اسم البرنامج: إضاءات
مقدم البرنامج: تركي الدخيل
تاريخ الحلقة : الجمعة 10/7/2009
ضيف الحلقة: إبراهيم الكوني (روائي ليبي)
تركي الدخيل: أيها الأخوة والأخوات حياكم الله في حلقة جديدة من برنامجكم الأسبوعي إضاءات. ضيفي اليوم أيها الإخوة والأخوات هو الروائي العالمي العربي إبراهيم الكوني. حياك الله أستاذ إبراهيم.
إبراهيم الكوني: أهلاً بك.
تركي الدخيل: أستاذ إبراهيم سوف نتحدث منذ بداياتك. المعروف أنك هجرت العالم العربي منذ كنت صغيراً. التحقت للدراسة بروسيا في فترة مبكرة. انتقلت درست في معهد غوركي، وانتقلت بعد ذلك في مراحل يعني النضج إلى سويسرا في جبال الألب، وهناك أنتجت معظم أعمالك التي تزيد على 70 عملاً أدبياً، نال الكثير منها.. نلت عليها الكثير من الجوائز العالمية والعربية. البعض يعتبر أن تشكل إبراهيم الكوني في الخارج يعني يمكن أن يعتبر سلبية في حقك، بالنظر إلى عدم اهتمامه بقضايا وطنه العربي في رواياته وأطروحاته؟
إبراهيم الكوني: هذا يعتمد على ماهية هذا الاهتمام بالعالم العربي. أعتقد أن الاهتمام هو معرفي بالدرجة الأولى، يجب أن نضع في أذهاننا أن الإنسان لا يغترب عبثاً. الإنسان يغترب حاملاً بقلبه رسالة ما، وليس من الصدفة أن كلّ أصحاب الأفكار العظيمة، منذ بداية التاريخ حتى الآن هم أناس مغتربون.
تركي الدخيل: تعتبر نفسك منهم؟
إبراهيم الكوني: لا.. أعتقد. لا أضع نفسي في هذه المكانة، ولكن لا بد أن نستدل بالرسل، الرسل أيضاً كانوا مغتربين، كلهم كانوا مهاجرين.
تركي الدخيل: إذاً هل اخترت أنت الغربة لهذه الغاية؟ أم أنك استثمرت وجودك بالغربة؟
إبراهيم الكوني: لا. الأقدار هي التي تختار. عندما تختار أنت رسالة ما، لا بد أن تختارك هذه الرسالة أيضاً، وتنفيذ أي رسالة يحتاج إلى تقنيات دنيوية. أحد هذه التقنيات الدنيوية هي طلب المعرفة لإيجاد وسائل أو اللغة بالمعنى المجرد، واللغات بالمعنى الحرفي، لتجسيد هذه الرسالة، أو لتمرير هذه الرسالة، أو للتعبير عن هذه الرسالة.
تركي الدخيل: ما هي الرسالة الأساسية لدى إبراهيم الكوني من خلال هذا الإنتاج التي يودّ أن يبلغها أن ينشرها؟
إبراهيم الكوني: تعتقد أن هناك رسالة تعلو على رسالة الصحراء التي بعثت كل رسائل الرسل؟ لا أعتقد أنه ثمة رسالة أعظم من رسالة الصحراء التي بعثت للوجود كل الأفكار، التي ما زلنا نستنير بها إلى اليوم، ليست الديانات فقط، وإنما كل الأفكار التي صنعت الحضارة.
تركي الدخيل: على ماذا تتمحور في تقديرك رسالة الصحراء هذه؟
إبراهيم الكوني: هذا لا أستطيع أن أجيب عليه في لقاء عابر يقيناً. ولكن أستطيع أن أقول أن رسالة الصحراء دائماً هي رسالة الروح في هذا الوجود. فإذا كانت المدينة تمثل رسالة الوجود المجسد، أو رسالة الحرفة، فإن رسالة الصحراء تمثل رسالة الروح التي شحنت هذه الحرفة بالحياة.
تركي الدخيل: نعم. لذلك اختار إبراهيم الكوني أن تكون الصحراء هي يعني قصته التي.. مسرح أحداثه وقصته التي يكتب عنها يعني.
إبراهيم الكوني: يقيناً هي ليست قصة فقط، ولكنها قدر، إنها قدر والقدر يعني مسؤولية.
تركي الدخيل: البعض يرى أن الكوني ركز على الصحراء كثيراً لكنه لم يتعاطَ مع القضايا الرئيسية التي تشغل الأمة العربية.
إبراهيم الكوني: أعتقد أن قضية الصحراء هي قضية الأمة العربية، ومأساة الأمة العربية أنها تنكّرت لقيم الصحراء، ولرسالة الصحراء الحقيقية.
تركي الدخيل: ما هي القيم الصحراوية التي تنكرت الأمة العربية لها؟
إبراهيم الكوني: ما تحدثت عنه منذ قليل يكفي. يكفي أن الصحراء عبر القرون هي مخزون أو مخزون كنوز العالم الروحية.
تركي الدخيل: طيب كيف تنكر العرب لمخزون هذه الكنوز.
إبراهيم الكوني: أعتقد أن هذا واضح جداً من خلال اغترابهم عن روح الصحراء. اغترابهم عن رسالة الصحراء، التي لم تكن يوماً عدماً، ولم تكن يوماً جحيماً، ولم تكن يوماً منفى كما تصور الآن في اللغة حتى اليومية، يعني نستطيع أن نعطي الحق لمن لا يعرفون الصحراء في أوروبا مثلاً ولاّ في اليابان ولاّ في أي مكان آخر أن يخاطبوا الصحراء بهذه اللغة، ولكن ليس من حق العربيّ الذي هو صحراوي شاء أم أبى أن يجهل حقيقة الصحراء، لا يحق له هو بالذات أن يغترب أو تغيب عنه حقيقة الصحراء، حقيقة الصحراء الكبرى التي لا أستطيع أن أتحدث عنها هنا في..
تركي الدخيل: في عجالة.
إبراهيم الكوني: في كلمتين، باعتبارها هي منتج العالم الروحي كله بما في ذلك الثقافة النظرية، الثقافة النظرية، لأن تنفيذ هذه الثقافة لكي تصبح حضارة ماديّة، كيان حدث فيما بعد عندما وقعت هذه الأفكار بين أيدي الحرفيين، بين أيدي أولئك الذين نسميهم اليوم أهل الاستقرار، أو أهل المدن.
تركي الدخيل: المدنيين.
إبراهيم الكوني: هنا حصل التزييف. هنا حصل التزوير. ولهذا العالم دائماً يشكو من استحالة تطبيق النظريات. لهذا السبب. لأن أهل الصحراء أهل مثال، أهل الصحراء دائماً أهل تأمل ولأن الديانة..
تركي الدخيل: تصفهم بأنهم نظريين أكثر من كونهم عمليين؟
إبراهيم الكوني: يقيناً لأنهم راحلون. الإنسان الراحل هذا دينه الحرية. والحرية هي التي تُنتج التأمل، والتأمل هو الذي يُنتج الأفكار التي بدأت بالديانات والمعتقدات وانتهت إلى المصير البائس على أيدي أهل الاستقرار. هناك جدل بين المستقرين وبين الراحلين عبر التاريخ، ولهذا هذا التزوير خلق بينهم عداوة خفية. نحن نعلم جميعاً أن البدو هم أعداء تاريخيين لأهل المدن.
تركي الدخيل: تقول في كتابك الصحف الأولى في صفحة 152: الصحراء بديلة لمبدأ الميتافيزيقيا، أوعالم الغيبيات إن صحت العبارة. من عاش تجربة الصحراء ليس بحاجة أن يعيش تجربة الميتافيزيقيا، ماذا تقصد بهذه العبارة؟ هل تقصد بأن الذي يعيش بالصحراء لا يحتاج إلى الغيبيات؟
إبراهيم الكوني: لا. هذه العبارة معناها أعتقد واضح، وهو أن الصحراء كنموذج جمالي هي المكان الوحيد الذي نستطيع أن نزور فيه الموت ونعود أحياء من جديد. لأنها هي نموذج للمبدأ الميتافيزيقي الأعلى وهو الحرية. الحرية بمعناها.. ليس بمعناها التقليدي، ولكن بمعناها الكانتي، المفهوم الذي منحه لها كانت دائماً في جميع أعماله وهو نقيض الطبيعة. ولهذا الصحراء طبيعة وليست طبيعة، الصحراء مكان وليست مكاناً، لأنها لا تتوفر على شروط المكان، لأن أول شروط المكان هو إمكانية الاستقرار فيه، وإمكانية الاستقرار في المكان تشترط وجود شيء مادي وهو الماء. ولذا ترفض الإنسان، والإنسان يرفضها أيضاً، لا بد الإنسان أن يرفضه المكان ويبحث في الأفق عن مكان. هذا السباق نستطيع أن نطلق عليه الحرية. الحرية بالفعل في مبدئها الميتافيزيقي لأنها هي برزخ بين الحياة والمطلق.
تركي الدخيل: طيب. لننتقل أستاذ إبراهيم إلى قصة ثانية. هناك من يقول بأن إبراهيم الكوني برغم أن كل أعماله تقريباً تدور حول الصحراء، واتهمه بعض النقاد العرب بالتكرار في أعماله، بالنظر إلى حديثه المتكرر عن الصحراء، فوصفهم بأنهم لا يقرؤون، رداً على هذا الوصف، كيف شكّل الكوني ثقافته عن الصحراء بالرغم من أنه ترك الصحراء منذ عشر سنوات؟
إبراهيم الكوني: هذا شيء طبيعي جداً، لأن الصحراء تسكنني، يعني ليس بالضرورة أن يسكن الكاتب أو المبدع المكان الذي يحمل همّه. يعني الأهم من المكان الذي نكتب منه هو المكان الذي نكتب عنه، لأن المكان المتخيل يصبح هنا هاجساً. هذه الفكرة أو هذا الهاجس هو حافز الإبداع الحقيقي دائماً، ولذا يعني من السذاجة بمكان أن نعتقد أن المبدع يغترب عن المكان الذي يكتب عنه عندما يسكن مكاناً آخر. لا. المهم هو المكان الذي يسكنني، لا المكان الذي أسكنه.
تركي الدخيل: نعم الذي يسكن داخله وليس الذي يعيش به بالضرورة.
إبراهيم الكوني: طبعاً بطبيعة الحال.
تركي الدخيل: طيب. هل تعتقد أنه عشر سنوات كانت كافية لمخزون يمكن أن يمدك بكل هذا الخيال عن الصحراء؟
إبراهيم الكوني: هي ما..
تركي الدخيل: تزور الصحراء الآن أستاذ إبراهيم؟
إبراهيم الكوني: لأ هناك.. أزور الصحراء طبعاً. ولكن زيارة الصحراء ليست هي..
تركي الدخيل: هي القصة.
إبراهيم الكوني: ليست هي القصة. هناك قوانين للإبداع، أول هذه القوانين هو أن المبدع لا يكتب عن المكان المجرد أو المكان المرئي. هو يكتب عن ظل مكان، دائماً، هو يكتب عن المكان المتخيل. هو يحمل شعلة المكان في بعده المفقود، أي المكان X الذي يسكنه، الذي يسكنه، ولهذا السبب لا يعني شيئاً عدم حضوري في ذلك المكان، بالعكس ربما الأفضل أن أغترب عن المكان لكي أراه من بعيد. ثم أنني عندما هجرت الصحراء لم أهجرها تماماً لأنها لا تسكنني فقط سكون الطفولة، ولكنها تسكنني كفكرة، تسكنني كرسالة، هذا يعني أنني أقرأ عن الصحراء دائماً، وأتمثل الصحراء دائماً، ويعني قضيتي هي..
تركي الدخيل: هي الصحراء.
إبراهيم الكوني: هي الصحراء.
تركي الدخيل: فيما يتعلق بالصحراء..
إبراهيم الكوني: وسفري خارج الصحراء ما هو إلا وسيلة لإنقاذ الصحراء، أنت تعلم هؤلاء الذين ينقذون الشعوب دائماً أولئك الذين..
تركي الدخيل: موجودون في الخارج.
إبراهيم الكوني: لا. أولئك الذين ينقذونها من خارج. أولئك الذين ينقذون المدن في عصر الأسوار..
تركي الدخيل: تعتقد أنك ستنقذ أستاذ إبراهيم الصحراء من جبال الألب؟
إبراهيم الكوني: أنا لا أعلم، أنا همي أن أؤدي واجبي، واجبي أعتقد أنني أؤديه بالطريقة المتاحة لي، وهي طريقة الإبداع. وأعتقد أن هذه الأفكار عندما شقت الطريق..
تركي الدخيل: ما هي صورة إنقاذ الصحراء التي تأمل أن تتحقق سواء منك بجزء منها..
إبراهيم الكوني: إعادة الاعتبار للصحراء..
تركي الدخيل: هذا هو المشروع؟ إعادة الاعتبار للصحراء.
إبراهيم الكوني: بالتأكيد. إعادة الاعتبار للصحراء الحقيقية، وليست الصحراء الخارجية التي ترجم كل يوم بأوصاف حرفية، بأوصاف غير حقيقية.
تركي الدخيل: طيب. تقول يعني في صحف إبراهيم في الصفحة (20): يتلثم الطوارق الذين كثيراً ما تدافع عنهم في موضوعك الصحراوي، وهم أهل الصحراء الرئيسيين، "يتلثم الطوارق لا لإخفاء الوجه كما اعتقد الكثيرون، ولكن لإخفاء الفم الذي يحوي عضلة اللسان، ليقينهم بأنه أسوأ من كل سوءة أخرى في جسد المخلوق البشري". عندي سؤالين على هذه النقطة، السؤال الأول كان إبراهيم الكوني في السابق في رواياته الأولى يظهر بزي الطوارق، يلبس العمامة التي يخفي بها وجهه، ولا يبدو إلا شنبه الكث، الذي يبدو أنه ذهب مع الزي الصحراوي. لماذا تخليت عن زيك الصحراوي، وارتضيت البدلة الإفرنجية بديلاً؟
إبراهيم الكوني: لا. الزي. استبدلت الزي الذي كان خارجياً، أصبح زياً باطنياً، وهذا أعمق.
تركي الدخيل: يعني لبست الزي الصحراوي في الداخل؟ في السابق كنت تلبسه ولا كنت تلبسه في داخلك؟
إبراهيم الكوني: لا ألبسه أحياناً. هذا فلكور. الزي الخارجي هذا أعتبره أنا نوعاً من الفلكور، وليس هو الهوية الحقيقية. الهوية الحقيقية هي هوية الأفكار، هي هوية الهوية.
تركي الدخيل: جميل. تتحدث عن أن سبب إخفاء الطوارق لوجوههم محاولة إخفائهم لعضلة اللسان التي يعتبرونها سوءة من أعظم السوءات. لذلك أنت حريص على أن تقدم نفسك من خلال الكتابة وليس من خلال الحديث؟ مقل في الظهور التلفزيوني؟
إبراهيم الكوني: يقيناً، قول الجهل من كثرة الكلام. هذه آية من آيات السفر الجامع للعهد القديم. يقيناً أن عضلة اللسان مرادف للإثم.
تركي الدخيل: هذا الكلام لا يسرنا في التلفزيون كثيراً أستاذ إبراهيم، ولذلك سننتقل إلى فاصل قصير. فاصل قصير أيها الإخوة والأخوات نعود بعده لمواصلة حوارنا مع الروائي العربي إبراهيم الكوني، فابقوا معنا.
[فاصل إعلاني]
تركي الدخيل: حياكم الله في إضاءات مجدداً أيها الإخوة والأخوات. لا يزال حوارنا هذه الحلقة مع الأستاذ الأديب العربي الليبي إبراهيم الكوني. أستاذ إبراهيم في ذات صحف إبراهيم تقول: "ولعل تجربة استنطاق الطبيعة واستجلاء خفاياها على مر العصور كانت علة الاختراعات وسبب أخطر للاكتشافات التي حققها الإنسان في تاريخه الإنساني على الإطلاق. ونحن لن نبالغ إذا أرجعنا الفضل الأول في هذه الإنجازات إلى علم السحر الذي ما زال بلهاء كثيرون في عالمنا ينكرونه ويرونه ضرباً من ضروب الخرافات"، رغم كل العقلانية التي يكتسي بها إبراهيم الكوني، إلا أنه يروج بالسحر بهذه اللغة؟
إبراهيم الكوني: السحر ليس بالمعنى الحرفي يقيناً. السحر بمعناه الطقسي. السحر لم يكن..
تركي الدخيل: شو يعني الطقسي؟ اعذر جهلنا واشرح لنا معنى الطقسي.
إبراهيم الكوني: السحر كان له دور في تأسيس الثقافة العالمية.
تركي الدخيل: شو الفرق بين المعنى اللفظي والمعنى الطقسي؟
إبراهيم الكوني: لأ. التفسير الحرفي هو أن السحر ضرب.. رجس من عمل الشيطان يراد به عمل شيء وعمل شرير. ولكن المقصود هنا هو السحر كمحاولة لاستجلاء خفايا الطبيعة، لاستنطاق الطبيعة.
تركي الدخيل: سحر الجمال مثلاً؟ سحر البيان؟ ليس السحر ذات السحر يعني؟
إبراهيم الكوني: ليس ذات السحر. حتى ذات السحر لم يكن في بدايته يحمل هذا المفهوم الذي..
تركي الدخيل: السلبي.
إبراهيم الكوني: السلبي الذي نعرفه به الآن. كلمة السحر بالمصرية القديمة اسمها يوتب، وبلغة الطوارق أيضاً يوتب، يوتب تعني يكشف.
تركي الدخيل: الكشف.
إبراهيم الكوني: الكشف. وكلمة يوتب هذه كلمة طب، جاءت الكلمة العربية كلمة طب. وكلمة طب تلاحظ عملية هذا يعني يكشف وهذا يعني طب، وكلمة طب جاءت منها كلمة طبع، وكلمة طبع جاءت منها كلمة طبيعة. إذاً هو السحر في أصله هو استكشاف الطبيعة، أو فهم الطبيعة، أو معناه هو عالم في شؤون الطبيعة. الساحر هذا كان عالم في شؤون الطبيعة، وهو يعالج المرضى، وكان عالم نفساني أيضاً في العالم القديم. ولهذا يعني الطقوس التي عندما كانت تؤدى الرقصة الطقسية، هذه كانت نوع من السحر، لجلب الشفاء للمرضى النفسيين مثلاً.
تركي الدخيل: إذاً لا ترى.. ولذلك أنت تنتقد من يعتبر عالم السحر ضرباً من ضروب الخرافة؟
إبراهيم الكوني: لا. الخرافة أو إدانة السحر بالمعنى الحرفي كما تحدثت قبل قليل المقصود به هو أنه عمل شيطاني يراد به الشر. يعني فلان يسحر فلان معناها.
تركي الدخيل: حتى يضره.
إبراهيم الكوني: حتى يؤذيه.
تركي الدخيل: هذا المعنى الحرفي.
إبراهيم الكوني: المعنى الحرفي.
تركي الدخيل: نود أن نشير حتى أبين للسادة والسيدات المشاهدين إلى اهتمامك في اللغات. أنت تعكف حالياً على مشروع ضخم هو "بيان في لغة اللاهوت" وتصل فيه الأصول اللغوية للطوارق بلغة المصريين، ولغة سومر، وترجع أصول هذه اللغات كلها إلى أصل واحد. وهو مشروع انتُقد الكوني عليه واتهم فيه بأنه يذهب بعيداً عن الهموم الثقافية اليوم إلى هموم أكثر..
إبراهيم الكوني: اتهم بماذا؟ لم يناقشني أحد علمياً حتى الآن. هناك حقائق علمية. هناك لغات حقيقية موجودة، والرابط بينها يعني مبرهن عليه. من يناقشني؟ هذه ثقافة الشائعات. أنا اسمي هذا ثقافة الشائعات. يعني أن..
تركي الدخيل: لم يصدر أي نقد بهذا الموضوع.
إبراهيم الكوني: إطلاقاً. لم يُقرأ. يعني صدرت منذ عشر سنوات ولم تقرأ، وللأسف أنها لم تترجم، لأنه أنا تعودت الأشياء - للأسف الشديد - الأشياء لا تجد حقيقتها إلا عندما تترجم للغات أجنبية.
تركي الدخيل: أنت لديك موقف من الترجمة، لا ترى أن المترجم يجب أن يترجم إلا إذا كان عارفاً بتاريخ وتراث الرواية التي يترجمها..؟
إبراهيم الكوني: والتي يترجم إليها. بطبيعة الحال، لأنه يعني اكتشفت أخطاء جمّة في عدة لغات من أعمالي عندما ترجمت من قبل مترجمين قاصرين في ثقافة اللغة العربية، وليس في اللغة كلغة. ولهذا لا بد للمترجم الحقيقي أن يكون ملماً بثقافة اللغة التي يترجم إليها.
تركي الدخيل: أنت تتحدث ست لغات أستاذ إبراهيم؟
إبراهيم الكوني: إي نعم.
تركي الدخيل: ومعظمها تتحدثها بطلاقة. لماذا لم تفكر أن تكتب بعض نصوصك بهذه اللغات حتى تجد انتشاراً؟
إبراهيم الكوني: لأنني أحببت اللغة العربية، لأن اللغة العربية من أجمل اللغات. قد اقترح علي أحد أصدقائي منذ زمن بعيد أن أكتب باللغة الروسية في فترة كنت أتقن فيها اللغة الروسية مثل إتقاني للغة العربية. ولكن اللغة ليست يعني مجرد فروسية. أعتقد أن تكتب بلغتك ومدى أصالة أفكارك هي التي توصلك إلى العالم كله. وهذا ما حدث.
تركي الدخيل: لم تفكر أيضاً وأنت تدافع عن الطوارق أن تكتب بلغة الطوارق؟
إبراهيم الكوني: لا. لغة الطوارق لغة قديمة مثلها مثل اللغة المصرية القديمة، لغة هذا يحتاج إلى تطوير هذه اللغة. يعني إعادة.. ثم أن هناك شيء اسمه اللغة الإكس التي هي فوق كل اللغات. هذه لغة الروح، عندما تكتب بلغة الروح ستكون مفهوماً بكل اللغات، وستتلذذ بالكتابة بأي لغة تشاء.
تركي الدخيل: ومع ذلك تشتكي من عدم ترجمة هذا العمل الذي تعتبره عملاً ضخماً؟ وهو في الحقيقة عمل ضخم.
إبراهيم الكوني: لأ. هذه تقنية. نشير إلى التقنية هنا. هذا العمل يتناول علاقة اللغات العربية والعبرية ولغة مصر القديمة ولغة الطوارق واللغة السومرية واللغة اليونانية واللغة اللاتينية. كل من يتقن واحدة من هذه اللغات يتقن اللغة الأخرى.
تركي الدخيل: لأنها تنتمي إلى شجرة واحدة مثلاً؟
إبراهيم الكوني: طبعاً. يقيناً هذا مثبوت ومبرهن عليه. ما أقصده أنه هو نص فلسفي، وليس مجرد عمل لغوي، هو ليس عملاً لغوياً، ولكنه عمل في الديانات، وفي اللغات وفي الفلسفات وفي معتقدات العالم القديم، وفي الإنتربولوجيا، يعني عمل فينومولوجي. ولهذا من يتقن اللغة العربية لا يتقن الفلسفة.
تركي الدخيل: ولم يترجم إلى أي لغة؟
إبراهيم الكوني: لم يترجم و للأسف إلى أي لغة. هذا مشروع أعتبره مشروع مؤسساتي. مشروع المؤسسات العربية. أو اليونيسكو أو مثل هذه المؤسسات التي تبقرطت للأسف، سواء التابعة للأمم المتحدة، سواء التابعة للبلدان العربية، تبقرطت ولا تهتم بما يجب أن تهتم به.
تركي الدخيل: تبقرطت أي أصبحت بيروقراطية.
إبراهيم الكوني: بيرقراطية تعنى بالشؤون الإدارية ليس إلا.
تركي الدخيل: جميل. لم تفكر بعرض أحد هذه المشاريع مثلاً على جهات؟
إبراهيم الكوني: أنا لم أعرض شيئاً على أحد، وليست من مهمة المبدع أن يعرض شيئاً على الإطلاق، والدليل على ذلك أنني لم يحدث أن عرضت عملاً من أعمالي على أي مؤسسة حتى في السابق بالنسبة للأعمال الإبداعية، لم يحدث..
تركي الدخيل: أو حتى الجوائز التي حصلت عليها لم تكن أنت الذي تقدمت لها؟
إبراهيم الكوني: لا طبعاً. أنا أحد نقدي للجوائز العربية هو أن تتقدم، مفهوم المسابقة، هذه مسابقات وليست جائزة.
تركي الدخيل: جميل. في 2007 في دورة جائزة الشيخ زايد للكتاب الثانية 2007 - 2008 أعلن عن فوزك بجائزة الشيخ زايد للكتاب فرع الآداب. وتحديداً على روايتك "نداء ما كان بعيداً"، يعني قال المنظمون بأنه بالنسبة لهذه الرواية رأت الجائزة أنها تتميز بتجربة إبداعية متفردة أضافت آفاقاً إنسانية وشعورية للسرد العربي المعاصر، وصهرت منظومة من المعارف الأنثربولوجية والفلسفية العميقة لتمثيل المكوّنات الأصيلة لثقافة الصحراء الداخلة في تكوين النسيج الحضاري للأمة العربية والإسلامية، وابتكار أشكال وتقنيات سردية أثرت المتخيل الإنساني وأضفت على شعرية السرد تجليات جمالية هامة. كان الكوني قبل بضع سنوات ينتقد الجوائز العربية ويعتبر أنها..
إبراهيم الكوني: وأنتقدها حتى الآن.. عفواً بس..
تركي الدخيل: أكمّل سؤالي بس، وانتقد به كما تشاء، ما عندي تحفظ على انتقادك. جايبك تنتقد أنا على فكرة. [يضحكان]
إبراهيم الكوني: وضح.
تركي الدخيل: الفكرة أنه هل لأنك حصلت على هذه الجائزة، هل تخليت عن نقدك للجوائز العربية التي اعتبرت أنها تمنح على أساس مجاملات؟
إبراهيم الكوني: لالم أتخلى، لا بالعكس، لا بالعكس، لم يتغيّر شيء. دعنا نبدأ الأمر من بدايته، نقدي لم يكن للجوائز، وإنما لترويج فكرة الجوائز، يعني للطريقة التي تتم بها هذه الجوائز. بالعكس الجوائز سواء كانت العربية أو العالمية أثرت الثقافة العربية والثقافة العالمية بصورة غير متخيلة، يعني بداية من نوبل ونهاية بجوائزنا نحن المستحدثة. ولكن يجب أن.. هناك قوانين يجب أن نراعيها. الحكماء يقولون أن النجاح رهين العمل، أما المكافأة أو الجائزة فرهينة الحظ، هذا يعني ما معنى رهينة الحظ؟
تركي الدخيل: يعني كان حظك كويس؟
إبراهيم الكوني: معناها رهينة مشيئة الشيطان.
تركي الدخيل: الحظ هو مشيئة الشيطان؟
إبراهيم الكوني: يقيناً. ملك الحظوظ هو الشيطان. بأي معنى..؟
تركي الدخيل: يعني فوّزك الشيطان العام الماضي؟
إبراهيم الكوني: لا. بأي معنى؟ عفواً. بأي معنى؟ بمعنى أن هناك جائزتين، في جائزة الدنيا، وفي جائزة الأبدية. الجائزة الحقيقية دائماً هي جائزة الأبدية. هذه رهينة عملك. هذا رهينة العمل. دائماً أثبتت التجربة أن أولئك الذين لا يكافؤون عن استحقاق في دنياهم، يكافؤون بعد موتهم بخلود أسمائهم، هذا حدث دائماً.
تركي الدخيل: بس أليس ظلماً لهم أن يتسرب الإحباط إليهم وألا يحسوا بأن هناك من يقدر إبداعهم؟
إبراهيم الكوني: جداً، لماذا لأن العالم الدنيوي هذا محكوم بالعلاقات، محكوم بالأهواء محكوم بالأمزجة..
تركي الدخيل: بالرغبات. بالقبول والرفض.
إبراهيم الكوني: أي بناموس الشيطان كما قلت منذ قليل. ولهذا إحنا لا يجب أن نلوم لا لجنة نوبل ولا لجاننا العربية عندما تحابي أحداً على حساب أحد آخر، هذا لا بد أن يحدث لأن الدنيا هكذا.
تركي الدخيل: حتى نوبل ترى أن فيها محاباة؟
إبراهيم الكوني: طبعاً طبعاً.
تركي الدخيل: يعني هل حاباك من منحك الجائزة العام الماضي؟
إبراهيم الكوني: ربما.
تركي الدخيل: هل معك ربما ومع الناس الثانيين..
إبراهيم الكوني: لا إذا كان القراء يرون أن عملي هذا لا يستحق، شرط أن يكونوا قرؤوه وليس سمعوا عنه سمعاً، فلذلك هم الذين يحكمون. أنا أقصد أنه يجب الاحتكام للنص.
تركي الدخيل: صحيح. هل سعدت بجائزة الشيخ زايد للكتاب؟
إبراهيم الكوني: طبيعي. طبيعي.
تركي الدخيل: قصدي أنت حصلت على جائزة كبيرة من أعلى..
إبراهيم الكوني: أنا حصلت على جوائز كثيرة يعني مش هذه آخر جائزة.
تركي الدخيل: أقصد هذه الجائزة العربية مثلاً الرئيسية التي حصلت عليها..
إبراهيم الكوني: الرئيسية في الوطن العربي.
تركي الدخيل: إيه في الوطن العربي. هل أحسست بشكل من أشكال الفخر لأنه حسيت أن العرب قدروك في وقت كان التقدير يأتي من..؟
إبراهيم الكوني: طبيعي طبيعي يقيناً. لكن دائماً أتحدث عن مفاهيم. مفاهيم الجائزة يجب الجوائز، أي جائزة يجب أن تتحلى بحد أدنى لا نستطيع أن نقول 100%، ولكن بحد أدنى من النزاهة، حد أدنى من استبعاد المجاملات، حد أدنى من استبعاد قضية المنحة المالية، أو المساعدة المالية، حد أدنى من استبعاد مفهوم التأبين، أنه لا تمنح الجائزة إلا للإنسان الذي أشرف على الهاوية، هذا يحدث. هذا يحدث. يعني يجب الاحتكام دائماً للنص وليس للعلاقة مع شخص الكاتب.
تركي الدخيل: على كده أستاذ إبراهيم كنت تتمنى أن تفوز بجائزة المؤلف الشاب؟
إبراهيم الكوني: المؤلف الشاب..
تركي الدخيل: عشان ما تصير تأبين الفكرة. ما ترى..
إبراهيم الكوني: لا أقصد. أنا الشاب بالعكس.. هذا المؤلف الشاب يجب أن يفوز إذا استحق، يجب أن يفوز بأرقى الجوائز. لم لا؟
تركي الدخيل: طيب الآن فيما يتعلق بنوبل، هل تعتبر مثلاً وهي أبرز جائزة في العالم؟
إبراهيم الكوني: محكومة بنفس القوانين.
تركي الدخيل: بنفس القوانين. فيها محاباة وفيها..
إبراهيم الكوني: فيها العلاقات، يعني هذا قانون الدنيا، ليس قانون الجوائز فقط، يعني هذا قانون يعني الحياة، يعني ولهذا نستنكره، ونحاول أن نقوّمه، ولكن هو موجود وسيظل موجوداً، لأن العلاقة لا بد أن تفرض يعني الهوى أيضاً وظروف كثيرة غير النص دائماً تتدخل لتسيّر الأشياء مجرى آخر غير مجراها الحقيقي.
تركي الدخيل: أحد الظروف التي تتدخل هو الانتقال إلى فاصل، ظرف الوقت، فاصل قصير أيها الإخوة والأخوات نعود بعده لمواصلة حوارنا مع الروائي العربي الكبير إبراهيم الكوني فابقوا معنا.
[فاصل إعلاني]
تركي الدخيل: حياكم الله في إضاءات مجدداً. لا يزال حواري هذه الحلقة مع الأديب العربي إبراهيم الكوني. أستاذ إبراهيم سأتساءل عن قصة أشرت إليها لماماً أثناء حوارنا في الجزئين السابقين، وهي الحديث عن أن الكوني يكرر نفسه من خلال تعاطيه مع ذات الموضوع، مع ذات.. وهو موضوع الصحراء. أنت تدفع هذه التهمة أحياناً بغضب، لأنك تعتبر أن من يسوق هذه التهمة لا يفهم ما تكتب؟
إبراهيم الكوني: لا. ليس لا يفهم ما أكتب، وإنما لا يقرأ ما أكتب.
تركي الدخيل: بعد؟ يعني أردأ شوي.
إبرهيم الكوني: آه طبعاً. لأنه إذا كان عندهم حجج ليقولوها. لماذا نلجأ لثقافة الشائعة، آه؟ نردد كلام قيل من أحد آخر كمسلّمة. أنا أنتظر أولئك الذين يقولون لي أنني أكرر نفسي، أنتظر منهم الحجج، يأتوني بنصوص مكررة، ما أريد أن أقوله..
تركي الدخيل: اعتبارهم أن موضوع الصحراء هو الموضوع الثابت يعتبرونه تكرير.
إبراهيم الكوني: لا. هو في مشكلة أخرى. في إشكالية أخرى. هذه الإشكالية تكمن في تكرار الوظائف. يعتقدون أنني عندما أتحدث عن العراف، العراف بطبيعة الحال يعني في الصحراء عندها هيكلها السياسي والديني والاجتماعي ونظامها السياسي اللي له مصطلحاته أيضاً، عندما أكتب هنا رواية على مرحلة ما قبل التاريخ وأستعمل كلمة عرّاف وهو رجل الدين المجاور لصاحب السلطة دائماً، وأستعمل كلمة الزعيم، والزعيم دائماً في المجتمع القبلي كان إيجابياً، كان نموذجاً إيجابياً وليس نموذجاً سلبياً كما هو الحال في المدن.
تركي الدخيل: آه. لأنك هنا تعتبر تقول: لو لم يؤلّه الناس حاكماً لما عرفت الأجيال طاغياً. فهذه الصورة السلبية للزعيم.
إبراهيم الكوني: هذه الصورة السلبية للزعيم الحديث. ولكن في السابق المسألة كانت تختلف. كانوا يأتون بالحكيم، بأحكم الحكماء لكي ينصّبوه ويجبروه أحياناً، ويجبر على أن يتولى هذا المنصب.
تركي الدخيل: مافي انقلابات يعني؟
إبراهيم الكوني: لأ. انقلابات لماذا؟ هو زاهد تماماً في هذا المكان على طريقة صولون في اليونان القديمة. فالذي أقوله أنه عندما أستعمل هذه النماذج.. تعرف طبيعة الإبداعي، العمل الروائي بالذات. العمل الروائي هو عمل استعارات، ما معنى استعارات؟ معنى ذلك أن مهمة المبدع أن يحوّل العالم إلى نماذج، وهذه النماذج تتحول إلى رموز، يعني هذه رسالة العمل الروائي. فعندما أقول نموذج، آخذ نموذج العراف، أو نموذج الزعيم، أو نموذج البطل، هذا لا بد أن يتكرر لأني أتكلم على مجتمع هذا المجتمع دائماً، المجتمع الراحل هذه النماذج ترحل معه، يعني هذه دولة متنقلة، أو إمبراطوريات متنقلة في العالم القديم. ولكن عندما.. ولهذا عندما يأتي قارئ عادي وما قرأش أعمالي أو ما قرأهاش سيستيماتيك بشكل يعني منهجي ومرتب، يجد أن هذه الألقاب تتكرر، يعتقد أن هذا تكرار للنص. ثم دعنا..
تركي الدخيل: أنت تقول مش القارئ. حتى الناقد تقول ما يعرف.
إبراهيم الكوني: حتى الناقد طبعاً. إي حتى الناقد. أقصد بالقارئ أيضاً القارئ الجيد هو الناقد.. هو ناقد أيضاً..
تركي الدخيل: لو لم يحترف النقد.
إبراهيم الكوني: ثم دعنا نأتي إلى الأدب العالمي. أول رواية في التاريخ هي هوميروس، إلياذة هوميروس، هوميروس يكرر أبطال الإلياذة في الأوديسا. لماذا لا يقال أن هذا تكرار؟ يكرر الأبطال. ولكنه لا يكرر الأفكار.
تركي الدخيل: وهذا نفس الشيء، أنت تكرر الأبطال، ولا تكرر الأفكار؟
إبراهيم الكوني: آه طبعاً. وبرغم ذلك كله، وبرغم هذا كله من حق الروائي أن يكرر أفكاراً معينة، لأنه يقال أن الروائي الحقيقي يكتب كتاباً واحداً في حقيقة الأمر، حتى لو كتب عشرات الكتب لأنه في كل مرة يأتيه من زاوية مختلفة.
تركي الدخيل: شو هو كتاب إبراهيم الكوني الذي يعتبر أنه كتبه، وكل السبعين الباقية تأتي بعده؟
إبراهيم الكوني: هذا ما أبحث عنه. يعني هو في واقع الأمر المبدع يبحث عن كتاب مجهول، يعني فيه رسالة مجهولة يبحث عنها، وإلا لما أبدع، ولذلك قد يموت قبل أن ينفّذ هذا الـ.. أو يعثر على هذا الكنز، وقد يفلح في الوصول إلى هذا الكنز قبل أن يموت.
تركي الدخيل: ممتاز. خليني أنتقل إلى قصة ثانية. المعروف أن إبراهيم الكوني ينتمي إلى شعب الطوارق، هذا الشعب الذي يتبنى قضيته ويكتب عنه وعن الصحراء ويتفاعل معه. الطوارق مشهورون بأنهم أشبه ما يكونون بمن يقدس المرأة، يهتم بالمرأة إلى حد كبير، يعتبرونها ملكة وحاكماً. إلا أن موقف الكوني من المرأة يعني موقف سلب. عندي بعض العبارات..
