طبـاعة


حفـظ


ارسال
Bookmark and Share
الأربعاء 07 جمادى الثانية 1426هـ - 13 يوليو 2005م

رحمة الإختلاف و تطرف الأحادية!

 

محمد نبيل

يبدو أن مقولة « في الإختلاف رحمة » والتي صدرت عن فقهاء الإسلام لم تجد تربتها الخصبة في الفضاء العربي الإسلامي منذ عقود من الزمن . فالقراءات الفقهية المتنورة كانت سببا وراء محنة العديد من الفقهاء الذين عانوا من لعنة الإكراه و الضغط بل أدى ذلك إلى إحراق كتب بعضهم ، و نفس المصير لا قه الفلا سفة المسلمين كإبن رشد . السؤال الذي يطرح حاليا مع تصاعد ظاهرة التفكير الأحادي المتطرف و المختزل في عبارات و قواعد يراد فرضها على العوام هو : هل بالفعل هي نهاية النهاية و التراجع العربي الإسلامي أم أن المسألة عبارة عن فصل جديد من فصول القمع الذي يطال المجتمعات العربية بنخبها المتنورة و قواعدها التي مهما يكن مستواها العقلي ودرجة وعيها بالوضع العام المتأزم ،فإنها تظل رافضة لواقع الحال.

إذا بحثنا عن ماهية ثقافة الإختلاف نجدها تعني إحترام الآخر والتعامل معه كوجود مستقل بل و الدفاع عنه من أجل أن يعبر عن رأيه و أفكاره بحرية و بدون وصاية. مع الأسف الملا حظة العينية تتبث أن مرض التطرف قد أصاب عالمنا ، و لنقل بدقة العالم العربي الإسلامي الذي يعاني من ويلات هذا الوباء المعدي نظرا لعدة شروط و عوامل ترتبط أساسا بمدى تطور بنيات المجتمعات العربية العقلية و المادية وكذا الثقافية .
عندما صدرت المقولة الفقهية التي تحث على الإختلاف كان الغرض منها فسح المجال للتعدد و التواصل و ليس لتكريس الأحادية التي ينجم عنها اللا رحمة ، عدم الإحترام و لم لا الحقد الأعمى الذي يدفع الإنسان إلى إعتبار أخيه الإنسان بمثابة العدو الذي وجب القضاء عليه .
ثقافة الإختلاف تستحضر بالضرورة ثقافة مغايرة تسمى بلغة الإنصات التي من خلا لها نتجادل ونتبادل الأفكار و نعطي لكل ذي حق حقه ، و بفضلها تطورالفكر و المجتمعات الغربية . فالإنصات إلى الناقد هو تعرية للذات و تهديمها قبل لحظة البناء . لكن حضور الأحادية و التسطيع الفكري يؤدي إلى تكريس الواقع العربي و الذي يستفيد منه في النهاية المتحكمين في القرار السياسي الرافضين لكل تنازل عن الكراسي ماداموا لا يفهمون ما معنى أن نكون ديموقراطيين .
روح ثقافة الإختلاف هو الديموقراطية و ليس الإقصاء و فرض قراءة معينة دون غيرها بالسيف أو بالسلاح . فتاريخ العرب و المسلمين يعج بسلسلة من الممنوعات . أكيد أن القواعد الإجتماعية في العالم العربي الإسلامي ينبغي – وهذا حقها- أن تعرف عدد الفرق في تاريخ الإسلام (نحيل على تصنيف الشهرستاني في كتابه الجميل الملل و النحل)، هذا إضافة إلى التمايز الحاصل حد التناقض و التعارض بين المذاهب دون نسيان القراءة السنية و الشيعية للإسلام و هذا لا يمكن فهمه بدون روح فلسفية تدعو إلى الإختلاف وتدافع عنه . عندما نتعرف على كل هذا التراكم المعرفي و الفكري الحي التي تزخر به الثقافة العربية الإسلامية، آنذاك سيرفع الستار عن الكثير من الثقب السوداء التي تطبع تاريخ القهر العربي و سنكون بالفعل نمارس و نطبق أول آية نزلت في حق القراءة بل سنبتعد عن شبح المفارقة العظيمة التي تطبع العالم العربي الذي أكثر من نصف ساكنته لا يعرف القراءة و الكتابة .
و بالمقابل ، فالأحادية في التفكير و التصور ترى كل شيء في صفاءه و نقاءه . فهي تعتبر الهوية واحدة ، سواء كانت عربية او إسلامية او ما شابه ذلك ، إنها تنظر إلى الإسلام بنظرة لا يأتيها الباطل لا من وراءها و لا من أمامها .الأحادية تعتقد في الجنس الخالص و في التأويل الوحيد ولو كان صاحبه دجال يتاجر في مصائر الناس و أحلا مهم . الأحادية هي تعسف على تعدد الذات الواحدة في تكوينها البيولوجي (الهرموني ) و العقلي و كذا في سيكولوجيتها . إنها وحدة تتوخى التكامل و الإنسجام .
الأحادية إغتصاب لروح الحرية الإنسانية و أسلوب قهري لكل ذات تريد أن ترى العالم بعيون مختلفة . فعندما نمارس الرأي الأحادي فإننا نزرع بذور التطرف و التعصب القبلي أو الديني و غيره . ففي كل المجالات نجد أن الأحادية تؤدي إلى التبسيط المبتذل و لا تدع مجالا أو فرصة لتطوير العقل البشري .الأحادية المفروضة سلوك إستبدادي يتعارض مع روح النص الديني و مع ثقافة الإختلاف الرامية إلى الإغناء و ليس التنميط الذي لا يجلب إلا الويلات . بإختصار شديد ، أحادية الأوصياء هي إحتقار للإنسان في عظمة عقله النقدي الذي يميزه عن باقي الكائنات . إنها إدلال لروح التفضيل التي أتبثتها مختلف الحضارات و أكدتها الديانات السماوية . أكيد أن ثقافة الإختلاف لا يمكن فصلها عن لغة التسامح و التواصل بين الجماعات و الشعوب في كل بقاع العالم ، لذلك فغيابها يعني تأسيس الأرضية المناسبة لمروجي أفكار الموت و الإنتحار و التي غدت أسلوبا إعتياديا في فضاءاتنا . فكيف يمكن أن نحقق المشروع التنويري الإختلافي و العديد من الظواهر المرضية – بفتح الميم – ما زالت منتشرة بشكل فضيع : المرأة في العالم العربي الإسلامي ما زالت مضطهدة ، ممارسة الوصاية على الشعوب ، الإستبداد في الحكم و فبركة أبواق فقهية تثير البلبلة بفتاويها التي ما أنزل الله بها من سلطان و هلم جرا ، هذا إضافة إلى نعت الغرب بكل النعوت القدحية التي فيها حط من قيمة الإنسان ومفارقة عجيبة تكشف عن قبول ما ينتجه الغرب من علم و تكنولوجيا بالمقابل يتم رفض الأسس التي ولدت هذا الإنتاج .
المشروع التنويري يولد عندما نؤمن بمنطق الإختلاف و نضحي في سبيل الدفاع عن الحق في هذا الإختلاف كما قال الفيلسوف فولتير . السبيل يظل هو تقديم النموذج و المثال البعيد عن لغة المزايدات من أجل بناء الذات العربية التي أنهكها الجهل و الأمية و إنعدام الوعي بالتحولات العالمية . فإذا كان الغرب المتقدم – بالرغم من كل ما يمكن أن يقال - يصدر لنا التكنولوجيا و العلم في مختلف التخصصات ، فماذا يصدر له العرب و المسلمين ؟ الإجابة مستفزة للغاية لكنها تظل دافعا إيجابيا نحو بناء مشروع مجتمعي هادف لإخراج المجتمعات العربية و الإسلامية من عنق الزجاجة .

عودة للأعلى