طبـاعة


حفـظ


ارسال
السبت 06 ربيع الثاني 1429هـ - 12 أبريل2008م
مهمة خاصة: باي باي... سنغال
 

بيانات البرنامج
اسم البرنامج مهمة خاصة
تقديم باسم الجمل
تاريخ الحلقة الخميس 10/4/2008
القضايا المثارة باي باي... سنغال
مأساة اللاجئين الموريتانيين
فرحة العودة بعد التهجير القسري
تحضيرات على جانبي الحدود لاستقبال العائدين

عودة للأعلى

باي باي... سنغال

باسم الجمل: هنا في قرية كيلو متر ستة جنوب موريتانيا كانت إحدى محطات نهاية مأساة اللاجئين الموريتانيين, الذين هُجروا قبل عشرين عاماً إلى السنغال. أنا باسم الجمل في مهمة خاصة بالتعرف على مسببات تهجيرهم وظروف حياتهم في المهجر, وكذا عودتهم إلى ديارهم الأولى التي هجروا منها.

عودة للأعلى

مأساة اللاجئين الموريتانيين

كانت غالبية المهجرين من الموريتانيين ذوي الأصول الأفريقية, ومن سكان المناطق الحدودية مع السنغال مثل مدينة روسو والقرى المحيطة بها, القرية كيلومتر ستة إحدى القرى التي هُجر سكانها قسراً قبل عشرين عاماً, واليوم هي إحدى محطات نهاية هذه المأساة حيث بدأ يعود إليها سكانها القدماء تحت رعاية المفوضية العليا لشؤون اللاجئين التابعة للأمم المتحدة.
معظم بيوت القرية من الخوص القش وتفتقد إلى أساسيات الحياة الضرورية, تعتمد في حياتها على تربية الأبقار والماشية إضافة إلى الزراعة. لا يتجاوز عدد سكان القرية 250 فرداً وهي من حاضرة مدينة روسو. علي موسى أحد سكان القرية عاد للتو من السنغال بعد هجرة قسرية دامت عشرين عاماً, عاد إلى بيته القديم بعد أن أصبح أطلالاً, بدأ يبني حياته من جديد من الصفر. اليوم هو مختار القرية, وعليه واجب مساعدة سكان القرية العائدين ليبدؤوا هم أيضاً حياتهم من جديد. تراه يروح ويجيء ومن بيت إلى آخر بحثاً عن مساعدة كي تعود حياة القرية إلى سيرتها الأولى. الكل في القرية يعمل, هناك من يبني تحضيراً للعائدين الجدد ومن عاد يقوم بتأهيل نفسه, وهناك من يهتم بتحضير طعام الماشية لما تعود مساء من المرعى. يقول علي إنه عاد إلى قريته هنا منذ نحو شهر مع سبع عائلات أخرى, وقد تم توفير الأشياء الضرورية للبدء في حياته الثانية في القرية عن طريق مفوضية اللاجئين والحكومة, وإنه يعيش في طمأنينة محسوسة. لم يكن وضعه في المهجر سيئاً عمل هناك في تربية الماعز, لكن حنينه للوطن اضطره للعودة إليه ويقول إن السنغال ليست وطنه ولا هي دولته.
- الحمد لله في السنغال لم ينقص علينا شيء, لكن لم أختر السكن فيها لأنها ليس بلدي, بلدي هي موريتانيا حيث عاش فيها أجدادي القدامى, فموريتانيا وطننا ودولتنا.
باسم الجمل: كل عائد إلى القرية حصل على بقرتين لمن يهتم بتربية الأبقار, وعشرة رؤوس من الماعز أعطيت لمن يهتم بتربية الماشية, إضافة إلى توفير طنين من القمح وطنين من الأرز للقرية, مع ستين ألف أوقية من العملة الموريتانية لكل فرد تعطى على دفعتين, وذلك لتسليك أموره اليومية ريثما تأخذ الحياة وتيرتها المعهودة.
لم يعرف علي السبب الذي هجر هو والآلاف مثله إلى السنغال لأجله لما سألته عنه, إلا أن موسى فال رئيس اللجنة الحكومية المكلفة برعاية شؤون العائدين أعاد الأمر إلى أسباب عرقية ولغوية وثقافية.
