د.
سيار الجميل
لقد مهر كل من الإعلام والثقافة العربيين بإشاعة خطاب الثرثرة والمسردات والإطنابات وحتى التجريحات والسباب والشتائم.. وندر الكلام الموزون والمعقول والمختزل والمعبر والمفيد، بحيث بتنا نبحث عن ذاك الذي يمتعنا بحلاوة لسانه وطلاوة بيانه ورفيع كلامه وقوة شخصيته وصدق معلوماته ومفاهيمه!! أكثر من مئة سنة مرت على الأمل الموعود وتحقيق الأماني والاحلام الوردية عن مشروع نهضوي وحضاري! ولكن توهّم السراب حقيقة، والأخيلة واقعا! والعرب يتنابذون وينقسمون وينشطرون حتى آل الأمر إلى التصدع والصراع في ما بينهم مرات ومرات! ثلاثة أجيال عربية مرت، وكل جيل ينكر على سلفه أو خلفه مجهوداته وأنشطته وصفاته وبراعة منتجات نخبه ومبدعيه! عشرات السنين مرت، والدولة لم تحقق متطلبات المجتمع بكل فئاته وشرائحه وطبقاته ونخبه ومبدعيه. إن المسؤولية لا يمكن حصرها بزعماء أو بسياسات أو بسلطويات فقط، إذ تتحملها نخب وأحزاب وأيديولوجيات وفئويات و«عسكرتاريات» وحركات ودعوات وشرائح ومسؤولين وإعلاميين نرجسيين ومتلونين ومنافقين ومراوغين ودجالين ومشعوذين ووعاظ سلاطين كانت لهم كلمتهم وتأثيرهم عند السلطة والناس في صناعة الظواهر المدمرة.. لقد توهم الجميع أن تحقق الحلم بلا زمن وبلا علم وبلا عمل وبلا برمجة وبلا دراسة وبلا تفكير وبلا أتعاب وبلا محاسبة وبلا ذكاء في علاقة العالم بنا.. هناك: من شبه الليلة بالبارحة، وهناك من آمن بالقفزة النوعية، وهناك من قال بحرق المراحل، وهناك من قرن التقدم بالثورة، وهناك من صفق للانقلابيين وهناك من جرب الاشتراكية والنضال، وهناك من عدّ نفسه مقدسا كالسلف الراحل. نعم، لقد توهموا وما زالوا واهمين، فالتحديث بحاجة إلى الوعي والفهم والمؤسسات والقوانين وعشق العمل والتخطيط والتشاور والتعليم.. ولم يزل هناك حتى اليوم: خطاب مزّيف وإعلام خاطئ يتربى عليه الناس سينكشف زيفه وبطلانه عاجلا أو آجلا بعدما يكون قد عبث بعقول الناس وعواطفهم ومصائرهم لسنوات طوال ولكن بعد فوات الأوان. نعم، لقد بقي الأمل فرصة مضاعة ومشاعة بين كل الفرقاء، إذ ظل الواقع صعبا مريرا وهو يعج بأزماته وبمشاكله ومعضلاته الداخلية، وتحف به التحديات.. واليوم يتفتح الجيل الجديد على امتداد جغرافياتنا، مازال معقودا في أن يكون له شأنه وتأثيره على مستوى الفعل والتغيير لا على مستوى صناعة الشعارات من بضاعة الجهلاء والكسالى والمعوقين الذين يهوون استيعاب الهزائم والتصفيق لها، أو أولئك الذين يؤمنون بالتكفير والتحريم والتقتيل والتمتع بالتناقضات!! فماذا هناك ؟ هناك مستوى صراع الفرقاء، ومستوى قتل الفرص السانحة وتدمير الإبداع والكفاءات، وتغييب حقوق الإنسان، وترديد الخطب الرنانة والجوفاء، وهناك محاربة التجارب النهضوية العربية الناجحة وهناك قتل الزمن واستهلاك الموارد والطاقات، وهناك تحريم النصوص الأدبية والآثار التاريخية، وهناك تغييب الأذكياء وتهجير العقول ومحاربة النشطاء الفاعلين وهناك ركامات من الأحقاد ضد هذا الطرف أو ذاك.. وكلها من اجل إبقاء القديم على قدمه، ضمن سيرورة تقاليد بالية، فكان ذلك وراء إحداث كل الفجائع والكوارث التي ألمت بنا مقدمّا ومؤخرا. إن الأجيال القادمة يلزمها إحياء حقيقي لمشروع حضاري ضمن اشتراطات لا حصر لها من الحقوق والواجبات في التربية والوعي وتكافؤ الفرص في مجتمع مدني، وحتى يتحقق الحلم.. لا يمكن أبداً الانطلاق من نقطة الصفر بعد كل الذي حصل.. أقول وأنا المتسائل دوما عن أجوبة حقيقية: هل من المعقول ونحن عند فاتحة قرن جديد أن يبقى هذا الاضطراب السياسي العربي كواحد من مخلفات القرن العشرين؟ وهل من الصواب إضاعة الفرص الحقيقية في معالجات غير جادة للمشكلات الاقتصادية؟ وهل يجوز أن يبقى العرب من أبعد الناس عن سيادة القوانين؟ هل باستطاعة الجيل الجديد أن يحيا بعد سنوات من دون معالجات ذكية حقيقية للواقع المرير؟ هل من الصعوبة تحقيق الحد الأدنى من تبادل المصالح العليا المشتركة؟ هل ستبقى العلاقات الداخلية تحددها حسابات نفعية على أساس الربح والخسارة؟ هل ستبقى مجتمعاتنا بكل تنوعاتها غارقة بمشاكلها وأزماتها ومعضلاتها؟ هل ستبقى مدارسنا وجامعاتنا بليدة ومتخلفة وعقيمة في مناهجها وتربوياتها وأساليبها وخططها الدراسية؟؟ هل سيبقى الإنسان عندنا مهانا في وطنه، مغيبا في حقوقه، ومحاربا في رزقه وغير مطمئن على أمنه واستقراره وعمله وبيته وأولاده؟ إن كل ما حققه العرب من نجاحات وإبداعات وانتصارات جاءت على أيدي بعض الأفراد من قادة وزعماء وحكماء ومثقفين أو بعض النخب أو الجماعات الذكية.. والتي كانت أدوارها أكبر بكثير من أدوار دول عربية أخرى وحجوم مؤسساتها أو فيالق جيوشها أو ترسانات إعلامها!! ليس مطلوبا التشّدق بالمفاهيم الجديدة بعيدا عن الواقع وهروبا منه، فالأجدى هو المعارف في عصر المعلومات والأخلاقيات العالية، وتنمية التفكير الجاد والإبداعي الخلاق لكل ما هو مدني وحضاري وأصيل ومهذب، والنهوض بالمرأة نهضة شجاعة ومحترمة ومنحها ما افتقدته من حقوقها الشخصية والمادية والكف عن الاعتداء على مواريثها الشرعية. إن مشروعا حضاريا بحاجة إلى تضامنيات خيرة وأخلاقيات مدنية رفيعة وفي مقدمتها: المشاريع الوقفية وتطوير عملياتها النافعة الخصبة.. ثم تحديث القوانين المدنية بما يكفل والمستحدثات الجديدة الطارئة والمصالح الاقتصادية والمقاصد الاجتماعية.. ناهيكم عن المزيد من الخدمات البلدية والمشروعات الاعمارية سواء في المدينة والريف والبادية.. وهناك الحاجة الماسة إلى المياه والى ثورة زراعية كبرى لتوفير الغذاء للملايين القادمة بعد سنين. فهل استوعبنا دروس القرن العشرين؟ تفاءلوا بالخير تجدوه. * نقلا عن جريدة "البيان" الإماراتية
