عبد الرحمن الراشد
لو ادار السياسة الاميركية مسؤول مالي لربما كانت قراراته اكثر انسجاما ووضوحا. اقتصاديا لن تجد مشكلة في فهم أين الخطأ. قارن بين هذين العرضين، من اجل ان تقنع المسلمين بوجهة النظر المعتدلة تستثمر مائتي مليون دولار وأن تحقق النتيجة نفسها مجانا.
المؤسسة الاميركية الرسمية تنفق بكرم على إطلاق محطات إذاعية وتلفزيونية تروج للاعتدال بين العرب، والعلاقة الحسنة مع المسلمين، ثم تقوم علانية بصد مسلم مشهور يروّج للاعتدال ايضا بين المسلمين، فيكتشف الملأ ان الحكومة الاميركية عاجزة عن قبول رجل معتدل واحد كيوسف إسلام، ويتساءل مشككا كيف يمكن ان تعامِل غيره.
لماذا هذا التناقض؟
السبب يكمن في ان الحكومة ليست شخصا واحدا يفكر بنفس العقل ويتصرف بنفس اليدين. فمحطتها التلفزيونية تقبل وتسمح لأصحاب آراء يختلفون مع الرأي الاميركي بأن يعبروا عن مواقفهم، بل وتدفع ثمن ذلك من جيبها لكن جهازها الأمني يمنع المطرب المعتزل والمسلم المعتدل يوسف إسلام من دخول اراضيها في دراما مبالغ فيها ووسط تغطية اعلامية كبيرة ومخجلة؟
وزارة الخارجية ليست الـ«إف بي آي»، ومن يسمح باستضافة المعارضين على «سوا» ليس هو من يمنع دخول يوسف إسلام مطار دالاس، وهذا يعبر عن تناقض في الفكر والتخطيط. فالداعية يوسف، ليس مثل ابو حمزة او ابو قتادة، هو ضد التطرف وضد الخطف وضد الإرهاب مهما كانت مبرراته. وكان قويا في عدائه لما حدث في مدرسة بيسلان، ولا يحمل شيئا من صفات المتطرفين، وإن اختلطت صورته بلحيته الحمراء مع صورهم وموقفه السياسي مع موقفهم.
من الطبيعي ان يتبنى رجل كيوسف موقفا معارضا للحرب في العراق، وهو يرى في نفسه دور الداعية المتدين. فموقفه المعادي للحرب في العراق يعكس حالة جماعية شملت قساوسة مسيحيين وحاخامات يهودا واكاديميين وساسة اوروبيين واميركيين. وليست هناك مبالغة في القول إن الاعتراض على الحرب كان موقفا شائعا ومشروعا ولم تستنكره او تحظره السلطات الاميركية نفسها، وبالتالي يحمل مبرر منعه تطرفا وإضرارا; أولا بالمصالح الاميركية التي تحتاج في هذا الوقت العصيب لدعاة معتدلين يختلفون معها في قضايا سياسية، لكن يتفقون معها على رفض الإرهاب ومحاربته.
في زمننا الحالي، الحكومة الاميركية هي التي في حاجة الى رموز ومفكرين ومثقفين مثل يوسف اسلام وغيره من الذين يقفون في منتصف الطريق، وليسوا هم الذين في حاجة إليها. ونحن هنا نفرق بين دعاة يُروجون للكراهية ويفتون بالقتل مثل الشيخ التلفزيوني القرضاوي زعيم فرقة التطرف الذي له دور خطير في تخريب فكر المسلمين ودفعهم نحو الإيمان بالحرب والخطف والقتل. أما يوسف إسلام وكثيرون غيره، فهم معتدلون وضد العنف لكنهم يتبنون فكرا مناهضا للسياسة الاميركية بشكل صريح لا مواربة فيه وهذا حقهم.
