مناقشة الفيلم الوثائقي النكسة "ما بعد الحرب" طاهر بركة: تحية لكم مشاهدينا الكرام من جديد, نتابع في هذه الحلقة من مشاهد وآراء، حتى الآن لا زلنا في هذه المنطقة من العالم نعيش آثار حرب الخامس من حزيران للعام 1967 من المشكلات الناجمة عن الأراضي العربية التي احتُلت آنذاك إلى القرى التي أُزيلت إلى مئات الألوف من الفلسطينيين والسوريين الذين نزحوا عن أراضيهم, والأخطر من هذا المتغيرات السياسية والعقائدية والنفسية عربياً وإسرائيلياً الناجمة عن تلك الحرب التي هُزمت فيها أقوى الجيوش العربية في ستة أيام.
في ستة أيام اضمحل المارد العربي وتحوّل مقعداً مثخناً بجراح ما زال يعاني منها إلى اليوم, بالمقابل وجد الفأر الإسرائيلي نفسه قوة إقليمية بل وعالمية لا تقارن, وما زال حتى الآن يحاول الحفاظ على هذه الصورة بأي ثمن.
ما الذي بقي من حرب حزيران أو النكسة كما سماها العرب؟ وما الذي تغير؟ هذا هو موضوع حلقتنا من مشاهد وآراء لهذه الليلة فأهلاً بكم.
أرحب بضيوف هذه الحلقة من القاهرة السيد عبد الله السيناوي هو رئيس تحرير جريدة العربي الناصري, وينضم إلينا من بيروت السيد حلمي موسى الكاتب والمحلل السياسي, وأيضاً من واشنطن ينضم إلينا الكاتب الصحافي سلامة نعمات, أهلاً بكم جميعاً وأبدأ تباعاً كما عرفت بكم مع السيد السيناوي من القاهرة, قبل أن نبدأ بعرض مقاطع هذا الفيلم تباعاً أيضاً, سيد سيناوي هل النكسة لا زالت حية فينا؟ هل لا زلنا نعيش هذه الخسارة النكسة كما سماها العرب؟ تداعياتها آثارها هل لا زلنا نشهدها حتى الآن في العالم العربي؟ أم أن عامل الزمن جعلنا نتخطاها قليلاً؟
عبد الله السيناوي: نعم, يعني في البداية دعنا يعني نتأمل تعبير النكسة, النكسة معناها أنه كان لديك مشروعاً قومياً كبيراً, كانت لديك أحلام كبرى ثم انتكست, أي أن مشروعك قد تعرض لضربة قاتلة. التعبير العسكري أننا قد تعرضنا إلى هزيمة وهي هزيمة فادحة وغير مبررة على أي نحو وتجاوزت كل..
طاهر بركة: وهذا لا ينطبق على السياسي أيضاً في الموضوع؟
عبد الله السيناوي: لا, نعم فتعبير النكسة أن مشروعك قد تعرض لضربة كبيرة لكنك لم تُهزم, الهزيمة تعني هزيمة سياسية طبعاً هناك هزيمة عسكرية كبيرة, الهزيمة السياسية أن تقبل بنتائج العمليات العسكرية, لكن ما حدث أن المصريين بالتحديد يعني رفضوا الهزيمة وفوضوا جمال عبد الناصر بإزالة آثار العدوان, وكانت يعني مئات الملايين وجرى حشد الجيش المصري ودخلنا معارك عسكرية في رأس العيش بعد خمس أيام من النكسة العسكرية, ثم إن الفيلم الوثائقي هناك خطأ إستراتيجي في بنائه أنه قد تجاهل حرب الاستنزاف الطويل الست سنوات, بدأت فور الهزيمة العسكرية وامتدت حتى حرب أكتوبر أي أنها كانت بروفا حرب أكتوبر وهي حرب أوجعت إسرائيل وكانت لها..
طاهر بركة: طيب سنعود إلى تفاصيل الفيلم سيد سيلاوي تفاصيل الفيلم سنعود إليه تباعاً, ولكن أرجو أن يعني أبقى في هذه النقطة تحديداً لأحولها أيضاً إلى السيد سلامة نعمات من واشنطن, هل لا زلنا نعيش النكسة؟ هذا السؤال المحدد أرجو أن تبقى في إطاره.. هل لا زلنا نعيش هذه التداعيات الآن؟
سلامة نعمات: لا شك أننا نعيش هذه التداعيات وهناك أمثلة تبعت النكسة, ومن الملاحظات أننا طالما بعد أربعين عاماً ما زلنا نسميها النكسة وهي أقرب إلى الكارثة, فهو مؤشر آخر على أننا ربما لم نتعلم كثيراً مما حصل, وإذا نظرنا إلى تطورات المنطقة في السنوات الأخيرة وما شهدناه ونشهده يومياً الآن في الأراضي الفلسطينية حركة حماس الصواريخ التي تطلقها دون جدوى إلى إسرائيل, ثم يدفع الفلسطينيون ثمن الدمار الهائل الذي تأتي به الآلة العسكرية الإسرائيلية, هذا يعني بأننا ربما بعد أربعين عاماً لم نتعلم, النكسة إذا أردت أن تسميها نكسة أو كارثة ما زالت قائمة وندفع ثمنها يومياً.
طاهر بركة: طيب سيد حلمي موسى الآن من بيروت, بالنسبة إلى العرب سميت نكسة ولكن بالنسبة إلى الإسرائيليين, كانت انتصاراً لنقل عسكرياً على الأقل في البداية باحتلال الأراضي العربية طبعاً المعروفة في عام 67, هذه الثقة التي منحتها حرب 67 إلى الإسرائيليين كيف قلبت المعادلة في الشرق الأوسط آنذاك؟ وكيف نعيش آثارها حتى اليوم إسرائيلياً وعربياً؟
حلمي موسى: يعني أعتقد بأن حرب عام 67 كانت حدث تكويني إذ أنه أظهر ربما الفارق النوعي القائم بين ما كان يُبنى من مشروع عربي, وما أفلحت إسرائيل في بناؤه من مشروع صهيوني في المنطقة, إسرائيل كان لديها نموذج لدولة حديثة لم يكن حتى في المشروع العربي سوى أمنية لبناء مشروع دولة حديثة, كل ما جرى في اعتقادي كان مرتبط على هذا الصعيد, النكسة أتفق تقديري في التسمية وهي تسمية معنوية أرادت الإيحاء بأن كان هناك مشروع قومي متقدم, وأن هذا المشروع تراجع ولكنه سوف يتقدم إلى الأمام, وهو بخلاف ما سُميت نكبة حينما كان العرب قدريين إيمانيين أكثر مما كانوا سنة 67 لذلك سموها نكبة, ولكن أعتقد أن جوهر الصراع لا يكمن في التسميات بقدر ما يكمن في قراءة الوقائع, أعتقد أن حرب 67 لا زالت سارية فينا حتى وإن كان هناك جزء معين يتعلق بمصر واستردادها لأرضها, أعتقد بأن ذلك ربما غيّر بعض الشيء, ولكن بالجوهر حتى باتفاقية كامب ديفيد التي أعادت الأرض إلى مصر تم هناك تقييد معين وهو نابع من آثار حرب 67 التي غيّرت كل المعطيات, لو رأينا على سبيل المثال بالفيلم جمال عبد الناصر وهم يتحدث عن الحق الفلسطيني, وكيف تقريباً انتهى الحديث عن هذا الحق لاحقاً. لذلك حرب 67 حدث تكويني من الدرجة الأولى في التاريخ العربي.
