طبـاعة


حفـظ


ارسال
الإثنين 25 صفر 1426هـ - 04 أبريل2005م
هل تحتاج مؤخراتنا مزيدا من الضرب ؟
 

خالد عويس

قرأت عن علاج جديد للاكتئاب أقترحه أخيرا معهد نوفوسيبريسك الطبي مفاده أن ضرب المؤخرة بعصا خيزران قد يكون ناجعا في مداواة المكتئبين. ولعل الدكتور سيرغيه سبيرانسكي الذي أشار إلى أن المريض يحتاج إلى برنامج علاجي يتألف من 30 جلسة كحد أدنى و60 جلسة كحد أقصى، وهي الجلسات التي يتم خلالها ضربه 50 مرة بعصا خيزران على مؤخرته شريطة ألا يكون الضرب مبرحا، لم يسمع عن منطقة تدعى الشرق الأوسط !!

ففي الشرق الأوسط يشقى التلاميذ الصغار بهذا النوع من التعذيب القسري إلى درجة تجبر نسبة منهم على ترك مقاعدهم الدراسية إلى الأبد. ومن تشاء له الأقدار أن يكمل دراسته، لا شك أن سيجابه مرة ثانية بالخيزران في أروقة أجهزة الأمن. وهكذا تمضي الحياة بشعوب المنطقة من خيزران إلى خيزران. ومؤخراتنا ما عادت تحتمل الضرب حتى لو كان في ذلك شفاؤنا من مرض يعاني منه سوادنا الأعظم !!
ويصلح علاج الدكتورسبيرانسكي لشعوب لا تعاني مؤخراتها من تقرحات نتاج عقود من الضرب. أما في حالتنا، فإن مجرد التفكير في أمر كهذا سيؤدي بمن تبقى في المنطقة لطلب لجوء سياسي إلى الغرب كما فعل الكاتب الكويتي أحمد البغدادي. ولك أن تتخيل علاجا يتضمن ضربك على المؤخرة 300 مرة بالخيزران خلال 60 جلسة. هذا طبعا بالاضافة لما تعرضت له بالأساس في المدرسة ودوائر أجهزة الأمن ما يجعل المجموع يفوق ألفا أو ألفين. وهكذا فستمضي حياتك كلها ما بين المدرسة وأجهزة الأمن والطبيب في ضرب متواصل.
وللدكتور سبيرانسكي أن يقوم بجولة في المنطقة ليتسنى له الاطلاع عن كثب على حال مؤخراتنا قبل أن يصدر رأيا طبيا يمكن أن تتعامل معه أجهزتنا الأمنية بجدية بالغة لتقرر أن في الضرب شفاء للناس. وبدلا من أن تمارس ذلك في الخفاء خشية منظمات حقوق الانسان، ستعمد إلى "تكثيف" العلاج وبشكل علني !!
ولو قررت حكومات المنطقة اعتماد هذا العلاج، فستزدهر تجارة الخيزران، وربما يصدق بعضنا فعلا امكان التداوي من الاكتئاب المزمن بضرب المؤخرات. وسيكون من شأن هذا أن تقوم وزارات الصحة برقابة صارمة على استيراد أعواد الخيزران. فبدلا من "خيزرانة عند اللزوم" ربما يعمد بعض المدمنين إلى تناول "جرعات" مضاعفة قد تودي بمؤخراتهم.
ولابد أيضا من التأكد من "جودة" الخيزران قبل استخدامه. فالمؤخرات في الغرب مثلا لا تحتاج عصي غليظة بحكم أنها لم تعتد الضرب. لكن مؤخراتنا تمرست في هذا النوع من العلاج وتداوت به لعقود من مرض "طول اللسان" و"ذم الأنظمة"، ولن يكون من اللائق استعمال عصي ناعمة في ضربها.
وربما يكتشف لاحقا أن الخيزران نفسه لا يصلح لعلاج مؤخرات الشرق الأوسط. وسيصار حينها إلى اكتشاف أنواع جديدة من العلاج، مثلا، يمكن اللجوء إلى أسياخ الحديد. وستبرز معضلة تجابه هؤلاء العلماء النابهين، إذ لم يدلونا إلى غاية الآن عن كيفية علاج المؤخرات المحشوة بالسليكون !!وبمقدور الشرق الأوسط أن يصدر ليس عصي الخيزران وحدها إلى الغرب، وإنما أطباء معالجين من الحقل الأمني بوصف هؤلاء الأخيرين "خبراء عالميين" في استخدام هذا العلاج. والرائع في أسلوب العلاج هذا، أنه ليس مكلفا، خصوصا إذا تمت زراعة مساحات شاسعة من الشرق الأوسط بالخيزران، ليس لتأديبنا – حاشا لله – وإنما للتداوي.
بيد أن ثمة أمر أخير يشغل تفكيري، هل يصلح "الخيزران" مؤخراتنا الفاسدة بعد عقود من الضرب؟ والأهم من ذلك، هل أوحى شرق أوسطي للعلماء بهذا العلاج ؟ وما الذي يضمن ألا يخرجوا علينا بعد حين بعلاج يتمثل بصدمات كهربائية أو تعليق الانسان إلى مروحة سقف؟
أخشى إنني سأقول للدكتورسبيرانسكي أن علاجه مردود عليه. فنحن "هنا" لا تحتمل مؤخراتنا مزيدا من الضرب. بل أن علاجه الفاشل هذا جربه ولاة أمورنا على سائر أنحاء أجسادنا وأورثونا كآبة لا يزيلها الضرب ولا الحقن ولا البلع.

عودة للأعلى
تعليقات حول الموضوع
هل ترغب في التعليق على الموضوع؟

الاسم: 

عنوان التعليق: 

نص التعليق: