د.
سيار الجميل
كتب احد اصدقائي القاضي الفاضل زهير عبود اخيراً عن حالات جديدة من التغلغل الايراني في دواخل العراق، ووثّق كلامه بما يرويه اهل العراق اليوم عن اختراقات ايرانية خطيرة لمدن عراقية وخصوصا العتبات الشيعية المقدسة في الوسط والجنوب العراقيين. وكم تنتشر القيم والأعراف الإيرانية في اوساط العراقيين الذين اخذوا يحملون معها الماً دفينا وحرقة في ارواحهم ازاء هذه الهجمة الايرانية التي تأتي بسبق إصرار في دواخل الحياة العراقية. ومقاصد هذا التغلغل المبّيت دخيل على الحياة العراقية وخصوصياتها، وسيغدو مؤثرا على مسيرة العراق الديموقراطية السياسية ومدّمرا للحياة الاجتماعية العراقية المتعارضة اصلا مع ايران بمختلف الوانها واطيافها وكل اشكالها ومضامينها.
ان للمجتمع الايراني توجهاته وخصوصياته التي يحترمها الجميع، وله الحق في ان يتخذ اسلوبه في حكم نفسه، وللمجتمع العراقي خصوصياته المختلفة في ان يتخذ ما يلائمه ويناسبه طبقا لظروفه وحالاته وطبيعة انتماءات ابنائه. ويكفي ان حربا شعواء استمرت لثماني سنوات من حياة البلدين لم تزل آثارها التدميرية شاهدة للعيان، وكان من دوافعها : ما اعلنته ايران منذ العام 1979 من تصديرها لثورتها الاسلامية، والعالم كله يعلم أن المبادىء تستلهمها الشعوب ولا تصدرها الحكومات.
لقد وضعت الحرب اوزارها بين العراق وايران ولكن لم تبرم حتى اليوم اي معاهدة بين البلدين تحدّد مستوى العلاقة المستقبلية، اذ فشل الجانبان ايام العهد السابق في الاتفاق عليها. ولم يزل ملف هذا " الموضوع " شائكا ومعقّدا خصوصا ان ايران لم تُرجع للعراق طائراته التي أمّنها لديها، وانها لم تصدر حتى اليوم ما يفيد في شأنها وشأن علاقتها بالعراق بعد سقوط صدام حسين ونظامه الجائر، علما بأن الجميع يدرك حجم التدخل غير المشروع من جانب ايران في الشأن العراقي اليوم، واختراقاتها العلنية من الابواب الخلفية.
|
 |
خصوصيات العراق وايران لم يتدّخل العراقيون في الشأن الايراني ابدا، وهم يحترمون خصوصيات الشعب الإيراني وحقه في اتخاذ شكل الحكم الذي يناسبه، وايران تدرك بما لا يقبل مجالا للشك أن ما يريده العراقيون يختلف قطعاً عن شكل السلطة التي عليها ايران، وهم يدركون أن للعراق خصوصيته الدينية والقومية التي لا تماثلها الطبيعة الإيرانية، بالإضافة الى أن أسلوب الحكم لدى الجارة إيران لا يتناسب بأي شكل كان مع الطبيعة العراقية. وهذا ما عّبر عنه الزعماء العراقيون الجدد، بل ان الزعيم الروحي الشيعي سماحة السيد علي السيستاني نبّه الى ذلك في اكثر من مرة.
اذن، ما الذي يجعل ايران تقوم بادوار خفية ومعلنة، سياسية ودعائية، واجتماعية وطائفية، في الاراضي العراقية؟ وهي تدرك حق الادراك ما الاوضاع الصعبة التي يعيشها العراق والعراقيون! إن علاقات الجيرة الازلية تفرض على ايران ان تقدّر ارادة العراقيين كلهم في تقرير مصيرهم، وان تسود لغة الحوار والتفاهم والإحترام لهذه الخصوصيات وعدم التدخل في الشأن الداخلي لأي من الطرفين في اتجاه الاخر، فضلا عن التعاون المثمر بين حكومات المنطقة من اجل القضاء على الارهاب الذي بات يعاني منه اهل العراق بشكل مخيف.
إن العراقيين يطالبون بتحجيم تدفق الايرانيين عبر الحدود مع العراق، اذ شهدت كل من السنتين المنصرمتين اختراقات كبرى لهم بحجج الزيارة للعتبات المقدّسة والمكوث هناك. وتقول آخر المعلومات أن اللغة الفارسية باتت لغة تملأ الاسماع في الأسواق والشوارع العراقية، وتنتشر الشائعات القائلة بأن التاجر لن يتفاهم الا بالفارسية! وهذا ما لا يمكن قبوله ابدا عندما تتم الهجمة من هذا الباب وباساليب غير معلنة وخفية حتى على ابناء العراق ومن دون أي مبرر ولا اي قبول.
|
 |
امتدادات الظاهرة الايرانية لقد غدت الظاهرة الايرانية واضحة تمام الوضوح في العراق الاوسط والجنوبي، وخصوصا عند الأضرحة المقدسة التي تتشرف بها دواخل المدن العراقية الوسطى. وهنا يتم تكريس الظاهرة الإيرانية لمشروع الزيارات. فيتم تقسيم الناس الى صفوف للرجال واخرى للنساء بعيدة عنهم، في حين ان الاعراف العراقية لا تقّر بذلك، اذ اصبحت مسألة الإختلاط في الزيارة من جانب القائمين على الأشراف على المراسيم: اباحة ينبغي تغييرها من العرف العراقي الى الظاهرة الايرانية، علما بأن طقوساً رمزية كهذه تجري منذ مئات السنين لم تكتس مثل هذا الثوب الغريب، اذ لا نجد اي تقسيمات ولا اي تصنيفات في اداء مناسك الحج الى بيت الله الحرام!
ولم يتوقّف الامر عند هذا الحد، بل وصل الى ان ينفصل الذكور عن الاناث في كل مرفق من مرافق الحياة العراقية تشبها بايران واعرافها، حتى وصل الامر – كما سمعت اخيراً – أن اعضاء الجمعية الوطنية العامة في العراق قد انقسموا ذكوراً واناثاً وكأننا نعيش في العصور البدائية، وهن يتكومن بعباءاتهن السوداء !! ولابد ان يعرف العالم كله أن العراق لم يكن في اي عصر من العصور يقيم الجدران العازلة بين الذكور والاناث لا في الحقول ولا في المصانع ولا في الثقافة ولا في الزيارات ولا في الجامعات ولا في الاسواق. وصولا الى الاجتماعات والاحتفالات والتظاهرات. فللمرأة العراقية كرامتها وقدسيتها وكانت دوما اخت الرجل العراقي في الاماكن العامة. فما الذي يحدث من ظواهر طارئة ونشاز في حياة العراقيين وهم في عمق المأساة؟
ان ما يصادفونه من ضغوط وممارسات قهر ووسائل تهديد وادوات عنف من جانب احزاب وجماعات وعصابات وملالٍ معممين قد جعل الناس اسرى هذه الظاهرة المقيتة من دون اي معالجات من جانب الحكومة ولا اي حلول رسمية، بل يقال ان بعض رجال الحكم الحالي ضالعون في تكريس هذه الظاهرة البليدة التي ستجعل من العراق بلدا تسوده الانقسامات وتتكرس فيه الظاهرة الايرانية.
|
 |
ما الذي يحدث في العراق ؟ لقد وصلت المغالاة الى درجة فاضحة من جانب عراقيين متطرفين ومتعصبين للظاهرة الايرانية بحيث تشكّلت سادنات من النسوة مقابل اجور بغرض الحماية وغالباً ماتتعرض النسوة العراقيات القادمات لتساؤلات غريبة من تلكن السادنات، تتصل بخفة العباءة او سمكها، اذ المطلوب ان تكون سميكة، أو عدم اظهار اي خصلة من الشعر، مع حفنة من القرارات بالممنوعات التي يمارسها السدنة والسادنات ضد الزائرين والزائرات الذين يتعرضون جميعا لاسئلة تحقيقية في العتبات المقدسة. ولكن الاكثر مدعاة للاستغراب والألم ان يتم التخاطب والتفاهم بين هؤلاء القائمين باللغة الفارسية بديلاً عن العربية، وهي حالة تدعو حقا للإحباط والاستغراب. ان ذلك ايها الاخوة المسؤولون العراقيون سيزيد من حدة الاتهامات التي تحاول النيل من شيعة العراق العرب وعلاقتهم مع إيران. فضلا عن التساؤل الذي يفرض نفسه دوما : ما دور الاحزاب الدينية العراقية في تكريس الظاهرة الايرانية في العراق اليوم ؟ وهذا السؤال لا يصدر مني، فقد سمعته من العديد من الاخوة والاصدقاء الشيعة العراقيين انفسهم. ان الظاهرة الايرانية تبدو واضحة في الاسواق، فسوق الهنود في البصرة تحّول سوقاً للعجم، فالايرانية تسمع رطانتها في جنباته. وترفع الاعلام والصور والرايات الدينية فوق مراكز الشرطة، وقد كتب عليها اسم الشهيد الحسين ( ع )، فهل هذا امر صحيح ومبرر؟ ام أساءة كبيرة حين يتم تسويق المقدسات الدينية والتاريخية لغايات دنيوية؟ ان ابناء العراق لا يعتبون على وجود اناس يتحدثون الفارسية، ولكن تكمن المشكلة في تغليب الفارسية على العربية وأعتبارها لغة التخاطب التجاري أو السياسي، فمتى اصبحت البصرة مدينة فارسية؟
|
 |
وأخيرا: ما العمل؟ ان الظاهرة الايرانية بدت تسيء بشكل سافر الى القيم والاعتبارات والاعراف والتقاليد العراقية والى القيم الوطنية العراقية وكرامة العراقيين الدينية والشيعية في مقدمها. وانني عاتب على من يقوم مسؤولا على ادارة بعض المدن العراقية في الوسط والجنوب، اذ لا يمكن ان يكون تعاطفهم مع تلك الظاهرة سببا في صبغ حياة العراقيين بالصبغة الايرانية وتكريس الموفدات الايرانية على حساب واقع الحياة العراقية. انها جناية تلك الادارات والاحزاب الدينية بحق الاهل والوطن.
ان البصرة والناصرية والعمارة وكربلاء والنجف والكوفة مدن عربية وعراقية قبل اي هوية اخرى تثير الاستهجان، ومن كل القوميات التي يفتخر بها العراق. وحري بالأحزاب العراقية الدينية منها أن تلتفت الى مثل هذه الظاهرة المؤسفة التي ستجر العراق الى ان يكون نسخة مشوهة من قيم ايران على حساب قيم العراق وعلى الدولة العراقية الجديدة ان تلتفت الى هذه المأساة بحق هويتنا العراقية وعروبة مجتمعنا في هذه المدن العريقة. وان تقف امام تعّصب بعض الاحزاب التي تسود في الساحة العراقية وتطرفها.
* نقلا عن جريدة "النهار" اللبنانية
|
