أحمد علي الزين: يبدو إن مصر ليست هي تماماً التي رأيناها في أفلام قديمة بالأسود والأبيض أو حتى في أفلامها الجديدة, ليست هي تماماً أو فقط تلك التي قرأناها في أولاد حارتنا لنجيب محفوظ أو التي سمعناها في أغاني أم كلثوم وعبد الحليم, وليست تماماً في قصائد أحمد فؤاد نجم أو نجيب السرور أو الابنودي أو في مقامات زكريا أحمد وصالة عبد الحي وهمسات نجاة الصغيرة, هي كل هذا تقريباً ولكن في الكتاب أو في الأغنية. أما في الواقع هي عالم لا يختصر بأي فيلم أو قصيدة أو كتاب. صورة حنين في فيلم قديم يشبهنا قديماً أو كل أغنية خاطبت وجدان الثوري أحياناً أما صورتها في الواقع تحتاج لمعايشة طويلة مقلقة في صخبها وفي صبرها وفي تصالحها وفي جمرها الدفين, وفي تعاظم شأن ما يسمى بالصحوات تبدو الأسهل عاطفياً بالنسبة لأجيال لم تجنِ سوى الانتظار. |
مصر بين القديم والحديث طبعاً أنت هيك من وجهة نظرك ناقداً للسينما للصورة أكثر شعبية, وقت اللي بترجع بالذكراة متل ما شفنا مصر والقاهرة بالأسود والأبيض بفيلم الأسود والأبيض, وبين صورة الآن الصورة الملونة هي الفضاحة أكثر تفضح التفاصيل أكثر, كيف تقرأ الصورة؟ تخاف على مصر إذا بدك تقوم بهذه المقارنة؟
علي أبو شادي: مع الأسود والأبيض إلى حد كبير كان هناك خوف على مصر لما حصلت ثورة يوليو حصلت..
أحمد علي الزين: نحنا الأسود والأبيض بالمعنى المجازي..
علي أبو شادي: أيوه حصلت مع الأسود والأبيض كصورة, الأسود والأبيض ربما ربما لو استمعلنا التعبير المجازي الألوان كانت في فترة أخرى نحن الآن في فترة الأبيض الأسود وربما الأسود كثيراً يعني.
أحمد علي الزين: يعني كانت الفترة التي تبشر بشيء من الأمل, الفترة اللي أنت تمدحها قليلاً هي بفترة خلينا نقول الفترة الواقعة بين أواخر الخمسينات بداية السبعينات..
علي أبو شادي: بالتأكيد فترة النهوض فترة المشروع القومي, فترة الشعب عندما يصعد ويجد مكانه, لحظة الكرامة الوطنية يعني لحظات كثيرة جداً في هذه الفترة, اللي هي الفترة الناصرية من غير.. يعني نتكلم بدون مواربات يعني الفترة الناصرية كان فيها شيء من كل.. محاولة للعدالة محاولة..
أحمد علي الزين: محاولة للعدالة..
علي أبو شادي: محاولات كلها كانت محاولات ومشروع الثورة كلها كانت مشروع, مشروع في الصناعة في الزراعة في التعليم في الصحة مشروع لم يستكمل.
أحمد علي الزين: طبعاً نحن هلأ مش بصدد محاكمة هذه التجربة, ولكن الواحد بس يقعد مع صديق وضيف متلك لا بد أن يستذكرها بصفتك كنت يعني من الأشخاص المتعاطفين والمنتمين لهذا التيار لهذه الحالة.. الحالة الناصرية, بتقديرك لو كان السؤال شوي هيك هلأ بيجي على عجل أن الشخص الناقد هو مثقف بشكل عام يعني وقت اللي بيكون هو شوي متعاطف أو ينتمي إلى تيار فكري أو أيديولوجي, هذا الانتماء ما بيلعب دور سلبي في قراءته للتحولات للعلاقات للنتاج الإبداعي, تكون قراءته مستندة إلى فكره واللي هي مرتبط بهذا الفكر؟
علي أبو شادي: يعني أسأل سؤال عكسي يعني إذا كان هناك عمل إبداعي لا يستند إلى موقف كيف يكون؟ أنا أعتقد أن العمل إبداعي أصلاً لا يستند إلى موقف, ومن ثم نحن لا نحاكم العملية الإبداعية ولا نحاكم الحالة الجمالية, نحن نتعامل من وجهة نظري نتعامل مع الموقف الفكري الموقف الأيديولوجي, هل هو متسق مع أفكاري أو لأ؟ ممكن أحترم عمل فني كبير جداً مختلف معي وأنا مؤمن تماماً بحق الاختلاف, يعني هذه أول مبادئ الديمقراطية أنت تؤمن بالصوت الآخر تؤمن بالآخر وبحقه أن يعبر عن موقفه, لكن هل أنا مع هذا الموقف أم لا؟ هذا حقي أيضاً, من ثم أنا ممكن أبقى مختلف مع أعمال كبيرة فكرية لكن ليس اختلافي معها فنياً أو جمالياً.
أحمد علي الزين: قد يصح أن نختصر جملة من المهام والوظائف التي يقوم بها علي أبو شادي بصفة المؤرخ, المؤرخ للسينما المصرية, مؤرخ من موقع الناقد الذي أسس والذي واكب نتاج السينما المصرية لسنوات, ولكن المفارقة أنه أيضاً رئيس الإدارة المركزية للرقابة على المصنفات الفنية, وهذا في مطرح ما لا يتفق مع كونه ناقداً, وليس في مصلحة العقل النقدي الحر إنما هناك حلول تجترح للتكييف, وأحياناً لا بد من دفع ثمن ما. وبالطبع هناك العديد من المسؤوليات الأخرى التي لا تقول حساسية أو أهمية يقوم به علي أبو شادي, أحدثها مثلاً الأمانة العامة للمجلس الأعلى للثقافة, ويزوال رئاسة المهرجان القومي للسينما ومهرجات أخرى إضافة إلى العديد الآخر من المهام والعضويات, هذا عدا كونه حكماً في لجان التحكيم العربية والدولية, أما السؤال كيف يوفق بين هذه المهام مجتمعة أو بالأصح كيف يكون عادلاً أو كيف يعدل من يكون في أكثر من موقع يبدو بعضها على طرفي نقيض؟
علي أبو شادي: أنا يعني وفق قناعاتي أحاول بقدر المستطاع أن أوفق بين هذه الأشياء من وجهة نظري اللي ممكن تكون شوية شايف الأشياء من وجهة نظر ناقد ومثقف يبحث عن وسيلة لتطبيق ما يراه يعني..
أحمد علي الزين: ما ينسجم مع أفكارك..
علي أبو شادي: ما ينسجم مع أفكاري..
أحمد علي الزين: يعني عم تستغل المناصب..
علي أبو شادي: أستغلها فعلاً ولا أنكر هذا, لكن أنا مؤمن بأن العمل العام والعمل الحكومي فيه بالنسبة لي نوع من الموائمة الشديدة جداً وعشان كده أنا ماليش بالتناقضات, لكن أحاول أن أطوع هذه الأشياء بقدر ما أستطيع طبعاً لأن تكون منسجمة, فلما تقول لي رقيباً وناقداً فيه نوع من المفارقة وبالتأكيد, لكن كيف وأنت تعلم ظروف العالم الثالث, ظروف هذا الوطن كيف تستطيع أن تطوع قانون الرقابة لمصلحة المبدع بقدر ما تستطيع؟ |
كيف تحاول أن توفق الرقيب والناقد؟ أحمد علي الزين: على سيرة الرقابة أنت مثلما ذكرنا تحاول أن توفق بين كونك رقيب بين هلالين يعني وبين كونك ناقداً, أنت كيف فيك يعني تعالج هذا المواضيع؟ وأديش تتعرض لمشاكل أحياناً وأديش هيدي على ود مع بعض الفنانين أو على خصام؟
علي أبو شادي: أنا أحاول بقدر المستطاع برضه أني أنا من خلال علاقاتي الطويلة قبل ذلك مع عالم الإبداع ومع عالم الثقافة, وثقة الأصدقاء المبدعين والفنانين فيّ وأيضاً يعني فهمهم لطبيعة المهمة بالنسبة لي وبالنسبة للآخرين الذين تولوها قبلي فده ييسر حاجات كتير بالنسبة لي, بالنسبة للأجهزة بالتأكيد يبقى فيه نوع من الخلاف, لكن أنا بشتغل من هذه الأشياء من موقع السياسي وليس من الموقع الحكومي أو الرقيب.
أحمد علي الزين: الموقع السياسي بأي معنى يعني؟
علي أبو شادي: بمعنى أنني أحاول أن أبحث عن مصلحة الوطن بنظرة علوية مش بنظرة ضيقة لعمل فني أو لعمل ثقافي، يعني في تصوري أن الحرية التي تتاح للمبدع هي في مصلحة هذا الوطن، أن تخفيف القيود عليه في مصلحة هذا الوطن، أن نوائم بين متطلبات الواقع نفسه ربما أحياناً متطلبات الأجهزة التي تراقبنا أنا يعني من راقب الناس مات هماً، فأنا أراقِب وأراقَب ولما رُوقبت عوقبت وفصلت..
أحمد علي الزين: مين فصلك وعاقبك؟
علي أبو شادي: يعني لا بد أن أذكرك طبعاً بحاجتين، المشكلة الكبيرة أو القضية الكبيرة أثيرت حول الرواية الشهيرة "ولمَ لأعشاب البحر؟"، وأنا كنت مسؤول عن هذا الجهاز اللي هو دور الثقافة التي أصدرت هذا الكتاب هذه الرواية، وقامت القيامة ومظاهرات وأشياء أخرى كثيرة حدت حتى بعد كده من قدرة هذا الجهاز على أنها.. بعد أنا ما مشيت يعني على أن يتابع رحلته مع الحرية يعني مع حرية الإبداع، بعدها بستة شهور صدرت روايات ثلاثة والبعض رأى فيها من جماعة الإخوان المسلمين عدم استجواب في مجلس الشعب، هم ثلاث روايات يعني أثاروا ضجة ضخمة جداً لورود بعض العبارات الرومانسية فيهم، ورأى البعض أن هذا يعني نوع من الإساءة لكل الأخلاقيات، والإساءة لكذا وكذا وكذا، وطبعاً أشياء مجتزأة من عمل فني كان شكلها الحقيقة مضحك جداً، لكن كانت نوع من التكئة عشان مرة أخرى لقهر الإبداع ولإبراز سيطرة وقوة الجماعات الأصولية في توجيه الرأي العام، ومن ثم كان على الحكومة أنها ترى..
أحمد علي الزين: حدا يطلع كبش محرقة يدفع ثمن.
علي أبو شادي: يعني يطلع خليها كبش محرقة كبش فداء كبش كذا، ولكن أنا من وجهة نظري كانت فرصة لمناقشة هذه مناقشة حرية الرأي، حرية الإبداع وكانت مثيرة جداً وما في مشكلة أنا ما دخلت السجن يعني، المشكلة ما كانت إنه علي أبو شادي خرج من موقعه.. لم يخرج، أنا عدت مرة ثانية وأنا الأمين العام للمجلس الأعلى الثقافي.
أحمد علي الزين: اللي فصلك أعادك؟
علي أبو شادي: بالتأكيد.
أحمد علي الزين: هو معالي الوزير..
علي أبو شادي: فاروق حسني.