- الأزمة أساسها ثقافي لأنه فيه خلافات لقضية.. العرب كانوا يطالبوا بتعريب وترسيخ اللغة العربية, وكانوا يطالبوا اللواق ربما اللغة الفرنسية, في 79 خلقت سلاح التعليم ادعى أن الزنوج يتعلموا بالفرنسية والعرب بالعربية, وخلقت اللوقة بين العناصر اللي هنا, في 87 خلقت عملية محاولة انقلاب عسكري من الزنوج, وطبعاً الدولة آنذاك أخذت احتياطات وتم إعدام ثلاثة ضباط جنود وبعد سنة في سنة 88 خلقت بيان أعددته منظمة.. بيان عنصري حاد اللهجات وتوتر الوضع وتوترت حتى مستوى العلاقات السنغالية الموريتانية آنذاك.
باسم الجمل: إثر ذلك تبادلت الحكومتان السنغالية والموريتانية حينها طرد رعايا دولة الأخرى, السنغال طردت نصف مليون موريتاني من أراضيها وصادرت أموالهم, وبالمقابل طردت الحكومة الموريتانية وقتها رعايا سنغاليين ونحو 60 ألف مواطن موريتاني من أصول قبلية أفريقية إلى السنغال، بينما نحن هناك في القرية ألمت وعكة صحية بزوجة علي لم يدري علي ما بها, حار فيم العمل فهو مشتت الجهد كما أهل القرية, وقلة الإمكانيات وقلة الحيلة سمة المكان بمن فيه. تبرع سائقنا بأخذها إلى مستشفى روسو على بعد 7 كيلومترات. كان علنيا الذهاب إلى إحدى مخيمات اللجوء في السنغال, حيث يستعد المئات من المهجرين للعودة إلى قراهم وبلداتهم في موريتانيا, وبهدف التعرف على ظروف حياتهم هناك. عبرنا الحدود عبرناها للسنغال التي يبلغ طوله نحو 600 كيلومتر وهو يشكل الحدود الجغرافية بين السنغال وموريتانيا.
اتجهنا إلى مخيم المدينة رفقة المفوضية العليا للاجئين على بعد نحو 40 كيلومتر جنوب النهر في الأراضي السنغالية, هذا مخيم المدينة كل سكانه من المهجرين الموريتانيين كان قد أقيم قبل 20 عاماً وسط أشجار المانجو وعلى أرض رملية, وجدنا القوم وقد بدءوا في تحزيم أمتعتهم التي جمعوها على طول سنوات التهجير العشرين استعداداً للعودة, أمتعة بسيطة ومتواضعة كما هي حياتهم وبيوتهم وأكواخهم إن شئت. رحلة العودة تبدأ بضبط ثبوتياتهم الموريتانية والتعرف على هوياتهم, العودة طوعية كما يقول مسؤول المفوضية, من أراد العودة سيحصل على مساعدة تعينه على استئناف حياته في موطنه الأصلي موريتانيا, كثيرون وافقوا على العودة, آخرون آثروا البقاء في الهجرة على المغامرة إلى حياة مجهولة المآل كما يقولون, خاصة عندما يستذكرون أيام التهجير.
يروي ممادو قصة تهجيره وهو لا يعرف سبباً لها خاصة وأنه كان جندياً في الجيش الموريتاني, وأنه شارك في حرب الصحراء كما يقول. سُجن ثم هجر رغم ذلك هو وزوجته مترددين في العودة لما تزوجها كانت ابنة 12 عاماً ولهم ثلاثة أطفال, أما سعيد الذي كان صغيراً لما هُجّر مع والديه فإنه يشعر بالسعادة للعودة إنه يحلم ببناء حياة جميلة له ولأطفاله الثلاث مع زوجته, كان سعيد يتنقل بحيوية بين أكواخ المخيم كان هذا آخر يوم له في الهجرة والبعد عن الوطن كما يقول, تارة يحزم أمتعة وتارة يتحدث مع الآخرين لترتيب شؤون العودة, وأخرى يستفسر من بعض الإجراءات التي تتعلق باليوم الموعود.
- سعيد أنت لما إجيت هون كم كان عمرك؟ لما جابوك هون من موريتانيا.
- كنت صغير. كنت صغير جيت هون