إبراهيم الكوني: أي الكوني تعني؟ هناك الكوني المتأمل، كاتب التأملات، وهناك الكوني الذي يكتب الروايات..
تركي الدخيل: والله علمني. أنا بقرأ لك وعلمني أي واحد منهم.
إبراهيم الكوني: أيوه هذا هو..
تركي الدخيل: خليني أقرأ النص، وأنت حدد لي أي واحد.
إبراهيم الكوني: المبدع عندما يبدع الرواية، هو ليس هو، هو في ذلك الوقت محكوم بقوانين خارجة عن إرادته.
تركي الدخيل: طيب. خلينا نحاول نفهم ماذا يريد المبدع الكوني.
إبراهيم الكوني: ولذلك في نصوصي الإبداعية، تجد المرأة طاغية وقوية أكثر من أي مخلوق داخل هذه الروايات، لأن وظيفتها هناك خارج إرادتي، محكومة بقوانين وبنواميس الصحراء، ولكن عندما آتي وأتأمل شخصياً المرأة، فهنا أرجع إلى الموروث الديني المكتسب، أقصد الديانات السماوية، لأنه من أغوى الآخر وطردنا وكان سبباً في حرماننا من الفردوس؟ المرأة أغوت يعني آدم؟ أم آدم هو الذي أغوى حواء؟ فكرة الإغواء هي فكرة الخطيئة، وعندما نتحدث عن المرأة دائماً أدين الخطيئة.
تركي الدخيل: هل ترى أن المرأة هي مكمن الخطيئة؟
إبراهيم الكوني: لا مش مكمن الخطيئة هي التي أغوت بحسي الكتب السماوية.
تركي الدخيل: آه. الحين نبي نفسر المقولات اللي بقراها عليك.
إبراهيم الكوني: لا. لا عفواً ما كملتش كلامي.
تركي الدخيل: تفضل.
إبراهيم الكوني: أما إذا شئت، إذا سألتني رأيي كإنسان يحاول أن يفكر، فأستطيع أن أقول أن المرأة في بدايات التكوين كانت ذات سلطة أقوى من الرجل عشرات المرات، وهذا عبّرت عليه في الروايات. لماذا؟ لأنني أعتبر أن المرأة طبيعة، والرجل هو بعدها المفقود. زي مشكلة الروح والجسد. الرجل يلعب دور الروح دائماً، وهذا ما عناه أفلاطون عندما قال أن مهمة الرجل أن يبذر في البدن الزائل بذرة الخلود، يبذر المبدأ الخالد في البدن الزائل. الروح، الأبناء الذين يعني الأجيال التي تتعاقب، هي تحمل مبدأ الروح، وهو اللي خالد، لكن الأبدان هذه زائلة بشكل مستمر. ولهذا المرأة لها حضور في الوجود. المرأة يجب أن نقدسها وقدست في العالم القديم بالفعل، وكانت آلهة دائماً. كانت الآلهة دائماً أنثى. دائماً كان العالم أنثوياً، العالم كان امرأة.
تركي الدخيل: الله يخليك خليني أقرأ هذه. نفسي أقراها.
إبراهيم الكوني: خليني أكمّل فكرتي بس.
تركي الدخيل: تفضل.
إبراهيم الكوني: خليني أكمّل فكرتي لحظة وحدة فقط. ولكن عندما تبدل الحال وأتت الكتب السماوية، وأصبح المثال يعني مقدس أكثر من الحضور الوجودي..
تركي الدخيل: المثال.
إبراهيم الكوني: المثال. انقلب الأمر.
تركي الدخيل: تقصد النص؟
إبراهيم الكوني: لا. أقصد الديانات السماوية. عندما أتت ديانات التوحيد.. عندما أتت ديانات التوحيد حدث الانقلاب. ماذا حدث؟ حدث أن عُبد المثال المجرد، عُبد الله المجرد بديلاً عن الحضور في الوجود، عن المبدأ المرئي، ولهذا السبب نجد في العالم القديم كاهنة ولكن لا نجد نبية، في العالم القديم كاهنة ولكن لا نجد نبية، بعد الديانات لا نجد نبية.
تركي الدخيل: وترى أن هذا سلبي؟
إبراهيم الكوني: لا أعرف سلبي أم لا. هذا هو الواقع..
تركي الدخيل: توصيف..
إبراهيم الكوني: أتكلم على.. أنا أفكر بصوت عالٍ فقط.
تركي الدخيل: انتهيت يا سيدي؟
إبراهيم الكوني: آه تفضل.
تركي الدخيل: في صفحة 82 من كتاب الصحف الأولى تقول: "الدهاء ليس كيف نقيم علاقة مع امرأة. الدهاء كيف ننهي علاقة مع امرأة". عبارة أخرى، زين؟ تقول يا سيدي: "لم يفر آدم من الفردوس بخروجه من الفردوس، ولكنه فرّ من المرأة التي شاركته عزلة الفردوس". ثم تقول في صفحة 110: "إذا دخل الله قلباً خرجت منه المرأة، وإذا دخلت المرأة قلباً خرج منه الله"، "خلق الرجل ليعرف الخالق، وخلقت المرأة لتعرف الرجل"، إلى آخر هذه المقولات. هذه مين اللي كاتبها؟ الكوني المبدع ولاّ الكوني المتأمل؟
إبراهيم الكوني: لا المتأمل..
تركي الدخيل: المتأمل، اللي قدامي الحين أي واحد فيهم؟
إبراهيم الكوني: الآن؟ الآن الثرثار. [يضحك]
تركي الدخيل: جميل هذه..
إبراهيم الكوني: هذه المقولات تؤكد ما قلته منذ قليل عن مبدأ الخطيئة. هذا مبدأ نحس به جميعاً. وتحسّ به المرأة أول من يحس به، أنها أن.. يعني الكوني لم يقل 1% مما قالته الديانات في المرأة وما قاله الحكماء في المرأة.