***
منعت السلطات الاميركية الداعية يوسف اسلام من دخول بلادها بحجة موقفه المعارض، فقد سبق له أن قاد مظاهرة ضد الحرب، لكن إسلام لم يدع قط للإرهاب. ففي طروحاته السياسية هو رجل حر لكن في اخلاقياته ينسجم مع تعاليم الإسلام التي تعتبر القتل اعظم الجرائم. فالمعتدلون امثاله رموز مهمة في العالم الاسلامي ويستحقون ان يحترموا مهما اختلفت مواقفنا معهم.
الحكومة الاميركية في حاجة لرجال الدين المعتدلين في وقت غلب فيه صوت رجال الدين المتطرفين، وعليها ان تتذكر ان المعتدل من الناس يواجه محنة كبيرة في التعبير عن نفسه امام جمهور مغسول العقل ومشحون العاطفة. وهذا يؤكده عالم جليل هو الشيخ عبد المحسن العبيكان في برنامجه الشجاع على شاشة «إم بي سي» الذي يواجه في كل حلقة اسئلة احتجاجية ضد ما يقوله ولم يألفه عامة المشاهدين الذين اعتادوا على التطرف الاعلامي في الآونة الاخيرة. قال لمشاهديه مذكرا، لا معتذرا، إن الأهون له ان يقف امامهم ويردد كلاما يرضي عواطفهم كما يفعل شيوخ آخرون حتى لو كان ذلك على حساب القواعد الشرعية الإسلامية الصحيحة. رفض تسييس الفتاوى ونأى بنفسه عن تحويل الدين الى برنامج رياضي واختار ان يواجه بشجاعة احتجاجات الناس وقناعاتهم المغلوطة.
على الحكومة الاميركية ألا تبحث عن فقهاء من هوليوود ايضا يؤدون ادوارا مكتوبة او خطباء يصلحون لبرامج الصباح التلفزيونية في نيويورك او مينسوتا. هؤلاء يتعاطون الدين في مجتمعاتهم ووفق قواعد لا تتعارض في اساسها مع ناموس اي مجتمع يحترم قيمة الانسان وقيم مجتمعه. وهي نفسها التي يقولها القس الاميركي في كنيسته، والاستاذ في مدرسته، واي مرب آخر يدعو للقيم الكبيرة. الإسلام ليس بدين جديد لكن هناك مسلمين جددا غريبي الاطوار كما يوجد مثلهم يهود ومسيحيون متطرفون لهم حلقاتهم ومعابدهم وجمهورهم.
وكلنا يعرف ان الحكومة الاميركية تنفق مبالغ طائلة من أجل تجسير الهوة وإقناع العالم الاسلامي بأنها ليست عدوة لهم مستذكرة ان العراقيين هم من ارادوا إسقاط نظام شرير، وان القاعدة قتلت من المسلمين اكثر مما قتلت من الأميركيين. هذا كله صحيح، لكن عليها ايضا الا ترتكب ما تنهاهم عنه وهو الحكم على المسلمين من خلال ما تراه من صور الاخبار التلفزيونية، ولا ان تتعامل مع رجال الدين المسلمين على انهم مثل بن لادن، فأغلبيتهم ليسوا كذلك. فهي في حاجة الى تشجيع المعتدلين من أهل الدين وفتح النوافذ للنقاش معهم. يوسف إسلام كان يمكن ان يستمع منه ويشرح له ويعامل بما يتوقعه المسلمون من احترام لرموزهم بما يثبت ان ما تقوله واشنطن ليس مجرد دعايات من اصدار مكتب للعلاقات العامة. بالطبع يوجد رجال دين يختلفون مع واشنطن في قضايا كثيرة، وهو خلاف طبيعي لا يناقض أسس العلاقة مع الإنسان الحر. أما القضية التي لا يمكن لنا جميعا ان نتهاون فيها فكريا وخطابيا من عالم او جاهل، فهي التحريض على العنف وبث الكراهية ضد الآخرين، وما عداه فإن لكل الحق في ان يعارض واشنطن في أي شأن يراه من دون أن يخشى العقاب.
* عن جريدة "الشرق الأوسط" اللندنية
|
