولد عدود: المحضرة هي مجمّع تربوي تدريسي تلقيني تبدأ من سن الروضة إلى نهاية التخصص، نُخرّج العلماء الكبار، تُخرّج الأدباء، تُخرّج القضاة تُخرّج المؤرخين تواصلها عربية أصيلة.حسن زيتوني: هذا العمق التاريخي تجلّى لنا بوضوح من خلال تصفحنا للمكتبة التابعة للمحضرة وما تحتويه من كتبٍ ومراجع ومخطوطات يعود تاريخ بعضها إلى حقبة انتشار الإسلام في الأندلس.عبد الله ولد محمد: فيها شيء كُتب في غرناطة قبل سقوط الأندلس، وهو هذا الكتاب الذي بين أيدينا الآن وما يسمى قواعد نقل جد، وها هو تاريخه بآخر ورقة من الكتاب، قال انتهى نسخه في منتصف شهر ربيع الآخر عام 894 بمدينة غرناطة حرسها الله وكلئها لها والحمد لله.حسن زيتوني: وطبقاً للنظام الدراسي المحضري التقليدي يتوجه الطفل وهو صغيرٌ بشكل تلقائي تارةً وبإرغامٍ من والديه تارةً أخرى نحو التعلّم، وهي عادةٌ تقتضي أن تقوم العائلة بإرسال طفلها في سنٍّ مبكرةٍ نسبياً إلى المحضرة, لأن المحضرة تعتمد في تمويلها على دعم أفراد البادية أو القرية فإن الطفل يُرسل إلى المحضرة رفقة ناقةً أو ناقتين لكي يقتات على ألبانها، وإذا كانت العائلة لا تملك ذلك وليست قادرة على توفير زاد ابنها فإن شيخ المحضرة وبقية التلاميذ والحي الذي توجد فيه المحضرة يتكفلون طيلة فترة الدراسة بتلبية حاجيات الطفل من غذاءٍ ومبيتٍ ليصبح همه الوحيد هو اكتساب التعليم لا غير، إنها واحدةٌ من أروع صورِ التضامن والتكافل الاجتماعي على الطريقة البدوية الشنقيطية. برفقة لوحه وتركيزه على التعلّم مع جمعٍ من زملائه لا يشعر التلميذ أو الطالب بالغربة ولا بالحنين إلى عائلته أو وطنه إذا كان لا ينتمي إلى المجتمع الموريتاني مثلما هو الحال مع هؤلاء الشباب الطلبة الذين التقينا بهم في النباغية, وهم من مالي وبوركينا فاسو والسنغال وبعضهم من المغرب والجزائر وتونس وغيرها من الدول المجاورة لموريتانيا، أساساً ليوم النهج المحضري على تدريب قوة الذاكرة بفعل القوة الإيقاعية إذ تتسرب النصوص الطويلة والصعبة أحياناً إلى الحافظة دون جهد بالغ، وغالباً ما يحفظ الطلاب القرآن الكريم في ثلاث سنوات، وفي السنتين التاليتين تتم إعادته كتابةً وحفظاً، لمسنا ونحن نتابع نظام التعليم في النباغية أن أوقات الدرس عادةً هي ثلاث حلقات ما بين اليوم والليلة وللراحة وقتها اليومي كذلك، أثناء عودة البهائم قبل غروب الشمس بقليل يكون الطالب كأي فردٍ من القرية وراء دوابه محملاً بأعواد الحطب، وبعد الصلاة يتفرّغ الطالب إلى ناقته ليحلبها ويكون لبنها في آخر المطاف هو الأساس لوجبات المساء لدى غالبية سكّان البادية، ويتضح من خلال ذلك أن النظام الاجتماعي المعتمد هو نظامٌ متناسق يكون فيه الطالب المحضري عضواً فعّالاً في كل الأنشطة، إنه يخدم نفسه بنفسه ويخدم شيخه دون أن ينتقص ذلك من قدره كواحدٍ من حملة العلم وكفرد من أفراد القرية. الطقس الليلي يبدأ في الهزيع الأول على ضوء النار التي يوقدها الطلبة بأنفسهم حيث تمتزج القراءات بألسنة اللهب والدخان الصاعد من أعواد الخشب لتكسر بذلك هدوء الليل الصحراوي الحاد، منهجيد تساعد هذه الحركة الإيقاعية عند الطفل على ترطيب الذاكرة حيث يتحوّل الجسد بكل إحساساته إلى أسير للقدرات الذهنية العليا إنه طقس القرآن الكريم.