عودة للأعلى

فرحة العودة بعد التهجير القسري

باسم الجمل: محمد كبير القرية وحكيمها كما يصفه سعيد هو الآخر فرح لاقتراب موعد العودة إلى موطنه إلى قريته تيسكي, عمره الآن 80 عاماً. يقول محمد إنه كان يملك أرضاً وأغناماً وأبقاراً, وكان من المزارعين الكبار قبل أن يُهجر من قبل الحكومة الموريتانية في العام 89 من القرن الماضي الآن جاء اليوم الذي أصبح حلم العودة إلى أرضه حقيقة, يقول إن كبر سنه لا يمكنه من معاودة حياته كما كان في السابق, لكن همه هو أن يتحصل على أراضيه كي يوزعها بين أولاده قبل أن يموت, تقول زوجة محمد بأنها تعيش فقراً ثقيلاً, فقدت ثلاثة من أبنائها في رحلة التهجير هذه, وتقول لما طُردت مع عائلتها كان يوم خميس كانوا في حفلة عرس لهم عندما جاء عسكر الحكومة وطردوهم بدون سبب، سعيد كان أوفر حظاً من الآخرين فبيته مكون من غرفتين إحداهما مبنية جدرانها من الإسمنت والأخرى من سعف النخيل أو القصب.
- أنا اشتريت هذا الحصير بمئتين فرنك سنغالي للواحدة والخشب دفعت خمسون فرنك سنغالي لكل واحدة حتى بنيت كل البيت.. وها أنا سوف أترك البيت.. وهو بيت جميل.
باسم الجمل: زوجة سعيد حواء هُجرت لما كانت طفلة وهي ابنة عمه, وهنا يحاول سعيد أن يشرح لأطفاله الحال, يقول لهم إنهم سيعودون إلى موريتانيا وكأنه يريد بذلك منهم أن يضعوا حياة التهجير وراء ظهورهم والتطلع إلى حياة يأمل أن تكون أفضل رغم قلة الإمكانات.
في مخيم المدينة بينما كان رجال المخيم مهتمين بشؤون العودة كانت النسوة يقمن بإعداد آخر وجبة جماعية في المخيم, الحياة في المخيم تعتمد على الجماعية, السكن العمل الطعام وبطبيعة الحال لعب الأطفال, يبدو أن حياة الزراعة الأولى ما زالت تتحكم في جوانب هذا المجتمع, فبحكم صعوبة الحياة وعدم توفر أساسها المدني وجب تقسيم حملها على الجميع, حياتهم فرحهم وحتى حزنهم جماعي بامتياز, الفردية لا وجود لها هنا.
بعد أن انتهى القوم من تحزيم أمتعتهم أُحضرت الناقلات لنقل الأمتعة استعداداً للعودة في صباح اليوم التالي, ويكون سعيد أول من بدأ في التحميل لكن لشدة فرحه يفقد توازنه.
[فاصل إعلاني]
باسم الجمل: قرية تولال إحدى القرى التي هجر أهلها كلهم, قسم منهم عاد بصورة فردية في الأعوام الماضية ولما يحصلوا على أي مساعدة من الحكومة حينها, واليوم ينظرون إلى الكثيرين من القرية وهم يعودون وقد حصلوا على مساعدات أولية, ذلك أثار لديهم الحسد ورفع عقيرة التساؤل عندهم, خاصة وهم يشاهدون ما أعطي للعائدين الجدد من بيت ورأسين من البقر لكل فرد مع إعادة أرضه له.
نحن عدنا عام 96 عاش أجدادنا منذ القدم, في العام 89 هاجروا إلى السنغال وبعد فتح الحدود عادوا عام 96 لكن بعد التهجير ضاعت كل أملاكنا وخسرنا كل شيء وعند عودتنا لم يساعدنا أحد.
باسم الجمل: في 96 بدأتم حياتكم من جديد.
بدأنا حياتنا من جديد إلى الآن لا يوجد خدمات لنا.
باسم الجمل: كل الموجودين ترحلوا عن السنغال؟
- كل الموجودين هون، في 2008 شهر رجعوا الآن..
باسم الجمل: كم أسرة رجعت في 2008؟
