داود البصري
يبدو ان جولات الصراع التسخينية بين ( ورثة ) النظام القمعي البعثي المنهار في دمشق قد بدأت تتناغم طرديا ووفق ايقاعات عالية الضجيج مع حملات قوى الامن السورية المستشرسة ضد قطاعات وقوى المجتمع المدني السوري, وضد جميع الاصوات التي تجرأت وكسرت حواجز الخوف والخشية والتردد, فصمت الشعب السوري قد طال حتى اضحى صمتا اسطوريا يؤشر على رفض عميق ومتجذر لواقعه المأساوي, ولماضيه المضطرب, ولمستقبله المجهول, في ظل نظام سياسي عاجز ومتخبط واداري فاسد حتى النخاع, وباتت مهمة الاصلاح الوطني الداخلية من المهام الصعبة والمعقدة, لان الاصلاح بركائزه الاساسية بات يصطدم علنا بارادات المتجبرين الذين لايفهمون سوى لغة القمع والاستئصال من قادة الاجهزة الامنية القمعية الساديين الذين لا يجدون انفسهم الا من خلال القمع والسلخ والتعذيب, وهي القضية التي يقف منها عموم الشعب السوري موقفا رافضا, فلقد انتهى عصر الاستبداد, وسقطت دولة الاصنام التي يريدون المحافظة عليها, وتهاوت كل قلاع القمع او هي في طريقها للتهاوي والتراجع التام, وباتت حرية الشعب السوري وانعتاقه قضية ستراتيجية بعد ان اعتبرها النظام ترفا لا لزوم له ?, وسقطت الشعارات التمويهية والمضحكة القائلة بضرورة التوازن الستراتيجي مع اسرائيل التي اطلقها النظام الابوي السابق, وجاء النظام الوريث ليتعيش على صداها? وهي مهمة مفلسة بالكامل, فما سيتحقق في سورية ليس التوازن الستراتيجي بل التراجع الستراتيجي والاندثار الملحوظ, ومن بين ركام ملفات الصراع المتداخلة برزت اشباح الماضي الدموية ممثلة بعم النظام اللواء الدكتور الرفيق المناضل الاندلسي رفعت الاسد الذي يريد تحرير سورية من شعبها بعد ان يصور نفسه بانه مهدي البعث المنتظر,! وبأن غيبته الصغرى في مرابع ماربيا قد اوشكت على النهاية ! وبأنه سيملأ الارض السورية عدلا بعد ان ملئت ظلما وجورا!! مسوقا لنفسه على كونه بعيدا كل البعد عن كل ملفات الصراعات الدموية في التاريخ السوري الحديث ! وبكونه حمامة السلام الموعودة ومتناسيا تلك الساعات الحرجة من عمر دمشق شتاء عام 1984 ايام كانت دباباته وسراياه الدفاعية الطائفية المتوحشة تحاصر بفوهاتها دمشق مهددة بنشر الموت والدمار الجماعي في صراعه المرير على تركة شقيقه الراحل على فراش مرضه والذي تصوره رفعت وقتها بانه في طريق الرحيل الابدي ? لقد عايش جيلنا تلكم الاحداث الساخنة المؤلمة, وشاهد صراع الرفاق المحموم على السلطة, كما تابع الانتهاكات والخروقات الفظيعة التي ارتكبتها سرايا الدفاع وجماعة المرتضى الطائفية,! وبقية التنظيمات الطائفية المخبولة ضد حرية وسلامة وامن الشعب السوري ? وكان رفعت وهذه للحقيقة والتاريخ ولايزال جزءا من المشكلة وليس مشروعا لحلها ? فما الذي في جعبة رفعت من مشاريع سياسية لانقاذ سورية من عبث حكامها ? وماذا يمتلك من رصيد سوى ذلك الملف المتورم بالرزايا والمصائب التي يحاول اليوم انكارها والالتفاف عليها مرتديا بزة الحمل الوديع في انقلاب سياسي واعلامي هو القمة في فن الهزل السياسي ? ويبدو ان النظام وهو يخوض معركته الاخيرة قد اهتم بدعايات الرفيق رفعت ليهدده بالاعتقال والمساءلة القانونية ان عاد لدمشق ? وهو تهديد مضحك وبائس ? فمن يحاكم من ? الم يكن رفعت وتشكيلاته العسكرية وجهوده القمعية جزءا رئيسيا وفاعلا من تركيبة النظام السياسي السوري ? الم يترك سورية وهو يشغل منصب نائب رئيس الجمهورية !! ألم تساهم مجازر الرفيق رفعت في تثبيت النظام السياسي السوري ? أليست قضية تصفية وتوزيع تركة الرجل السوري المريض هي العقدة في كل القضية حتى حولوا سورية بكل تاريخها والقها وحضارتها لضيعة يتصارع حولها مماليك البعث الجدد من انكشارية الحزبية السقيمة والطائفية المريضة, وتجار الحروب والمخدرات, ومجرمي اجهزة الامن والمخابرات والقمع والتقتيل, كفى استهزاءا بارادة وخيار الشعب السوري المسحوق, ولتنسحب كل اشباح الماضي الدموية وكل مراكز القمع نحو ظلال وكواليس التاريخ الخلفية, وانتفاضة الشعب السوري على الطريق قادمة لامحالة لان الازمة اعمق كثيرا من ان يحلها صراع مملوكي على عرش خاوي متهدم, فالحرية السورية الحمراء باب بكل يد مضرجة يدق, ودمشق ستكون امينة لتاريخها, وسيستعيد شعبها زمام المبادرة, انها بشائر النصر الشعبي الكبير .* نقلا عن جريدة "السياسة" الكويتية