أحمد علي الزين: كنت عم تتحدث إنه الأصوليات استغلت هذه الأعمال الإبداعية أو الرويات، كيف نشأت هذه الأصوليات؟ مَن ساهم في نشوئها وفي جعلها قوة يعني مؤثرة في المجتمع وقد تكون هي الأقوى حالياً والآخرين صاروا في موقع الدفاع عن النفس هي التيارات العلمانية والأحزاب الأخرى وحتى الحكومات يعني؟
علي أبو شادي: ما أصبحت النهار ده الحكومات زي ما بتقول حضرتك كلها رد فعل لهذه الهجمات المتتالية من هذه القوى الظلامية.
أحمد علي الزين: مين أسهم؟
علي أبو شادي: بالتأكيد فترة السبعينات مع الرئيس السادات عندما..
أحمد علي الزين: والناصرية ما أسست لها؟
علي أبو شادي: الناصرية؟ نرجع للفترة الناصرية كيف سمعت هذا الصوت في هذه الفترة؟ أين كان يعني؟
أحمد علي الزين: أسست لها بمعنى قمعها.
علي أبو شادي: القمع إذا اعتبرنا أن هذا نوع من القمع تعال نحسبها الذين لم يُقمعوا ماذا فعلوا بنا؟ فيه حاجات كتير طبعاً رغم إني أنا منتمي إلى هذا التيار أنا مش موافق على حاجات كتير جداً فيه، وده شيء طبيعي لأنه بعد ثلاثين سنة أو أربعين سنة لما تعيد تقييم التجربة تختلف المسائل، لكن أنا بقول لك أن هذا الوحش تم إخراجه من هذا القفص إذا حتى اعتبرنا أن عبد الناصر انحط في قفص خرج من هذا القفص ليكون أكثر شراسة حتى اغتال من أخرجه.
[فاصل إعلاني]
أحمد علي الزين: "ورثت هرماً أحاول أن أبني فوقه" هكذا يقول علي أبو شادي والهرم الذي قصده هو المجلس الأعلى للثقافة في مصر الذي راقب تجربة متنوعة وغنية، وأصبح واحداً من بين أهم المنارات الثقافية في العالم العربي، وكان لجابر عصفور الدور الأساسي في جعل هذا الصرح الثقافي مركز استقطاب للكتاب والمبدعين والمثقفين العرب والمصريين على السواء، وفي تحويله إلى خلية إنتاج إبداعي على مدار 15 سنة، منذ بدايات عام 2007 أصبح علي أبو شادي أميناً عاماً للمجلس الأعلى للثقافة، إرث يضع المسؤول أمام تحد جديد وأمام أفق محفزٍ على الإضافة والبناء.
علي أبو شادي: جابر عصفور بإمكانياته كناقد كبير وكمفكر كبير وكمثقف كبير استطاع أن يحوّل هذا المكان إلى شعلة قلعة للاستنارة، وأن يجمع حول كثير من المثقفين، لما يكون عندك إرث بهذا الحجم ترتكز عليه فأنت محظوظ بالتأكيد، فأنا محظوظ لما أنا أخلف قامة كبيرة جابر عصفور، هذا الإرث يجعلني أولاً لا بد أن أحافظ عليه تماماً تماماً، لأنه إرث يجب أن لا يفرط فيه على الإطلاق، اثنين أن أنميه بنفس الدرجة لأني أنا الدكتور جابر خلق مؤسسة يعني مؤسسة تستطيع أن تديرها، أنا واقف فوق هرم ببني فوقيه وبنفس الحماس..
أحمد علي الزين: وبنفس الرؤية طالما الهم مشترك.
علي أبو شادي: الهم مشترك..
أحمد علي الزين: هم التنوير ومحاربة الجهلة.
علي أبو شادي: الهم مشترك بالتأكيد وإلا ما كان بقى صاحبي أصلاً، لكن نحن أصحاب على المستوى الفكري، وعلى المستوى الثقافي، وعلى المستوى الإنساني. |