عودة للأعلى

أساليب تعليمية قديمة لم تتغير

هذه الأساليب والتقاليد التعليمية ما زالت تُمارس من دون تغيير كبير رغم أن تاريخها يعود بالأساس إلى فترة دخول الإسلام إلى ما يُعرف بصحراء الملثمين أو بلاد شنقيط منذ القرن الهجري الأول، على يد الفاتحين الأوائل للمغرب العربي مثل عقبة ابن نافع الذي تذكر بعض المصادر أنه وصل إلى أطراف هذه البلاد، وتلاه حفيده حبيب أبو عبيدة بن عقبة وابنه عبد الرحمن، فعمل على بسط نفوذ الدولة الإسلامية حتى تخوم بلاد السودان الغربية، وقد أعطت دولة المرابطين التي انطلقت في نهاية القرن الخامس الهجري من جزيرة تيبلا القريبة من العاصمة نواكشوط والتي هي اليوم جزء من جزر حوض آرغين وما يحمله هذا المكان من سمات مناخية متميزة والتي جعلت منه مجمعاً عالمياً للملايين من الطيور المهاجرة، وبالفعل توسعت دولة المرابطين من ضفاف نهر السنغال إلى جبال البريني في شبه الجزيرة الإليبيرية أو ما يُعرف اليوم بإسبانيا والبرتغال, كما سعت إلى خلق تقاليد علمية شكلت النواة الأولى للمحاضر الشنقيطية. ويُسجل التاريخ على أن المحاضر لعبت دوراً أساسياً في الوقوف أمام المد الاستعماري الاستيطاني والصمود أمام الاختراق التغريبي الذي انتهج للاستعماريون أسلوباً منه في محاولة سلخ الإنسان من انتمائه الثقافي والفضل في ذلك يعود إلى الدور الذي لعبه العلماء ومشايخ المحاضر وحضهم على مقاومة الاحتلال بكافة أشكاله وأنواعه.محمد أباه ولد عبد الله: إن الفترة الاستعمارية اللي عاشتها بلاد المغربي العربي كلها كان للمحضرة دوراً هاماً هي كانت بمثابة الأم الحاضنة لهذا الشعب، ولولا وجود هي المحاضر لكانت تأثير المستعمر أكبر من ما نتصوّر.حسن زيتوني: المحضرة الموريتانية أصبحت لا تقتصر على تحصيل العلم والمعرفة للموريتانيين وحسب، بل أصبحت تجلب اهتمامات طالبي العلم والمعرفة من دول أفريقية مجاورة وحتى من أوروبا والولايات المتحدة الأميركية، سنتابع ذلك بعد هذا الفاصل القصير ابقوا معنا.
