طبـاعة


حفـظ


ارسال
Bookmark and Share
الإثنين 08 شعبان 1426هـ - 12 سبتمبر 2005م

العراق ... بين الغباء الشيعي .. والذكاء الكردي

 

داود البصري

في عراق اليوم الذي رسمت معالمه حرب حرية العراق, اينما تولي وجهك ثمة سفير او وزير او مدير او امين عام كردي, وفي الجانب الاخر اينما استدرت ثمة جثث ومآتم ولطميات و مواكب عزاء شعبية شيعية, واحزان وجثث ممزقة ورؤوس مقطوعة وحيث يتبارى اهل الارهاب الزرقاوي والسلفي في تقطيع اوصال الروافض, كما يقولون, وفي ظل استكانة وصمت غريبين من جميع المرجعيات الاسلامية التي لم تتوقف كثيرا عند مقاتل الشيعة وتصفيتهم على الهوية? , الاخوة الاكراد عبر احزابهم وقياداتهم المتفتحة والناهلة من فكر الحضارة والتمدن يبذلون الغالي والنفيس من اجل رفعة قومهم وتنمية وتطوير شعبهم , بينما تتحرك العمائم البيضاء والسوداء وفق برامج تنموية واساليب تعليمية وحكم ومواعظ فلسفية يعود احدثها للقرن الرابع الهجري اي قبل اثني عشر قرنا ويزيد ! .. يحزن قادة الكرد وينتفضون لهيبة ودماء وتضحيات شعبهم , بينما يتصرف قادة الجماعات الشيعية وفق منطق اساسه ان الشيعي هو مشروع شهادة, وان قرابين فقراء الشيعة هي هدايا لصاحب الزمان, قد يصعق البعض من كلامي هذا, وسأرمي بمختلف التهم والافتراءات لعل اقلها الاتهام بالوهابية نسبة للموسيقار محمد عبد الوهاب, وليس للشيخ الحنبلي المعروف, فانا علماني الاتجاه لا تهمني مثل تلك التصانيف, ولكن بربكم أليس ما قلته هو الحقيقة العارية التي يخجل او يخاف و يحجم عن قولها غالبية اهل القلم من العراقيين من النخبة الشيعية المثقفة خصوصا الذين يمارسون التقية في التعبير عن ارائهم , ويؤثرون السلامة في وضع عراقي طائفي محتقن لم يعد يحتمل المزايدات والمساومات! , خصوصا وان المراهنات على اشعال فتيل الحرب الاهلية قد قطع مراحل متقدمة مع امتداد اخطبوط ارهاب السيارات المفخخة لمدينة البصرة لتشمل احياء فقراء الشيعة ومحروميهم في حي الحسين (الحيانية) واماكن اخرى, مع قيام عصابات طائفية مدعومة من الاجهزة السرية الايرانية في قيادة مخطط تهجير السنة واغتيال بعض عناصرهم وتعكير جو الالفة الطائفية المستمر منذ قرون بين شيعة البصرة وسنتها, فالسنة في البصرة يشكلون نسيجا اجتماعيا مهما للغاية , وهم ليسوا اقلية طارئة على الاطلاق واعتقد ان كل من يعرف البصرة يعلم ان في (الزبير) و(صفوان) و(الفاو)و(ابي الخصيب) وغيرها تتواجد نسب سكانية كبيرة وانا شخصيا انتمي لوالد سني ولوالدة شيعية اي ان السنة هم الاعمام و الشيعة هم الاخوال ! ولم اشعر في حياتي بوجود توتر من اي نوع من شأنه تعكير العلاقات الانسانية والعائلية , فان يكون المرء شيعيا او سنيا فالقضية اشبه بان يكون المرء شيوعيا او قوميا .. لا اكثر ولا اقل? ولكن العصابات الطائفية التي تهيمن على مفاتيح الحياة السياسية والامنية في البصرة اليوم وجلهم كان ينتمي لفرق وعصابات البعث البائد واجهزته الامنية والمخابراتية لهم رأي اخر وسياسات مبرمجة وفق اجندات تدميرية للمجتمع العراقي المتنوع, والبصريون يعرفون جيدا بان الكثير من اهل التقوى والفضيلة ولابسي العمائم المنافقة اليوم كان بعضهم راقصا وعازفا وشاعرا في فرق نظام البعث البائد, ولكنها الهوجة الجاهلية والهجمة البويهية/ الصفوية التي خلطت الاخضر باليابس, ليتحول جلادو الامس القريب لدعاة المهدي المنتظر اليوم, في اكبر عملية نصب ونفاق في تاريخ العراق الحديث وهو تاريخ عريق مليء بكل صنوف واشكال النفاق التي افاضوا (أئمة اهل بيت النبوة) في الشكوى منها.وطبعا فان الحديث عن مآسي شيعة العراق الذين تتلاعب بمقدراتهم قوى غير مسؤولة ولا امينة لمعنى المواطنة يجرنا للحديث عن الصراعات الدموية والتصفوية الفظيعة بين عصابات (المجلس الايراني الاعلى)! وعصابات البعث الشيعية الممثلة ب¯ (مقتدى وشركاه من الخالصيين والكبيسيين), وعمليات الموت المجانية والاعدامات والخطف بالجملة التي يذهب ضحيتها يوميا عشرات من الشيعة تقف خلفها تلك القوى المتنافسة والمخترقة من الجماعات السلف/ بعثية وبقايا تنظيمات المخابرات العراقية, ولقد تعرض الشيعة وما زالوا يتعرضون لحملات من الامتهان والابتزاز واللصوصية طاولت حتى الشعائر العبادية حيث يتنافس (الصدريون) و(البدريون) على (السقاية والرفادة) لمواسم الزيارة من اجل نهب (نذور) و(تبرعات) فقراء الشيعة ! وحتى الاعلام العراقي الرسمي الفاشل والموجه طائفيا للاسف قد تحول لمواكب لطم مخجلة , وبات صورة غوغائية لعراق مغرق في التخلف والندب واللطم الشامل, ولا ادري ما هو دور (هيئة الاعلام العراقية) التي ينحدر غالبية اعضائها من عناصر كانت مقيمة طويلا في عواصم الغرب! فهل تعلموا اللطم في حسينيات بريطانيا العظمى, وهل تحول شاعر قصيدة (من قاسيون اطل يا وطني فارى بغداد تعانق الشهبا) الى (روزخون) ومتعهد لحفلات اللطم? انها مفارقة غريبة ومواقف مضحكة و محزنة تؤشر على حجم الفجيعة العراقية!.في مقابل حروب امراء الطوائف (الشيعية) والمستمرة فصولا مأساوية لا يعلم الا الله مداها و ابعادها , كيف يتصرف الاكراد من خلال قيادتهم التي رغم صراعاتهم المستفحلة واستمرار الانشقاق بين (اربيل) و(السليمانية) يظلون في حالة بناء سياسي متواصل ومستمر واتفاق شبه تام على تسلم المقاليد في الدولة العراقية من خلال اعلى المناصب الداخلية والخارجية, فغالبية سفراء العراق الجديد هم من الاكراد! حتى ان عواصم خليجية مهمة سيشغل السفارات العراقية فيها سفراء من الاكراد! ومن اقصى المغرب العربي وحتى الشمال الاوروبي هنالك كفاءات كردية تشكل لولب الدولة العراقية الراهنة من دون ان يغفل الاكراد ايضا تهيئة الظروف وتوطئة الموقف الستراتيجي لاحتمال اقامة (دولة كردستان الجنوبية المستقلة) في القريب العاجل والتي قد تشكل البداية لقيام (كردستان الكبرى), بينما يكتفي قادة العمائم الشيعية المقدسة بحث اتباعهم على (طقوس الموت المجانية) وانتظار قرب قدوم (المهدي المنتظر) الذي وحده سيملأ الارض عدلا بعد ان ملئت ظلما وجورا, وهي القضية التي ظلت تخدر الملايين منذ قرون وحولها اليوم اهل العمائم لمهزلة حقيقية امام شعوب العالم الحرة! ... قولوا لي بربكم : من هو الغبي, ومن هو الذكي?.

*نقلا عن جريدة "السياسة" الكويتية

عودة للأعلى