تركي الدخيل: بس هل ترى هذه المقولات إيجابية ولاّ سلبية؟
إبراهيم الكوني: لا. هذا واقع الحال. هي ليست مذنبة المرأة فيما حدث. هو يعني قدرها. كل إنسان محكوم بقدره. هذه ليست إدانة للمرأة. بالعكس المرأة يعني كما قلت لك منذ قليل هي إلهة في العالم القديم. ولذلك أنا.. فيّ يعيش هذه العوالم كلها، فيّ تعيش، ولهذا لازم تنطق هذه الأشياء كلها، يعيش فيّ العالم القديم، يعيش فيّ عالم الديانات السماوية، ويحيا فيّ الإنسان المتأمل، المبدع ليس ذاتاً واحدة، المبدع مركّب تركيباً معقداً من ذوات كثيرة.
تركي الدخيل: ممتاز. تقول أيضاً في أحد كتبك، يحترف الإنسان السياسة عندما لا يجد ما يفعل؟
إبراهيم الكوني: يقيناً.
تركي الدخيل: لذلك أنت تجد ما تفعل وابتعدت عن السياسة؟
إبراهيم الكوني: يقيناً.
تركي الدخيل: هل القضية التي تدافع عنها فيما يتعلق بموضوع الصحراء هل تغيب عنها السياسة؟
إبراهيم الكوني: أنا لا أطرح، ليست من مهمة المبدع أن يتدخل في قضايا دنيوية، المبدع يبدع منظومة، يبدع نظاماً..
تركي الدخيل: تقصد قضايا دنيوية اللي هي السياسة؟
إبراهيم الكوني: ليس هناك دنيوية أكثر من السياسة. يعني أنا أؤمن بالتخصص، أن كل إنسان له رسالة محددة، أنا لا أستطيع أن أجمع عشر بطيخات في يد واحدة وأسير بها ثم أفلح. مأساتنا في العالم العربي أننا لا نحتكم إلى ساحة هذا التخصص، أن كل إنسان يجب..
تركي الدخيل: أن تتحدث في تخصصه.
إبراهيم الكوني: يجب أن يعمل عمله.
تركي الدخيل: نعم. من تحدث في غير فنه أتى بالعجائب.
إبراهيم الكوني: يقيناً.
تركي الدخيل: والمشكلة أن السياسيين يجيبون العجايب دائماً. لأنهم يتحدثون في فن لا يتقنونه. هذا أنقله عنك يعني بس عشان. أحد المقالات التي كتبت في جريدة البيان قبل أسبوعين تقريباً، كتب الدكتور سليمان الهتلان مقالاً عنوانه: "القارئ العربي بين إبراهيم الكوني وباولو كويلو" أشار فيه إلى مهرجان طيران الإمارات للآداب الذي حضرت فيه، وأشار إلى أنك ومجموعة من الروائيين العرب الكبار حضرتم أكثر من أمسية، منها مثلاً أمسية عن الرواية العربية، شاركتم وأنتم قامات كبيرة، ولم يحضر فيها الكثير من الناس. تحدث أيضاً أنه عندما يقارن الكوني وهو يوقّع كتبه وكل إبداعاته وحضوره وحصوله على تكريم من مؤسسات شهيرة في الغرب، إلا أنه لم يجد حضوراً في العالم العربي، ويعزو ذلك إلى ضعف التسويق، فهل ترى أن هناك ضعفاً في تسويق المثقف إنتاجه في العالم العربي؟
إبراهيم الكوني: لا. عملية التسويق هذه يقيناً هي عمليات تقنية، يعني ترتبط بظروف كثيرة، المبدع لا ينشد لا شهرة ولا صيت ولا.. الحقيقة دائماً في حالة اغتراب عبر التاريخ، ولذلك يجب أن يرضى بهذا القدر بالعكس في هذا المهرجان بالذات كان فيه الحضور أعلى من أي وقت مضى.
تركي الدخيل: من المهرجانات الباقية.
إبراهيم الكوني: ومهرجانات كثيرة. ولهذا لا أعتقد أن هذا شيء سلبي لأننا في نهاية المطاف ستنتصر مع الزمن..
تركي الدخيل: مقارنة بالخارج تجد فوارق كبيرة؟ لذلك كنت تعزف عن المنتديات العربية إلى المنتديات الغربية مثلاً؟
إبراهيم الكوني: لا. دائماً الأشياء الجدية، دائماً الكتابة الجادة، دائماً الموضوع الجاد يعني لا يرجو له الإنسان..
تركي الدخيل: لا يحظى باحتفاء كبير..
إبراهيم الكوني: لا يحظى.. يقيناً. ما لم يرجم بالحجارة، فهذا شيء جيد.
تركي الدخيل: ما لم؟
إبراهيم الكوني: ما لم يرجم بالحجارة..
تركي الدخيل: وإلى الآن لم ترجم ها؟
إبراهيم الكوني: لم أرجم حتى الآن والحمد لله.
تركي الدخيل: إن شاء الله ما ترجم. خصوصاً وأنت عندنا. ما ترجم أبداً إن شاء الله. سأسألك عن سؤال أخير أود أن أختم به حديثي. هل تستخدم في رواياتك الأسطورة والرمز للهرب من الحديث بواقعية ومباشرة؟
إبراهيم الكوني: لا. الرمز والأسطورة هذه من شروط العمل الإبداعي، الرواية أسطرة، الرواية لا بد أن تتحول أسطورة إذا شئت أن تبقى، وإذا شئت أن تجد نجاحاً. يعني هناك قوانين للعمل الإبداعي، العمل الإبداعي عمل استعاراتي، عمل يتعامل مع الرموز، ويتعامل مع الأسطورة، سواء كانت في اللغة سواء كان.. ثم أنني عندما أتحدث عن الصحراء، الصحراء لها طبيعتها، لأن إذا كان الوجود..
تركي الدخيل: والأسطورة حاضرة في الصحراء أكثر من غيرها؟
إبراهيم الكوني: يقيناً. إذا كان الوجود هو زمان ومكان، فزمان الصحراء ليس زماناً ومكان الصحراء ليس مكاناً. كلاهما يحمل أبعاداً أسطورية. ولهذا زمان الصحراء زمان ثابت، كأنه الأبدية. ومكان الصحراء كما قلنا منذ قليل مكان يرفض المكان. ولذلك هو لا يستوفي شروط المكان، ولهذا هو ليس بمكان.
تركي الدخيل: نحن استوفينا أستاذ إبراهيم الوقت. فشكراً للأستاذ الكبير إبراهيم الكوني على هذا اللقاء.
إبراهيم الكوني: شكراً.
تركي الدخيل: شكراً لكم أنتم أيها الإخوة والأخوات على متابعة هذه الحلقة من إضاءات، حتى أترككم وألقاكم في مرة ثانية بحفظ الله. في أمان الله.