[فاصل إعلاني]

عودة للأعلى

سيرجي وجيسيو بعد اعتناق الإسلام

حسن زيتوني: في النباغية وفي إطار هذه المهمة الخاصة عن المحضرة الموريتانية التقينا بمواطنين فرنسيين، أحدهما يدعى سيرجي والآخر يدعى جيسيو وفي النباغية بعد اعتناق الإسلام كلاهما وقع اختياره على اسم عبد الله.عبد الله (سيرجي): اسمي الحقيقي هو سيرجي التباغو ونلفظه باللغة العربية التبارو لفقد حرف الباء واخترت اسم عبد الله لجلاله، ثم الغريب أنني اكتشفت بعد ذلك معناه معنا السيرج بالفرنسية هو العبد، يأتي من الكلمة اللاتينية إخلاء سيرجيوس سيرجيوس معناه الخادم فيطلق على الخادم أو العبد فيقال له سيرجي، اكتشفت بعده فعبد الله إن شاء الله فيكون تناسق بين الاسمين حقيقةً.حسن زيتوني: قصة سيرجي واعتناقه للإسلام قصة رائعة تكشف أن الفرد في مناسبات عديدةٍ لا يتحكم في مصيره أو إرادته بنفسه، بل إن الصدف والظروف تلعب دوراً في توجهاته وما ينتهي الأمر إليه في حياته. سيرجي يقول لقد كان ورغم نشأته الكاثوليكية المسيحية في مجتمع فرنسي لم يكن مؤمناً بالله بل كما يقول كان ملحداً لا يؤمن بوجود قوةٍ إلهية تتحكم في مصير الإنسان وهذا الكون.عبد الله (سيرجي): أنا ما كنت راغباً في الإسلام ولا في أي دين من الأديان, كنت شديد الكفر ملحداً إلى أقصى حد ولكن الله شاء أمراً فقال له كن فكان، لذلك أنا أتيت المغرب وأنا منكراً لوجود الله تعالى، فأنا كنت في الجمارك في الحدود المغربية وكنت أتيت من إسبانيا صرت أتكلم مع رجل شرطي من الشرطة المغربية وكان يعلمني بعض الكلمات العربية كالخبز وشكراً والماء، فأمرني فجأة أمرني أن أشهد قال لي هل لك أن تقول كلمةً التي تدخلك في الإسلام عليك أن تقول أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً رسول الله، بكونه من الشرطة خفت أن يطردني من المغرب ويمنعني الدخول إذا لم أكن مطيعاً له فقلت في نفسي إذن سأطيعه فيما يريد, فقلت له نعم إن شئت قلت هذه الكلمات، قلت له: نعم، قال قل: أشهد، قلت: أشهد، فضرب في صدري وهكذا إلى آخر الشهادتين أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً رسول الله – صلى الله عليه وسلم – كل كلمة أقولها يضرب فيني يضرب صدري حتى ختمتهما ودخلت في المغرب، وكان ذلك جزاه الخير إذ جعلني أن أسلم، وأؤمن بالله فبعد شهرٍ تقريباً أكرمني الله بالإيمان وآمنت بالله ورسوله.حسن زيتوني: رحلة الإيمان بالنسبة لهذا الهيب الفرنسي كانت طويلةً، وبدأت حسب روايته على دراجة عادية اشتراها في باريس مع آلة العود أو القيثارة الموسيقية إذ كان مثل بقية أنصار الهيبي من عشّاق الموسيقى وعزفها.عبد الله (سيرجي): فاشتريت دراجةً هوائيةً كي أسافر عليها إلى أفريقيا، فسافرت إلى جنوب فرنسا وكنت أعمل في قطف العنب كان فصل قطف العنب ثم سافرت إلى إيطاليا وصقيليا ثم دخلت تونس، أنا دخلت تونس التزمت الصلاة وسجدت أول مرةٍ في تونس، فلما دخلت الجزائر فجاوزت الصحراء إلى النيجر ثم بعد دخولي في النيجر ذهبت إلى بيني ثم توغو ثم بروكينافوسو وحين كنت في بروكينافوسو صدف أن يكون أول يوم من رمضان فصمت أول مرةٍ في بروكينافوسو, ثم ذهبت إلى غانا وفي غانا بعت الدراجة والعود الذي كان معي كنت أضرب العود أحياناً ورجعت إلى فرنسا.حسن زيتوني: اعتناقه الإسلام كان مفاجئاً لوالديه الفرنسيين خصوصاً وأنه ترعرع معهما وكان يرافقهما وهو طفلٌ صغير إلى الكنيسة الكاثولوكية في باريس, وذلك أساء في بداية الأمر إلى علاقته بوالديه، الرغبة في تعلّم اللغة العربية قادته إلى سوريا أولاً حيث مكث هناك ستة أعوام كاملة، في محضرةٍ نباغية عكف عبد الله على الغوص في تعلّم أصول الفقه والدين خصوصاً وأن طموحاته كبيرة إذ ينوي العودة إلى فرنسا وتعليم هذا الدين إلى من يريد من الفرنسيين، وهذا الاهتمام يقول سيرجي لا يسمح له بمتابعة ما يجري من أحداث في العالم خصوصاً كل ما يمس ديار المسلمين مثل الوضع في أفغانستان والعراق وفلسطين، لكنه يشعر أن الإسلام كدين مظلوم ويدرك في الوقت ذاته أن أحد الأسباب الرئيسية في ذلك يعود إلى بعض المسلمين ممن أساءوا استخدام هذا الدين.عبد الله (سيرجي): الإسلام مظلوم، والمسلم قد يكون ظالماً وقد يكون مظلوماً، كيف يكون المسلم ظالماً؟ كأن لا يعمل بدينه فيكون ظالماً لنفسه وظالماً للآخرين.حسن زيتوني: والحل في نظره هو التحلّي بالعلم والمعرفة، وبالعيش مع طلبة محضرة النباغية ومعاشرته قرية النباغية تعلّم سيرجي مبدأ الزهد في الحياة والابتعاد تدريجياً عن ملذات الحياة ومادياتها.عبد الله (سيرجي): هذه الحياة المادية ما نتمتع به لله، نحن ما خلقنا للدنيا ولكن الدنيا خلقت لنا فلنأخذها وسيلةً إلى مرضاةِ ربنا.حسن زيتوني: جيسيو عبد الله مواطن فرنسي آخر من من فضّلوا العيش والاستقرار في النباغية برفقة عائلته التي أصبحت مكوّنة اليوم من ثلاث زوجات وستة أطفال أكبرهم سناً بنت اسمها مريم وعمرها تسعة أعوام تقريباً، ومن خلال استراحةٍ قصيرة تحت خيمة البادية الموريتانية أين يفضّل قضاء معظم وقته وهو يطالع الكتب ويعلّم أطفاله اللغتين العربية والفرنسية وجزءاً من الدين الإسلامي لمسنا أن أولاده كغيرهم من بقية أطفال اليوم يريدون استخدام ألعاب الفيديو ومشاهدتها وما يعرف بالبلي ستيشن وغيرها من الوسائل الترفيهية التعليمية التي وصلت إليها الاختراعات التكنولوجية اليوم، وعن طريقة تلقين وتعليم أطفاله يفضّل جيسي الليونة بعيداً عن الإرغام والتشدد.عبد الله (جيسيو): نعلّم الدين بطريق بالحب وبطريق الحق ليس بالأوامر والنواهي.حسن زيتوني: بُعد موريتانيا عن وطنهم الأم فرنسا لم يمنع جيسيو والذي ينحدر هو الآخر من عائلةٍ كاثوليكية ملتزمة من مواصلة الاتصال بعائلته في فرنسا رغم أن أمه كما يصفها نصرانية متشددة.عبد الله (جيسيو): أمي نصرانية شديداً، هي ما شاء الله تذهب في الكنيسة كل يوم اثنين وثلاث مرات في اليوم الواحد.حسن زيتوني: يجد جيسي صعوبةٌ في التعبير عن ما يقول فيضطر إلى استخدام لغة لسانه الأولى الفرنسية.عبد الله (جيسيو): علاقتي بوالداي جيدة وآمل دائماً أن تكون مبنية على الحب والإخلاص, وأن نتوحد أكثر وأن لا نكون مفرقين، وأن لا نكره بعضنا بعضاً.حسن زيتوني: ومن علاقته بوالديه انتقلنا لمسائلته عن علاقته بزوجاته الثلاث.عبد الله (جيسيو): ليس لنا مشاكل وليس لنا بيننا الحكم وبيننا حديث ونحن نحبنا بعضنا البعض ونعيش هكذا.حسن زيتوني: مثل سيرجي فإن جيسيو عبد الله لا يولي اهتماماً كبيراً لما يدور في العالم من أحداث وتطورات، لكنه يتمنى فقط أن يسود الأمن والسلام في العالم, ويعرف جيسيو أن الإسلام الصحيح ينبذ العنف وأن سنة الحياة تقتضي أن تتعايش الأديان والعرقيات مع بعضها البعض في أمن واستقرار.عبد الله (جيسيو): في الاختلاف الرحمة, والحمد لله الأجناس مختلفة الأجناس مش بسبب التعرّف نتعرّف بعضنا مع بعض ونصبر على بعضنا البعض, ونتعلّم من بعضنا البعض هذا مهم مهم في الحياة.حسن زيتوني: غير أنه خلال حديثه معنا لم يخفِ سيرجي انشغاله بقضية منع المسلمات من ارتداء الحجاب في المدارس الفرنسية، ويقترح حلاً على الجالية المسلمة الفرنسية باستخدام المدارس الخاصة التي يقول إنها متوفرة في بلاده، وبمناسبة وجودنا في النباغية أردنا أن نمتحن سيرجي إن كان يفعل ما يقول، فطلبنا الجلوس والتحدث معه إلى زوجاته، لم يتردد وعرفنا بزوجته الأولى التي تزوجها في فرنسا قبل عشرة أعوام خلت اسمها الفرنسي كريستال واليوم تدعى عائشة.عائشة (كريستال): اسمي كريستال وأنا فرنسية ولدت وترعرت في فرساي بضواحي باريس وخلال عطلة الصيف التقيت بزوجي جيسي على شاطئ البحر وعدنا بعدها معاً إلى باريس لتبدأ علاقتنا معاً.حسن زيتوني: والغريب في الأمر أن كريستال تؤمن بتعدد الزوجات عند الرجل المسلم كما تقول, ولا ترى مشكلةً في العيش مع بقية الزوجات.عائشة (كريستال): كل شيء يجري على ما يرام إن شاء الله وليس هناك حب واحد، ولكن هناك زوج وهو يعامل كل واحدة منا باحترام ومن دون تمييز، ويعطي حبّه للزوجة الأولى والثانية والثالثة, وكل امرأة تنتظر شيئاً مختلفاً من زوجها.حسن زيتوني: وتذهب إلى حد الاعتراف إلى أنها منشغلة حالياً بالبحث عن زوجةٍ رابعةٍ لزوجها.عائشة (كريستال): قد يكون ذلك غريباً أنني أكبر من زوجي سناً وقبل أن أتزوج، وعندما تعرفت عليه درست كتب الدين الإسلامي ووجدت أن تعدد الزوجات مسموح به، وبعد الزواج ناقشنا هذا الموضوع وقبلت بفكرة زواجه مرةً أخرى كنت على علم مسبق بذلك.حسن زيتوني: ومن خلال هذا الحديث مع سيرجي وجيسيو وكريستال يمكن القول بأن هؤلاء الأجانب يستفيدون كثيراً من المحاضر في تعلّم مبادئ الدين، إلا أنهم في الوقت ذاته يحملون معهم أفكاراً وتصورات غريبة قد تساعدنا نحن كعرب أن نتجاوز الكثير من الأمور التي ما زالت تعقد حياتنا، وذلك بسبب التقاليد المتحجرة أحياناً وفهم خاطئٍ للدين أحياناً أخرى. أخيراً ومع انتهاء مهمتنا الخاصة في قرية نباغية في موريتانيا يمكن القول بأن المحضرة قد تجد صعوبةً كبيرةً في الاستمرار رغم أنها صمدت لقرون طويلةٍ أمام مختلف التغيّرات التي طرأت على مناهج التعليم وأساليبه، خصوصاً في ظل استخدام واسع ومكثف لتكنولوجيا حديثاً مثل الكمبيوتر وشبكة الإنترنت مثلاً، البعض قد يقول بأن عهد المحضرة قد ولّى وزال, ولكن المحضرة صمدت طويلاً واستمرارها وبقاءها يظل مرهوناً بمدى الدعم المادي والمعنوي الذي يمكنها أن تحصل عليه, حسن زيتوني، مهمة خاصة، من موريتانيا, إلى اللقاء.

عودة للأعلى