طاهر بركة: ولا زلنا يعني وفقاً لهذا الإجماع نشهد تداعياته حتى الآن, يعرض الفيلم الوثائقي إضافة إلى مسار الحرب يعرض لتأثيراتها على التوجهات والخيارات السياسية والعقائدية في المنطقة, نتابع.
[مقطع من الفيلم الوثائقي]
التعليق الصوتي: حلم أمة عربية جبارة وموحدة, ماتت تلك الفكرة في ستة أيام فحسب, فخسر عبد الناصر جيشه وسلاحه الجوي وحلمه.
طاهر بركة: كان هذا المقطع الأول سيد السيناوي هل مات فعلاً هذا الحلم؟ هل يجب.. وفقاً لما يجري الآن في العالم العربي هل يعني قدّر له ألا يعيش من جديد بعد هذه الأيام الستة؟
عبد الله السيناوي: يعني بطبيعة الحال المشروع القومي العربي انكسر في عام 67 لكنه لم يمت بطبيعة الحال, وأنا أريد أن أسجل أن البرنامج الوثائقي الذي عرض تجاهل حرب الاستنزاف, تجاهل فكرة المقاومة, تجاهل أن مصر قامت وخرجت وانتصرت, لكن ما حدث أننا قد أهدرنا نتائج النصر, وبالتالي كان يمكن إحياء المشروع القومي بصورة جديدة, لكن ما يسميه الأستاذ نعمات أننا لم نتعلم, ما حدث أننا نتبنى الآن الخطاب الإسرائيلي, الإسرائيليون أكثر موضوعية عندما يتناولون نتائج حرب حزيران, يقولون الآن يعني يوسي بيلين أو ساريد يتحدثوا أكثر واقعية من السيد نعمات, يقولون أنها كانت كارثية لأنها وضعتنا في صراع طويل..
طاهر بركة: السيد سلامة نعمات الخطاب الإسرائيلي أكثر موضوعية من الخطاب العربي في هذا الإطار دعه يرد عليك لو سمحت؟ سيد سلامة نعمات؟
سلامة نعمات: يعني أنا يعني أتمنى لو أنه صحيح الكلام بأن الحلم ما زال قائماً وأن.. أنا أعتقد أننا يجب أن نفرق عندما نتحدث عن الأنظمة العربية الحاكمة أم نتحدث عن الشعوب أنا أعتقد أن..
طاهر بركة: لا يزال قائماً عند الشعوب تعتقد وغير قائم عند الأنظمة؟
سلامة نعمات: أنا أعتقد أن الأنظمة فقدت الأمل بفكرة الوحدة العربية, ربما كان صدام حسين آخر من وضع مسماراً في نعش مشروع الوحدة العربية, عندما أراد أن يوحد الأمة العربية بالقوة, نظاماً دكتاتورياً أراد أن يضم.. سعى إلى ضم الكويت وشن الحروب وفتح القبور الجماعية لشعبه باسم القومية العربية وباسم الوحدة العربية, أعتقد أن غالبية شعوب المنطقة ولدت بعد حرب عام 1967 ليست مسؤولة عن هذه الهزيمة, ولكنها ليست قادرة بمعنى أنها ليست متمكنة من تقرير طبيعة الأنظمة التي ستحكمها بسبب غياب الديمقراطية, طبعاً بدرجات متفاوتة بين الدول العربية. أعتقد أن من أهم أسباب الانتصار الإسرائيلي والهزيمة العربية هو أن إسرائيل كانت دولة ديمقراطية, كانت هناك وسائل المسائلة والمحاسبة, كان هناك مسؤولون يدفعون الثمن عندما يفشلون. ولكن كما شهدنا في حال عبد الناصر عبد الناصر هُزم هزيمة ساحقة وبقي في السلطة بقي رئيساً للجمهورية..
طاهر بركة: إذن سيد السيناوي كيف تقول.. سأعود إليك سيد سلامة نعمات.. سيد السيناوي كيف تقول بعد كل ما نسمعه بأن الحلم قد يكون لا يزال قائماً بالنسبة إلى العالم العربي بعد كل هذه الانتكاسات, بعد هذه النكسة تحديداً التي نتحدث عنها؟
عبد الله السيناوي: نعم يعني أنا إذا عدنا إلى البرنامج الوثائقي أنا أقول مرة أخرى أن الإسرائيليين كانوا أكثر موضوعية وتعاطفاً, ربما يعني مما يقول السيد نعمات. هم يقولون بنص البرنامج أن هذه الحرب كانت حرباً على الهوية, فأنا موقفي أنا عربي أنا فلسطيني أنا مصري أنا قد هُزمت, أنا قد قررت أن أقاوم لا أستسلم للمشروع الصهيوني, حزب الله قام وانتصر على إسرائيل وفقاً لتقرير فينوغراد إسرائيل قد أخفقت, إذن أنا أستطيع أن أقاوم, غزة لا زالت صداعاً في عقل ووجدان وأمن إسرائيل, إسرائيل اليوم قتلت 6 شهداء أو 8 شهداء فلسطينيين لا يمكن أن أكون إسرائيلي أكثر من إسرائيليين, نعم أخطأنا نعم..
طاهر بركة: أنت تقول يعني من هو الإسرائيلي أكثر من الإسرائيليين سلامة نعمات؟ أنت تقصد سلامة نعمات في حديثك عمن تتحدث؟ سلامة نعمات؟
عبد الله السيناوي: نعم.. نعم..
طاهر بركة: سلامة نعمات إسرائيلي أكثر من الإسرائيليين؟
عبد الله السيناوي: نعم.
طاهر بركة: سيد سلامة نعمات هل لك أن ترد؟ أنا لن أدافع عنك يعني تفضل أنت موجود..
سلامة نعمات: نعم هناك فرق كبير.. يعني أريد أن أقول هنا أن هناك فارق كبير بين التمنيات وبين الواقع, إذا أردنا أن نعالج المشكلة التي أدت إلى الهزيمة أو ما يسمى بالنكسة, علينا أولاً أن نشخص طبيعة المرض, طبيعة أسباب الضعف الذي أوصلنا إلى ما أوصلنا إليه حتى نتمكن من إعادة بناء القوة, هذا الكلام الواقعية في تقييم الوضع القائم والنظر في كيفية معالجة أسباب الهزيمة, هي بداية تحقيق النصر. وأعتقد أننا لم نفعل ذلك, وأنا أشير هنا بهذه المناسبة أشير إلى أن المسؤولين عن الهزيمة ما زال ينظر إليهم كأنهم أبطال في العالم العربي, نتطلع إلى ما تفعله حماس الآن وطبعاً هذا ليس قبولاً بالنظرية الإسرائيلية بقضية القبول والاستسلام..