- أربعة.
باسم الجمل: أربع أسر. رجعوا لبيوتهن؟
لبيوتهم نعم.
باسم الجمل: اليوم يعمل أحمد في رعاية الأغنام ومرات في الزراعة، حيث يقوم الرجال بأعمال الزراعة وتقوم النسوة بدور تسويق منتوجاتهم الزراعية في سوق المدينة. طيب لما هجرتوا شو كان عندكم؟
كان عندنا هناك الحيوان البقر كان عندنا المعز كان عندنا البيوت, وكان عندنا الزراعة بعدين كله راح، كله راح مشينا إلى السنغال صفر.
باسم الجمل: يصف أحمد حياتهم في مهجر بالفقر وأنها كانت تعتمد على الصدقات، لكن المفوضية العليا للاجئين قدمت لهم المساعدات الضرورية لحياتهم هناك في السنغال، وهي الآن مسؤولة عن إعادة الآلاف منهم إلى ديارهم في موريتانيا.
فاطمة موسى جل أيضاً هي من الذين عادوا قبل سنوات ولما تُسوى أوضاعها حتى الآن، حالياً هي المسؤولة عن القرية لدى السلطات ولا تكلّ في طرح قضيتها، تعيش على الزراعة وتبيع المنتوج كما هي نساء القرية في السوق، وتتساءل لماذا حصل العائدون الجدد على أشياء كثيرة وهي لم تحصل على أي شيء؟
فاطمة موسى: عدنا إلى هنا عام 96 كنا نعتمد على أنفسنا لتأمين لقمة العيش. فالمعيشة صعبة هنا.. كانت الأخت تقدم لنا المساعدة من حين لآخر حتى يومنا هذا, ولكن كل المساعدات التي قدمت لنا كانت تخدمنا لمدة مؤقتة.. مثلاً الأرض وأيضاً فالتسجيل المدني صعب جداً. ولدينا مولودون جدد وأطفال ولدوا منذ سنة 98 ولا يملكون شهادة ميلاد الآن دائرة السجل المدني رفضت إصدار شهادات ميلاد للأطفال دون ال10 سنوات.
باسم الجمل: ما زالت العائلات تعيش في خيم قدمت من المفوضية العليا للاجئين ولما ينتهي بناء البيت المخصص لها بعد، المرأة في المجتمع القبلي هذا تقوم بدور أساس وكأنه تذكرة ببقايا المجتمع الأمومي في ماضي الأيام لما كانت المرأة سيدة المجتمع وليس الرجل، فهي تزرع وهي تتاجر وهي التي تربي الأطفال وهي سيدة الأسرة، ويبدو دور الرجل ثانوياً ينحصر في أشياء محددة فقط. وعند الغروب وبعد أن تخف درجة حرارة الشمس تتوجه بعض النسوة إلى الحقول ويصطحبن الأطفال للمساعدة في حراثة الحقول.

عودة للأعلى

تحضيرات على جانبي الحدود لاستقبال العائدين

صبيحة اليوم التالي تحضيرات على جانبي الحدود استعداداً لاستقبال العائدين, رحلة العودة والانتقال من التهجير القسري إلى ربوع الوطن لا تستغرق أكثر من نصف ساعة, هي طول المسافة التي تستغرقها عبارة النقل النهري من السنغال إلى موريتانيا.
ساعة العبور.. كثيرون عبروا لملاقاة العائدين وبعد الانتهاء من التأكد من ثبوتيتهم على الطرف السنغالي عبرت القافلة النهر لتلقى الجميع في الانتظار، أهل المدينة الأقارب وممثلي الحكومة، وسط صيحات الفرح وعبارات الشكر للسنغال باي باي سنغال، باي باي سنغال، من هناك نقل العائدون إلى خيم مؤقتاً لهم كي يتم توزيعهم على قراهم بعد التأكد من هوياتهم وسط ترحيب وفرح من الأهل والأقارب.

عودة للأعلى
تعليقات حول الموضوع
هل ترغب في التعليق على الموضوع؟

الاسم: 

عنوان التعليق: 

نص التعليق: