يعرض حاليا في القاعات الكندية فيلم «صباح» للمخرجة روبا ندى و المقيمة بمدينة تورونتو . و يبدو من خلال هذا العنوان أن تيمة هذا العمل السنيمائي تحيل على المرأة العربية و المسلمة في المهجر. قصة الفيلم تتمحور حول شخصية صباح وهي إمرأة في الأربعين من عمرها ، لها أصول عربية (سورية) و تواجه عدة مشاكل مع عائلتها و خاصة أخيها الأكبر الذي يراقب حركاتها و سكناتها . صباح تربط علاقة مع شاب كندي يدعى ستيفان بعيدا عن أعين عائلتها التي ترفض زواجها منه بإعتباره غير مسلم .
هذه الحكاية تبدو بسيطة في ظاهرها لكن معالجتها سنيمائيا من طرف المخرجة ينطوي على أبعاد ثقافية و إيديولوجية بالغة الأهمية . فصباح إمرأة ترتدي الحجاب ، وتعيش صراعا نفسيا داخليا و تريد الخروج من بوثقة الرقابة العائلية التي تكبل طموحتها . لكن بعد إحتفالها بعيد الميلاد وتعرفها على شاب كندي ستتعلق به عاطفيا يجعلها تتغير بل تغير موقف عائلتها التي رفضت إستيفان كزوج. و بين الرفض الأولي و القبول بطريقة ساخرة وبسرعة فائقة (بالمقارنة مع مدة تسلسل أحداث الرفض العائلي) نستشف خطابين أساسيين : الأول ثقافي معرفي و الآخر إيديولوجي .
الخطاب الثقافي الذي يريد الفيلم تمريره وبثه في نفوس الجماهير يتجلى في كون العائلة العربية المسلمة ترفض الغير و لا تترك فرصة لإنتمائه إليها إلا بشروط تتمثل في ضرورة الإنتساب إلى الدين الإسلامي . هذه صورة نمطية تحتاج إلى تفكيك وفهم قبل أن تكون نموذجا قابلا للتعميم كما حدث مع الفيلم .فالأسرة في العالم العربي الإسلامي يحكمها التعدد و الإختلاف حسب الأقطار و الثقافات المحلية لكن خطاب الفيلم كان تبسيطيا للغاية إذ حول العائلة العربية إلى رافضة للآخر الكندي و كأنه يتحدث عن تصور القاعدة الإجتماعية و ليس عائلة بعينها بل سرعان ما سينقلب الرفض ليتحول إلى قبول بطريقة فجائية و راديكالية. فالتغير ليس هو التحول كما أن تغيير موقف ثقافي معين لا يعني الإرتماء في أحضان الغير لأن القضاء على الذات كما حاولت المخرجة الإيحاء به لا يمثل تغيرا أو تحولا ثقافيا . فالفيلم لا يتطرق إلى إشكالية التحول و التغير بقدر ما يتطرق لكيفية تذويب الذات وتغيبها إذا لم نقل سحق الأنا العربية أمام الغير الكندي . هذا الأمر يمثل في نظري هفوة معرفية و ثقافية سقطت فيها المخرجة بدون الوعي بخلفيات التلاقح و التثاقف بين الشعوب والتي تفترض محددات و قواعد معرفية . فالأمر ليس بهذه البساطة التي تسطح العائلة العربية . هذه الأخيرة لا تقاس إلا بتصورات علمية دقيقة وليس بفبركة صورة نمطية مستهلكة يتم صنعها لإستجابات معينة .
أما الخطاب الإيديولوجي للفيلم فيركز على علاقة العرب و المسلمين بالمجتمع الكندي ، وهنا لا ننسى أن المنتج و لغة الفيلم التي كانت في جل مشاهد الفيلم إنجليزية إضافة إلى إعتبارات أخرى ، تجعل من هذا العمل فضاءا يحمل بصمات الفيلم الكندي بعنوان و شخوص عربية . فمجتمع الغير الذي يجسده ستيفان قد إستطاع تسييد فكرته و بالتالي إدخال الذات العربية في بوثقة الفعل الإجتماعي الكندي و ذلك بمسح إختلافها الثقافي .هذا الخطاب الإيديولوجي المبني على لغة التنميط المبتذل يمثل دعاية كندية بإمتياز و ينسجم حثى مع تصريحات الممثلة ذات الأصول الأرمينية أرسيني (صباح) التي إعتبرت أن شخصيتها في الفيلم تعد حقيقية و الجديد في نظرها في هذا العمل السنيمائي هو التغيير . إن قواعد التغيير السوسيولوجية لا تتحقق بناءا على خطاب إيديولوجي يسعى إلى غرس صورة عن كندا كبلد يستطيع تذويب و ليس إدماج الجاليات العربية و الإسلامية التي يطالها التهميش و الإقصاء و العطالة . لذلك يكون هذا الفيلم بمثابة صورة خلقتها المخرجة على مقاس فهمها للواقع العربي الإسلامي و مقاس المجتمع الكندي بعيدا عن العمق الفني و الجمالي و حثى المعرفي الذي تتميز به الأعمال السنيمائية المعروفة التي تتطرق لإشكالية إندماج الجاليات العربية في بلاد المهجر .
وللإشارة، فقد فضلت التطرق بإختصار إلى البعدين الثقافي و الإيديولوجي للفيلم بدون الغوص في محدداته الفنية و الجمالية نظرا للفقر الذي يعاني منه هذا العمل على هذا المستوى .