طاهر بركة: طب هو قبول بماذا سيد سلامة؟ إذا كنا سندين حماس وسندين حزب الله وسندين كل الحركات هذه في العالم العربي هذه لماذا؟ لماذا دائماً نسميها واقعية؟ لماذا نسميها دائماً أمن عربي لماذا؟
سلامة نعمات: أنا لا أتحدث عن الأنظمة هنا أنا أتحدث عن واقع, الواقع يقول بأنك يجب ألا تخوض حرباً ما لم تكن مستعداً لها ولك فرصة على الأقل 51% من الفوز في هذه الحرب, عندما تتحرك حماس وتطلق صواريخ لا جدوى سياسية لها ولا جدوى عسكرية لها, وتأتي برد فعل من الإسرائيليين مدمر للفلسطينيين وتضعهم في حصار وتجويع لا طائل من ورائه, لن يحرر ذلك فلسطين. يجب علينا أن ننظر بطريقة أخرى لإدارة الصراع, الأراضي الفلسطينية التي استعيدت بعد اتفاقات أوسلو استعيدت بالتفاوض, عندما لا تكون جاهزاً وقادراً عسكرياً على خوض المعركة يجب عليك أن تخوض حرب الدبلوماسية والحرب السياسية..
طاهر بركة: جيد, سيد حلمي موسى.. لو سمحت سأعود إليك سيد سلامة نعمات.. سيد حلمي موسى من بيروت يعني خطاب السلام هو الطاغي الآن, كل يعني الحروب التي مرت, الخسائر العربية التي شهدناها ولكن خطاب السلام هو الذي يعم الآن, حتى عندما تقصف إسرائيل عندما تقتل خطاب السلام يكون هو الطاغي على ألسنة السياسيين العرب, ماذا أو لنقل لماذا لا يحق لهذه الشعوب العربية أن تحلم من جديد؟ هل الخسائر العربية في الحروب الماضية هي السبب؟ أم ماذا تحديداً. أم أنه يعني السلام الذي يريده البعض من العرب والذي لا يريده البعض الآخر وثم نتحدث من جديد عن المشروعين في العالم العربي؟
حلمي موسى: يعني أعتقد أن هناك مشكلة ربما أعمق من الهدف, المشكلة تكمن بالوسيلة, لدينا ربما أردنا الحرب ولم نخضها بشكل جيد ولم نستعد لها بما كان كافياً, أردنا السلام ولم نخضه بشكل جيد ولم نستعد له بشكل مناسب, أعتقد أن المشكلة تكمن هنا في مسألة الحلم العربي بالوحدة, ربما الحلم كان في اعتقاد الناس كان يقينياً كانت الناس تؤمن بأن هذا هو الواقع وهذا ما يجب أن يحدث فقط لأننا نريد أن يحدث ذلك, اليوم الحلم العربي بالوحدة بات يستند إلى إدراك متزايد ومتعمق بالمصلحة رغم كل ما نراه الآن, عندما نرى العالم كله يتحد, أوروبا التي خاضت حروب هائلة ضد بعضها البعض وتناحرت وقتلت الملايين, أكبر الحروب جرت في التاريخ في أوروبا وأوروبا اليوم موحدة, أعتقد أن كل من يفكر بأن الحلم العربي بالوحدة هو حلم بعيد المنال يعني لا أريد أن أقول كلاماً كبيراً.. ولكن لا يدرك المصالح القائمة بين شعوب هذه المنطقة إن لم نعتبرها شعب واحد أو أمة واحدة, أعتقد بأن هناك إدراك متزايد لهذه المصلحة, لم نرد الوحدة العربية فتفرقنا إلى أقطار, صرنا أقطاراً غير موحدة في داخلها إلى مذاهب وإلى حمائل وإلى جهات وإلى مدن وقرى, أعتقد أننا نحن بحاجة إلى عنصر توحيدي كبير..
طاهر بركة: سنعود إلى هذا الموضوع سيد حلمي.. سأتابع في هذا الموضوع الآن في هذا الفيلم بالأحرى ندخل في الشق التقني أكثر, الفيلم الوثائقي الذي تابعناه يحمل العرب المسؤولية عن الحرب بالتحديد الرئيس جمال عبد الناصر.
[مشهد من الفيلم الوثائقي]
التعليق الصوتي: من جهته تحقق عبد الناصر من المعلومات السوفيتية, ولم يجد أي قوات إسرائيلية على الحدود السورية, كان يمكن تفادي الحرب لكن التعبئة المصرية أثارت العالم العربي.
طاهر بركة: سيد سيناوي من القاهرة, حُكي كثيراً عن يعني الضعف السياسي حينذاك الذي كان سبباً في الحرب, الضعف السياسي نتحدث عن التقييم هنا أو ضعف التقييم العسكري أو عدم الجهوزية العسكرية, تم الحديث كثيراً في هذا الموضوع ,ولكن سياسياً ما الذي حصل آنذاك؟ لماذا دُفع بالعرب؟ لماذا دُفع بالمصريين آنذاك لتحمل مشقة كان بالإمكان يعني تخطيها في ذلك الوقت؟
عبد الله السيناوي: يعني في حقيقة الأمر الجهوزية العسكرية لم تكن موجودة, ومستوى كفاءات القيادات العسكرية كان متردية للغاية, وكانت هناك الكثير من التخبط في إدارة العمليات, لكن أيضاً كانت هناك بطولات مصرية لجنود مصريين وقادة مصريين منهم الفريق سعد الدين الشاذلي, أيضاً جرى الحديث بقدر من الاستخفاف عن الجنرال الذهبي الشهيد عبد المنعم رياض وهو واحد من القادة العسكريين العظام, والذي وضع التخطيط الإستراتيجي للانتصار في حرب أكتوبر..
طاهر بركة: طيب ما الذي حصل إذن؟ بعد كل ما تقول لماذا خيضت الحرب؟
عبد الله السيناوي: نعم, فهناك أخطاء في الجهوزية العسكرية هناك أخطاء في المؤسسة العسكرية, وهناك أخطاء في الإدارة السياسية للحرب بلا شك, لذلك جرى دفاع إلى الكمين الذي كان يُعد وهناك.. هناك كميناً لضرب المشروع النهضوي العربي, ويعني وضرب مصر في صميم مشروعها التنموي وإضعافها وإنهاء التجربة الناصرية هذا كان جزءاً أساسياً في التخطيط, حصل أخطاء في التقدير السياسي يتحملها جمال عبد الناصر, وفيه أخطاء عسكرية يتحملها القادة العسكريون هذا لا شك, والرئيس عبد الناصر نفسه اعترف يعني بمسؤوليته عن الهزيمة, وأعتقد أنها وجع قلبه الكبير, أنا أعتقد وفي المشهد أنا أعتقد أنه كان الأسد الجريح, لكن التعبير الذي قيل مؤذي ولا أوافق عليه أنه كان ضعيفاً طبعاً كان عنده مرض صحي, لكن لم يكن ضعيفاً سياسياً لأنه أخذ تفويضاً ضخماً وهائلاً من الشعب العربي ومن الشعب المصري بإزالة آثار العدوان, وأخذ الأمر على محمل الجدية وبدأ فوراً في حرب الاستنزاف وتغيير القيادات العسكرية, وجاب الفريق الأول محمد فوزي قائداً للجيش والفريق..
طاهر بركة: يعني كان هناك تعبئة لنقل شعبية تعبئة سياسية لم تكن مبنية على قواعد سليمة على شيء, وهذا ما أدى إلى ما حصل. يعني هناك احتلال لأراضي عربية نازحون مشردون قتلى جرحى إلى ما هنالك كل ما نعرفه عما حصل؟
عبد الله السيناوي: نعم هذا كله يعني طبعاً يعني يتحمل بصفته الرئيس جمال عبد الناصر وهو يعترف بذلك, لكن أردنا أن نتحرك ودخلنا واستعددينا للحرب ودخلنا ثم انتصرنا, ثم أُهدرت بمنطق الواقعية السياسية الذي يقال نحن مع الواقعية السياسية, لكن هذه الواقعية السياسية لا تعني التسليم..
طاهر بركة: طيب ألم يثبت ما حصل أن الواقعية السياسي هي الحل هي الأفضل.. ألم يثبت ما حصل أن الواقعية هي الحل بعد كل هذه الحروب التي خاضتها الشعوب العربية؟
عبد الله السيناوي: أي نوع من أنواع الواقعية؟ لا طبعاً أي نوع من أنواع الواقعية السياسية..
طاهر بركة: أي نوع؟ سيد سلامة أي نوع من الواقعية كنت تتحدث عنها؟
عبد الله السيناوي: لكن أنا..
طاهر بركة: أسأل سيد سلامة..
سلامة نعمات: أنا أتحدث عن الواقعية.. يعني الواقعية تقول بأنه يجب ألا تخوض حرباً إلا إذا كانت لك فرصة متكافئة للفوز فيها, بمعنى آخر عندما تذهب إلى الحرب وأنت لست قادراً فأنت ترتكب انتحاراً جماعياً يدفع ثمنه الشعب, الأنظمة العربية كانت تشن حرباً في عام 67 كانت تعرف تلك الأنظمة.. ربما بعض تلك الأنظمة.. كانت تعرف أنها ستهزم ولكنها ذهبت على أمل أن هناك معجزة ستحصل وتنتصر في هذه الحرب, هذا لا يجوز. المشكلة الكبيرة هي أننا لم نتعلم اليوم مما حدث قبل 40 عاماً, اليوم ما زال هناك من يعتقد أن ميليشيا مسلحة هنا وهناك ستحرر فلسطين, وأنها ستعيد الكرامة العربية هذا الكلام ليس وارداً..
طاهر بركة: سنتحدث بعد الفاصل عما إذا كانت هذه الحركات أثبتت ما تقول أو أثبتت العكس سيد سلامة نعمات, سنعود بعد هذا الفاصل القصير لنتابع الفيلم الوثائقي ومناقشة هذا الفيلم أيضاً النكسة "ما بعد الحرب", أرجو أن تبقوا معنا.
[فاصل إعلاني]
طاهر بركة: تحية لكم من جديد أتابع معكم في برنامج مشاهد وآراء والفيلم الوثائقي النكسة "ما بعد الحرب" بحسب هذا الفيلم فإن المصريين كانوا على اقتناع كامل بأنهم سينتصرون في الحرب, تابعوا معنا.
[مشهد من الفيلم الوثائقي]
إندار جيت ريكيي (قائد قوات الطوارئ التابعة للأمم المتحدة 1967): شرقاوي الذي كان قائد الارتباط المصري وقال لي إنه اضطر إلى الاتصال من المقر العام في القاهرة.
التعليق الصوتي: ذلك اليوم نقل العميد شرقاوي رسالة من عبد الناصر طلبت انسحاب قوات حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة من مواقعها على طول الحدود, إذ في حال نشوب حرب قالت مصر إنها لا تستطيع ضمان سلامة قوات الأمم المتحدة.
إندار جيت ريكيي (قائد قوات الطوارئ التابعة للأمم المتحدة 1967): كانت ردة فعلي هادئة للغاية وقلت: سأبلغ الأمين العام بذلك وأطلب تعليماته, ثم قال شرقاوي: لكن يا سيدي ما رأيك بذلك؟ فكرت سريعاً وأجبته: هل فكرتم بعواقب هذه المشكلة؟ هل درستم الأمر؟ كيف ستواجهون إسرائيل بعد إرسال قواتكم إلى الحدود ورحيل قوات الأمم المتحدة؟ ماذا ستكون ردة فعل الإسرائيليين؟ فقال: سيدي سأجتمع بك في تل أبيب على الغداء لاحقاً.
طاهر بركة: أتابع إذن في النقاش, سيد حلمي موسى من بيروت هل علينا أن نصدق أن يعني نؤمن 100% بأن كل ما حصل كان مجرد تعبئة إن كانت شعبية أو سياسية, ومن ثم يقال لنا لقد أخطأنا؟
حلمي موسى: أعتقد بأن هناك سوء تقدير كان واضح لدى القيادة السياسية المصرية ولدى الرئيس جمال عبد الناصر, أعتقد بأن الجمهور العربي وخصوصاً الجمهور المصري لم يكن يدرك فوارق القوة ربما التي أشرت إليها في البداية, أن إسرائيل بنيت كدولة لديها نموذج واضح ونموذج مجرب, في حين أن التجربة العربية لبناء الدولة لم يكن لديها ذلك النموذج, كانت تحاول أن تبني بتجربتها الخاصة نموذجاً خاصاً, الإسرائيليون لم يبنوا نموذجاً خاصاً, وكان هناك أيضاً نقطة أخرى مهمة في اعتقادي وهي أن إسرائيل مبنية في الأساس على قاعدة نظرية أمن قومي, تقول بجاهزية الجيش الإسرائيلي أو وجوب أن يكون الجيش الإسرائيلي جاهزاً طوال الوقت للحرب على كل الجبهات, لأنه من دون ذلك لا يمكن أن تتحقق لإسرائيل إمكانية البقاء, والنقطة الثالثة المهمة في اعتقادي هي الجهل, إسرائيل كانت تعرف تقريباً كل ما يدور فينا تعرف حقيقتنا, في حين أن النظام العربي الرسمي عملياً جهّل العربي بإسرائيل تجهيلاً تاماً, وربما جهلنا بعدونا دفعنا لأن نكون جاهلين لأنفسنا, عندما أسمع هذا التعبير وأعتقد أنه صادق من قبل قائد القوات الدولية لرأي ضابط مصري عميد في ذلك الوقت, أعتقد أنه صادق, ولكن هذا كان الشعور الذي كان قائماً في ذلك الوقت لحساب بسيط للقوة من دون حساب الحقيقي للقوة النارية وما شابه, إسرائيل خاضت كل الحروب تقريباً ولديها في الميدان قوات أكبر من القوات التي تواجهها من الجانب العربي.
طاهر بركة: سيد سيناوي هل من المنصف القول بأن يعني هذه النكسة جعلت العرب جعلت المصريين تحديداً أكثر يعني لنقل ارتداداً, أكثر بعداً عن هذا الموضوع عن موضوع الحروب, يعني صحيح في 73 من بعد 67 واسترداد سيناء, ولكن إلى أي مدى بات المصريون أكثر واقعية في التعامل وأكثر حذراً في التعامل مع إسرائيل في أي حرب مستقبلية نتحدث عن السابق طبعاً؟
عبد الله السيناوي: هذا ما أرادوه أن يحدث لاحقاً, لكن ما حدث في أعقاب 67 كان مفهوم الواقعية السياسية وإزالة آثار العدوان, إعادة بناء القوات المسلحة من تحت الصفر, خوض حرب استنزاف طويلة, تعبئة الموارد العامة من أجل يعني هدف قومي متفق عليه إزالة آثار العدوان, يعني وما حدث من نكسة حقيقية يعني هذا ما كان مطلوباً, وأعتقد أن مصر بشكل أو بآخر نجحت في بعد حرب استنزاف وفي حرب أكتوبر من تحقيق الهدف العسكري, لكن جرى توظيفه سياسياً لأهداف الواقعية السياسية والصلح مع إسرائيل والتسليم لإسرائيل بما لم تستطع أن تحصل عليه بالقوة, هذا هو مفهوم الواقعية السياسية الذي أريد, جرى في إطار هذا.. مش ممكن بعد أربعين سنة وبعد انتصار أكتوبر نتكلم عن تكريس الهزيمة في الوجدان العربي كأننا أمة.. نعم أخطأنا وأجرمنا قل زي ما أنت عاوز, لكننا قمنا من الرماد وبنينا قوات مسلحة وانتصرنا, ماذا يحدث الآن باسم السلام بعد أربعين سنة؟ يعني ماذا يحدث في أنابوليس؟ ماذا يحدث في فلسطين؟ مشروع بوش الأخير لتعويض اللاجئين, ضم المستوطنات, يعني هذا هو حصاد الواقعية السياسية, عندما لا تملك القدرة على التحدي وعلى أن تبني قوتك الذاتية وأن تدافع عن ثوابتك ومصالحك فأنت تُسحق بالأقدام كما يحدث حالياً بالضبط ثم يعطوننا دروساً أننا لم نتعلم من النكسة..
طاهر بركة: إذن كيف قمنا ما دمنا نسحق بالأقدام حتى الآن؟ كيف قمنا بعد 67؟ ألا زلنا في النكسة في آثار هذه النكسة كيف قمنا كما تقول بعد هذه النكسة؟
عبد الله السيناوي: لا قمنا بالانتصار العسكري في..
طاهر بركة: في 73 نعم..
عبد الله السيناوي: 73 ثم أُهدرت النتائج العسكرية للحرب بإدارة سياسية رديئة للغاية, يعني أوصلتنا إلى أن نسلم بما تريده إسرائيل وتفتح..
طاهر بركة: سيد سلامة نعمات هل توافق يعني على أن الإدارة السياسية ما بعد 73 هي التي أدت إلى تحويل هذا الانتصار لنقل؟
سلامة نعمات: أنا أعتقد لا أختلف في الوقائع طبعاً, ولكن أنا أعتقد أن الأراضي المصرية تحررت بسبب مفاوضات السلام, مفاوضات كامب ديفيد السلمية التي أفضت إلى تحرير كافة الأراضي وكل شبر من الأراضي المصرية, لم تكن الحرب بحد ذاتها التي حققت هذا الهدف ولكن المفاوضات السلمية, كذلك الأمر ينطبق على الأردن الذي استرجع أراضيه المحتلة من خلال مفاوضات أفضت إلى معاهدة سلام, وبالتالي إذا أردنا أن ننظر إلى الصورة الكبيرة للتحول منذ نكسة عام 67 هو أن الأنظمة العربية تخلت عن المشروع التوحيدي القومي الكبير, وبدأت تغلب المصلحة الوطنية على المصلحة القومية, ربما لا يكون ذلك انتقل وانتشر بين الناس بشكل عام الذين ما زالوا يملكون الحلم ضمن ظروف ربما أفضل مما نعيش اليوم, ولكن الأنظمة العربية قررت تغليب المصلحة الوطنية, وبالتالي تم التفاوض بشكل منفصل مع إسرائيل لاسترجاع الحقوق العربية والأراضي العربية المحتلة, ولكن الفلسطينيين كما شهدنا بسبب الأوضاع المختلفة على الأرض والأولويات الإستراتيجية المختلفة بالنسبة لإسرائيل, ما زالوا يسعون لتحرير أراضيهم, ولكن مفاوضات السلام ما زالت مستعصية, وكما نشهد الآن انقسامات في الجانب العربي أيضاً تساهم في هذا المأزق.
طاهر بركة: يعني لا حرباً فزنا ولا سلماً فزنا حتى الآن لا العرب ولا الإسرائيليون, سيد السيناوي يعني هل توافق مع من يقول بأن أبرز أسباب تلك النكسة كانت الانفصال بين سوريا ومصر بعد 61؟
عبد الله السيناوي: من التعبيرات المنسوبة للرئيس جمال عبد الناصر أن أول دبابة في الانفصال هي كانت أول دبابة تدخل سيناء, بمعنى أن ضرب المشروع القومي.. طبعاً حدثت أخطاء كثيرة في الوحدة المصرية السورية, لكن كانت الفكرة تستحق الدفاع عنها وبناءها وتأسيسها بصورة أفضل, وإذا عاد بنا الزمن ربما كانت لا بد أن تبنى على أسس أكثر ديمقراطية ويعني وأكثر رسوخاً ومؤسسية مما جرى, لكن على كل الأحوال جرى ضرب مشروع الوحدة هذا أدى ضمن أسباب كثيرة إلى عملية تراجع, مكنت إسرائيل من الانتصار السهل أو أحد الأسباب التي أدت إلى تمكين إسرائيل من الانتصار السهل في حرب 67 بالإضافة إلى الصراع بين المؤسستين العسكرية والسياسية في مصر, وبعض الأخطاء البنيوية في النظام. نحن نريد بعد سنوات طويلة أن نتعلم الدرس وأن نسعى لبناء مشروع قومي جديد أكثر ديمقراطية وأكثر حداثة, لبناء دولة قومية حديثة أو دولة وطنية حديثة, وأنا لا أوافق بالمرة أن هناك تناقضاً بين المصالح الوطنية والمصالح القومية, أنا أدافع عن فلسطين باعتبار أن قضية فلسطين قضية مصرية, ما حدث لغزة يثبت للمرة المليون عورات كامب ديفيد على الحدود المصرية, عندنا 750 جندي على حدودها.. لكن نريد أن نصنع توازناً بين حماية الحدود وبين..
طاهر بركة: ولكن هذا الشعور لم يعد قائماً سيد سيناوي.. لم يعد هذا الشعور قائماً لدى الشعوب العربية, لدى هذا الجيل الجديد الذي تربى فعلاً على أن.. سيد سيناوي أنا من الجيل الجديد وسأقول لك نحن تربينا على أن إسرائيل هي القوة التي لا تقهر وأن المشروع القومي العربي كان مشروعاً يعني خاسراً وانتهى؟
عبد الله السيناوي: أنا أقدر كلامك لكن أريد أن أذكرك أنه فيه مفاجأة هائلة, يعني أرجو أن نتذكرها دائماً عند استشهاد محمد الدرة ونقلت الفضائيات العربية الصورة للبيوت, حدث في مصر أن أطفال مدارس القاهرة كلها كانت في الوزارة لأطفال المدارس, الجيل الذي وصف أنه بزور السلام معناه أن الشعور القومي, القضية تتعلق بالهوية.. الهوية العربية دي مسألة مش عابرة مش عبد الناصر هذه قبل عبد الناصر وبعد عبد الناصر, القومية العربية ليست اختراعاً.
طاهر بركة: سأعود إليك سيد سيناوي سيد حلمي موسى وسيد سلامة نعمات أيضاً, ولكن نتابع في هذا الفيلم الآن, فوزير الدفاع المصري الأسبق أمين هويدي يرى أن القيادة السياسية في مصر ما كانت لتخوض الحرب لو أن القيادة العسكرية أطلعتها على حقيقة الموقف العسكري قبل الحرب.
[مشهد من الفيلم الوثائقي]
أمين هويدي (وزير دولة - مصر 1967): وأنا أؤكد لو أن القيادة العسكرية قالت أنهم غير مستعدين إنهم غير أكفاء لمواجهة الموقف, صدقني أنه لم يكن عبد الناصر يجسر أن يطور الوضع السياسي إلى ما كان عليه.
طاهر بركة: سيد حلمي موسى من بيروت هل التنسيق بين لنقل القيادة العسكرية والقيادة السياسية آنذاك في مصر على الأقل كانت وراء كل ما حصل ولا زلنا حتى الآن نعاني التداعيات؟
حلمي موسى: أنا أعتقد أن المسألة أكبر من مسألة التنسيق, المسألة لم تكن إدارية, أعتقد بأن هناك مسألة بالغة الجوهرية وهي المسألة التي تتعلق بالمواطن وإحساسه بوطنيته وبكرامة المواطن بسعيه بمستوى تعليمه, حاولت الثورة المصرية إحداث تغيير على هذا الصعيد, ولكن في اعتقادي أن هذا التغيير كان أبطأ بكثير مما كان يجب أن يكون, وأنه تخللته أخطاء كثيرة. أما على صعيد العلاقة أو التنسيق بين المستويين العسكري والسياسي, من المعروف أنه كانت في مصر نوع من التقاسم الوظيفي الشبه الفلاحي أو الوراثي بين الرئيس جمال عبد الناصر, وأنا أقولها وأنا من المعجبين به ومن المحبين له وبين عبد الحكيم عامر, هذه العلاقة الأخوية التي كانت قائمة والتي جعلت من الجيش كأنه حكراً أو جيباً أو بغيتو خاص بعبد الحكيم عامر, في حين أنه كانت له تجربة سيئة في الإدارة سواء في الوحدة المصرية, واحد من بين الأسباب الرئيسية لبطلانها هو الإدارة السيئة لعبد الحكيم عامر, واحدة من المساوئ الكبيرة لعدم تحقيق نتائج في حرب اليمن, كان أيضاً الإدارة السيئة للجيش لدى عبد الحكيم عامر, ومع ذلك الرئيس عبد الناصر ربما كان بحاجة لصدمة هائلة مثل صدمة 67 من أجل أن يكسر أو يقطع هذا الحبل السري الذي كان قائماً بينه وبين عبد الحكيم عامر..
طاهر بركة: طيب لو عدت إلى موضوعي سيد سلامة, يعني هناك وزير دفاع آنذاك يقول إن القيادة السياسية في مصر ما كانت لتخوض الحرب لو أن القيادة العسكرية أطلعتها على حقيقة الموقف, سيد سيناوي كيف تعلق على هذه لنقل المفارقة في موقع وزير دفاع؟
عبد الله السيناوي: طبعاً السيد أمين هويدي من العلامات المضيئة في تاريخ العسكرية المصرية ورئيس مخابرات سابق, ويعرف ماذا يقول لأنه كان مطلع على جانب كبير من الحقيقة, وبعد 67 لعب أدوار بارزة مكنته من الاطلاع على الوثائق, أنا أعتقد أن كلامه فيه قدر كبير من الدقة, كانت هناك فجوة بين المؤسستين السياسية والعسكرية, المؤسسة العسكرية بقيادة عبد الحكيم عامر هي يعني قليلة الكفاءة إلى حد مزري في حقيقة الأمر, وإذا كنا نريد أن ننسب أخطاء حقيقة للرئيس جمال عبد الناصر وهو الإبقاء على عبد الحكيم عامر على رأس المؤسسة العسكرية بعد انفصال 1961 ويعني فأنا أعتقد هذا كان خطأ جوهري كان له تداعياته فيما جرى بعد عام 1967, تعبير السيد أمين هويدي أنا أوافق عليه تماماً.
طاهر بركة: سيد سلامة نعمات ما رأيك فيما قلناه فيما تقدم من يعني لنقل اعتراف وزير الدفاع؟
سلامة نعمات: يعني لا أختلف مع هذا التحليل باستثناء أننا علينا أن ننظر إلى الصورة الأكبر, وهي أن النظام المصري الذي كان قائماً لم يكن نظام مؤسسات ديمقراطي بمعنى ليس هناك مؤسسات, كانت المؤسسات مبنية على أشخاص, وبالتالي الشخص يقرر ما يقرر بغض النظر ربما على الوقائع على الأرض ودون أن يلتفت لدراسة الوضع الحقيقي للقوات العسكرية المصرية مثلاً, أو الحصول على معلومات استخبارية عن الوضع في الجانب الإسرائيلي القوة العسكرية الإسرائيلية, أعتقد أن غياب المؤسسات وهو بسبب غياب الديمقراطية هناك من طبعاً.. وإسكات المعارضة المصرية قمع المعارضة المصرية, بمعنى أنك تخوض حرباً في الداخل ضد معارضيك ونحن نعرف أن عبد الناصر كان يقمع الإسلاميين, وهذا خلق ربما نوع من الإضعاف للبنية السياسية المصرية, ثم تذهب إلى حرب وأنت بسبب ربما مشاعر قومية وعاطفية لا تستند إلى الواقع, غياب المؤسسات الديمقراطية, غياب مبدأ المسائلة والمحاسبة, وغياب الكفاءة عن التعيينات في المناصب التنفيذية يعود لغياب تلك المؤسسات, وبالتالي نخرج بنتيجة من هذا الوضع.
طاهر بركة: سأتوقف الآن مع فاصل قصير مشاهدينا الكرام نعود بعده لمتابعة مقاطع هذا الفيلم الوثائقي النكسة "ما بعد الحرب" ومناقشة الضيوف كذلك.
[فاصل إعلاني]
طاهر بركة: أهلاً بكم من جديد نتابع وإياكم مقاطع هذا الفيلم الوثائقي النكسة "ما بعد الحرب"، يقدم الفيلم الوثائقي صورة ملفتة لتصور القيادة العسكرية الإسرائيلية لطبيعة ميزان القوى قبل الحرب.
[مشهد من الفيلم الوثائقي]
التعليق الصوتي: لكن إذا كانت الدعاية المصرية قد أخافت الإسرائيليين واليهود في كل أنحاء العالم على حد سواء, إلا أنها لم تترك الأثر نفسه على القيادة العسكرية في إسرائيل, فبعكس العامة الإسرائيليين كانوا واثقين من أنفسهم, أما تقييمهم الخاص أن إسرائيل أقوى بكثير من أعدائها وهذه وجهة نظر احتفظ بها العسكريون لأنفسهم.
شلومو غازيت (رئيس شعبة الاستخبارات العسكرية الإسرائيلية 1967): كان لدينا نحن في الجهاز العسكري صورة واقعية للغاية عن توازن القوى الحقيقي, ولم يكن لدينا أي ريبة أو شك في هذه المسألة.
طاهر بركة: سيد حلمي موسى من بيروت هل هذا الإيمان العسكري الحقيقي الإسرائيلي آنذاك تحول فيما بعد, طبعاً هو لاشك كان سبباً في الانتصار أو من أسباب الانتصار, ولكن هل تحول هل تغير بعد 73 بعد 82 بعد 2006 ربما؟
حلمي موسى: يعني أعتقد بأن الجيش الإسرائيلي حتى وهو قبل أن يكون جيشاً, كانت هذه الفكرة أو الأسس تبعته أسس نظرية القتال أسس نظرية الحرب الإسرائيلية كلها بنيت حتى قبل عام 48 أثناء فترة الهاجانا كانت لديهم تجربة.. تجربة حرب 48 عندما أفلحت القوات العسكرية الإسرائيلية, وهي ما كنا نسميه بالعصابات الصهيونية.. أفلحت في احتلال جزء كبير حتى وصلت إلى العريش في تلك الحرب, عندما رأينا في حرب 56 لديهم لدى الإسرائيليين كانت تجربة مبنية على أساس ما لديهم من إنجازات, وقد بنوا على هذه الإنجازات في تطوير عقيدة قتالية مهمة, جاءت حرب 67 لتجعل من هذه العقيدة ربما على صعيد دولي, ولكن هذه الغطرسة التي نمت بعد حرب 67 كُسرت وتحطمت بشكل كبير في حرب 73 وهي التي سميت تحطيم المفهوم العسكري الإسرائيلي الذي كان يعتقد بقدرته على تحقيق النصر, وأنه الجيش الذي لا يقهر و.. إلخ كل هذه الأمور تحطمت فعلياً في حرب 73 وربما جرت بعدها جهود هائلة كثيرة جداً من جانب الإسرائيليين لاستعادة ذلك الأثر, ومع ذلك ليس هناك أدنى شك بأن الجيش الإسرائيلي هو الجيش الأقوى في المنطقة على صعيد ما يمتلكه من تسليح, على صعيد الفجوة التكنولوجية القائمة بينها وبين الجيوش العربية المحيطة فيه, ويقال أنه الجيش الأقوى في محيط 1500كم عن القدس هذا هو لاعتقاد..
طاهر بركة: سأتحول لو سمحت إلى السيد سلامة نعمات, الآن هل توافق على من يقول بأن إسرائيل قد تكون فقدت القدرة أو بعضاً من قدراتها بعد 67 كان إن في 73 في حروبها اللاحقة حتى عام 2006 في يعني تقييمها العسكري في تقييمها لقدرات أعداءها؟
سلامة نعمات: أعتقد على العكس من ذلك, الفجوة بين القدرات العسكرية الإسرائيلية الآن والقدرات العسكرية المقابلة في الجانب العربي باتت أكبر بكثير, بمعنى التطورات التكنولوجية, آخر الأسلحة الغربية والمصنعة أيضاً إسرائيلياً تتفوق بشكل أكبر بكثير من الفارق الذي كان في عام 67 أو عام 82 أو 73 ولكن الذي اكتشفته إسرائيل مؤخراً, هو أنك لا تستطيع بالوسائل التقليدية المعارك العسكرية الجيوش التقليدية لا تستطيع أن تحارب حروب مع جماعات مسلحة غير نظامية, كما شهدنا في حال الحرب مع حزب الله في لبنان, وأي حروب أخرى سواء تخاض على كما شهدنا في الأراضي الفلسطينية مع الإسرائيليين, بمعنى آخر هناك زيادة في التفوق العسكري الإسرائيلي على الصعيد التقليدي, وهناك ضعف متزايد على صعيد التعامل مع حروب عصابات وحروب ربما أهلية أو حروب تشنها جماعات مسلحة غير نظامية, لا تنتمي إلى بلد لا عنوان لها بالضرورة ولا مقرات ولا مؤسسات سياسية تحكمها بشكل تقليدي.
طاهر بركة: سيد سيناوي ربما لديك رأي آخر فيما يتعلق بتأثير الحروب الأخرى بعد 67 على إسرائيل على معنوياتها؟
عبد الله السيناوي: نعم, يعني أنا أعتقد أن الجيش المصري استعاد ثقته بنفسه سريعاً في معارك حرب الاستنزاف, ثم بنصر كبير واضح وحاسم من الناحية العسكرية على الأقل في عام 1973, البطل الحقيقي في هذه الحرب جيل كامل يعني ربما الجيل الذي سبقك, جيل كامل مصري قاتل ستة سنين في خنادق القتال الأولى, ثم عندما خرجوا بعد الحرب وجدوا أن أباطرة الانفتاح هم الذين استولوا على نتائجه, ووصلنا إلى كتب ديفيد يعني بتسليم إسرائيل أكثر من.. كان أخطر ما قاله الرئيس السادات أن حرب أكتوبر هي آخر الحروب, هذا معناه أنك تسلم أو تضعف قواتك المسلحة, ويعني وتسمح للطرف الآخر أن يزيد من قوته العسكرية, أنا أعتقد كانت الاستراتيجية الإسرائيلية باستمرار أن تكون أقوى من كل الدول العربية مجتمعة, والسلاح العربي لدى الكثير من الدول العربية في مخازنه لا قيمة له ولا يستخدم, يعني فأنت أمام وضع عبثي إلى حد كبير, ولكن ثبت أن المقاومة يمكن أن توجع إسرائيل, حرب تموز أعطت درساً في تمريغ إسرائيل في جنوب لبنان على الأقل باعترافات تقرير فينوغراد..
طاهر بركة: أليس كذلك سيد نعمات؟ أليس كذلك سيد نعمات؟
سلامة نعمات: يعني تماماً أنا أعتقد أن الآن إسرائيل تستطيع أن تتفوق على أي دولة عربية مجاورة أو مجموعة دول عربية..
طاهر بركة: لا هو يتحدث بشكل مختلف تماماً.. موقفه آخر تماماً ربما فهمته بشكل خاطئ؟ يتحدث عن أن حزب الله هو الذي..
سلامة نعمات: ربما لم أسمع تماماً..
طاهر بركة: هو الذي طبعاً فاز وإسرائيل خسرت ومرغ أنفها في التراب..
سلامة نعمات: حزب الله ليس جيشاً عسكرياً لكن هذا يؤكد نظريتي, وهي أن حزب الله ليس جيشاً نظامياً ينتمي إلى دولة وهناك له عناوين ومواقع تستطيع أن تقصفها الإسرائيليين..
طاهر بركة: طيب هذا موضوع آخر.. هذا موضوع آخر نتحدث عن أن إسرائيل خسرت أم لا سأعود إلى هذا الموضوع, ولكن بعد أن نرى المقطع من الفيلم الوثائقي الذي يصور ليفي إشكول رئيس وزراء إسرائيل بأنه آنذاك طبعاً بأنه معارض للحروب.
[مشهد من الفيلم الوثائقي]
ليفي إشكول (رئيس وزراء إسرائيل 1967): منذ متى توجه إسرائيل ضربات وقائية؟ لا أقبل الحجة القائلة أننا يجب أن نشن الحرب لمجرد أن جيشاً مصرياً ضخماً تمركز في سيناء, لا يعني الردع أن عليكم التصرف دوماً, كم من الوقت سنعيش بالسيف؟ طلبتم المزيد من الأسلحة وحصلتم عليها, طلبتم مئة طائرة وحصلتم عليها, طلبتم دبابات وحصلتم عليها, لكنكم لم تحصلوا عليها لنتمكن ذات يوم من القول نستطيع الآن أن ندمر الجيش المصري.
طاهر بركة: أعود الآن إلى ضيوفي, سيد يعني سلامة نعمات أبدأ معك من جديد, لماذا كل مرة يجب أن نسأل إذا ما كان ما حصل نصراً أم لا؟ لماذا كل مرة البعض يقول نصر والبعض يقول خسارة؟ حتى 73 البعض يقول نصر والبعض يقول يعني لا نقول خسارة ولكن لم يكن نصراً فعلياً عسكرياً, هل تملك الإجابة؟
سلامة نعمات: لأنه يجب أن يكون هناك معايير.. معايير للنصر ومعايير للهزيمة, بمعنى آخر عندما نتحدث عن الحرب اللبنانية مثلاً نتحدث عن حالة عندما نرى نتائج هذه الحرب, إغلاق مطار بيروت وإبقاء مطار تل أبيب مفتوحاً, نتحدث عن صواريخ 99% من صواريخ حزب الله لم تصب أية أهداف في الجانب الإسرائيلي, بينما الجانب الإسرائيلي كان أكثر دقة في الصواريخ التي كان يطلقها على اللبنانيين, نتيجة الحرب هي تدمير نصف لبنان وتهجير اللبنانيين, ولكن لم يحدث الشيء نفسه في الجانب الإسرائيلي, قرارات المجلس الأمن صدرت ضد لبنان وليس ضد الإسرائيليين, بمعنى آخر كيف نقيس ما هي معايير الفوز؟ نعم إسرائيل لم تنتصر في تلك الحرب, ولكن لا نستطيع أن نقول بأن حزب الله انتصر طبعاً على ركام لبنان الذي شاهدناه بأعيننا..
طاهر بركة: يعني إسرائيل نفسها تقول خسرنا في الحرب وتشكل لجنة تحقيق وإلى ما هنالك, ولا أحد يعني أو البعض يقول بأنه لم تربح يعني لنقل لبنان أو لم يربح حزب الله, على أي حال سيد حلمي موسى هل يجب كل مرة أن نقول هذا نصر وهذه خسارة؟ ولماذا؟ يعني إن كان في 73 في 2006 وفي مختلف الحروب مع إسرائيل؟
حلمي موسى: يعني في البداية الاختلاف بين الناس نعمة وليس بالضرورة نقمة, ومع ذلك الاختلاف في الأساسيات بيصير مصيبة, أعتقد بأنا نحن بسبب أن مسائلنا الأهم قضايانا الأكثر أساسية رؤيتنا لها رؤية مختلفة, في مسألة مثل النصر والهزيمة فيما يتعلق بحزب الله وإسرائيل, أعتقد بأنه أنا دائماً أقول هذه الكلمة حزب الله لا يشكل في أحسن الأحوال 1 من 10000 من القوة العربية, ومع ذلك هذا أفلح بدرجة معينة من الذكاء والاستعداد القتالي ومعرفة عدوه وما شابه أفلح في أنه تقريباً يهين النظرية الأمنية العسكرية الإسرائيلية..
طاهر بركة: تعذرني يجب أن أقاطعك سيد حلمي موسى.. طيب سيد سيناوي الكلمة الأخيرة لك في هذا الموضوع أيضاً, النصر والخسارة 73.. 2006 أو من 67 وحتى الآن من 48 إذا بدك..تفضل..
عبد الله السيناوي: هو القياس.. الحروب تقاس بنتائجها السياسية ليس مجرد قعقعة السلاح, في عام 56 خسرنا عسكرياً لكن مصر خرجت قوة كبرى في المنطقة, في 67 مصر هزمت عسكرياً لكنها قاومت ورفضت النتائج السياسية, في 73 انتصرنا عسكرياً وهزمنا سياسياً, في حرب لبنان إسرائيل هزمت عسكرياً ولم تستطع سياسياً أن تحقق أهداف..
طاهر بركة: دعني أختم بهذه الجملة اعذرني انتهى الوقت شكراً جزيلاً لك السيد عبد الله السيناوي من القاهرة رئيس تحرير جريدة العربي الناصري, من بيروت شكراً حلمي موسى الكاتب والمحلل السياسي, ومن واشنطن الكاتب الصحافي سلامة نعمات شكراً جزيلاً لك.
شكراً لكم مشاهدينا الكرام على متابعة هذه الحلقة التي قدمتها استثنائياً نيابة عن الزميلة ميسون عزام, هذه الحلقة كانت مخصصة للفيلم الوثائقي النكسة "ما بعد الحرب" تابعونا دائماً إلى اللقاء.
|