واذا كانت عبارة (رب ضارة نافعة) تنطبق على شيء فانها اشد ما تنطبق اليوم على ما يجري من تحولات متسارعة في المشاهد السياسية والاعلامية ومن تحولات فكرية ومنهجية في الكثير من دول العالم الاسلامي الذي بات داء (الارهاب التكفيري الاسود) يجتاح معاقل الفكر والسياسة , ويعلن بوضوح عن غوغائيته وهمجيته بعد ان فقد وهج انطلاقته المعتمدة على الشعارات ودغدغة مشاعر الاحباط والفشل المترسبة في العالم الاسلامي والتي وجدت من خلالها الحاضنة التي تستقبل ذلك الارهاب وترعاه, والتي منها يستمد الارهابيون والتكفيريون قوتهم واستمرار زخمهم, وبناء معاقلهم التي بدات بالتهاوي الواضح بعد انكشاف الحقائق وتبدد هالات المفاجاة, وتبخر لغة الشعارات العاطفية!
وان حربهم السوداء واللعينة التي يخوضونها في العراق تحت ظلال الشعارات المعهودة والتي لقيت للاسف تجاوبا وصدى لدى الكثير من الشعوب الاسلامية قد بدات ملامح الهزيمة تطل منها بوضوح, بتضحيات العراقيين الدموية واصرارهم على كسب رهان التحدي ضد (الفئة الباغية) التي تسترخص دماء المسلمين وتحاول اعادة عقارب ساعة التاريخ للخلف, وتمارس همجيتها في احلال ثقافة الدم والرعب, وبات واضحا ان حرب الشعب العراقي ضد الارهاب وهي حرب شرسة كانت الساحة الفعلية والميدانية لتحولات تاريخية وبنيوية قدر للشعب العراقي فيها ان يتحمل تكاليفها وتبعاتها وتضحياتها.
ولطالما دعا الشعب العراقي اشقائه العرب والمسلمين لتحمل دورهم في المسؤولية والتضامن العملي والمعلن والصريح معه في دحر الارهاب واجتياح معاقله وتدمير خلاياه!, الا ان تلك الدعوات لم تجد للاسف صداها الحقيقي وتجاوبها الصريح من تلك الشعوب التي كان لابد لها ان تواجه ساعة الحقيقة المرة القادمة وتلتقي لقاءاتها الدموية المرعبة مع الارهاب واهله!, لان التجارب قد علمتنا ان اللعب مع الافاعي والثعابين السامة سيؤدي بالضرورة لنتائج وخيمة ومرعبة, وهذا بالضبط ما حصل في عدد من مجتمعاتنا العربية والاسلامية.
وليس خافيا على احد بان نار الحرب التكفيرية لم يكتو بنارها الشعب العراقي فقط وان تحمل النزر الاكبر في مواجهة تاريخية لم تزل مستمرة ومتصاعدة وسيحسمها الشعب العراقي قريبا لا محالة , بل ان الكثير من الشواهد والتجارب قد حدثت خلال السنوات المنصرمة سواء في الجزائر او مصر او اليمن او المغرب او المملكة العربية السعودية ودول الخليج العربي وحتى موريتانيا والسودان وتركيا واسبانيا وبقية دول الجوار, ولعل في قيام عصابة القاعدة في العراق بقيادة المجرم الزرقاوي ورهطه من القتلة والتكفيريين الخوارج بخطف مستخدمي السفارة المغربية في بغداد ومحاكمتهما شرعيا! وتجريمهما!! واصدار (الحد الشرعي) بحقهما اي الاعدام بقطع الرؤوس ام بالرصاص هو القمة في الاستهتار المخزي والهمجية المفرطة والتي تؤكد للشعوب العربية والمسلمة بان الحرب الدائرة في العراق بين الشعب وفئات الخوارج الضالة لا علاقة لها بحروب المقاومة والتحرير الوطني قدر علاقتها بمحاولات تلك القوى الظلامية الخارجية التكفيرية استغلال الظروف العراقية الخاصة لفرض اجندة ارهابية سيعاني من نتائجها لو نجحت لا سامح الله كل العالم الحر.
ورغم ان للمغرب والمغاربة تاريخ طويل وحافل مع الارهاب والارهابيين وخلاياهم وتفرعاتهم وامتداداتهم ! ورغم ان المغرب ايضا هو احد ساحات وميادين المواجهة الاممية المعلنة في الحرب الكونية ضد الارهاب الا ان الصدمة في الشارع المغربي كانت عنيفة!! اذ راهن البعض على ما يبدو بضمان نتائج اللعب والرقص مع الذئاب!!, رغم ان الشعب المغربي كان من اوائل الشعوب التي ابتليت بتلك الجرثومة الرهيبة وكان اقربها للذاكرة ما حدث مساء يوم 16 مايو 2003 من تفجيرات انتحارية في الدار البيضاء ما زالت تترك مؤثراتها في الساحة المغربية!!، وابرزت حالة المواجهة مع تلكم الجماعات التي تمتد خلفياتها لسنوات طويلة سابقة , لان نمو الجماعات التكفيرية والسلفية المقاتلة في المغرب له جذور تاريخية واجتماعية بعيدة المدى وذات علاقة حميمية بطبيعة تطورات و مسارات العملية السياسية الجارية هناك وطبيعة القوى الاجتماعية والسياسية السائدة في المغرب?
وقد برزت (سيوف التكفير المغربية) واشهرت نصالها الحادة والمرعبة بعقد طويل قبل تبلورها دوليا!! لذلك فان المغاربة على دراية تامة بتلكم الجماعات وطريقة تفكيرها ! وهم بالتالي يتحملون مسؤولية تاريخية ايضا في مقاومتها وصد اذاها وتسفيه منطلقاتها لان المغرب كان وعلى الدوام ارضا وساحة للتسامح الديني والمذهبي وكانت ارضه معبرا تلاقحت من خلاله الحضارات وانصهرت الشعوب ضمن بوتقة مغاربية خاصة لها جذورها وفرادتها الثقافية والحضارية.
ولعل بيان ( العلماء المغاربة ) الاخير ضد جماعة القاعدة في العراق والذي اعلن بوضوح وشفافية كاملة عن ( تكفير الارهاب واهله وخروجهم من الملة واعتبارهم مفسدين في الارض ) هو الوصفة التي يحتاجها عالمنا الاسلامي للشفاء من داء الارهاب التكفيري الاسود ! , وهي مهمة حيوية ينبغي على جميع المراجع الاسلامية التحرك من خلالها لنبذ الارهاب واهله وعزل الجراثيم التكفيرية التي باتت تنخر في جسد الامة الاسلامية وتهددها بالتشظي والدمار والتمزق ما لم يتم تدارك الموقف ! وهو ما يحاول المغاربة اليوم من خلال الحملات الوطنية والدينية الموجهة فعله كاحد الخيارات العملية والمتاحة لتقليص الارهاب وعزل القتلة والمجرمين الذين يولغون في دماء الامة وينتهكون حرماتها.
وفي بيان العلماء المغاربة الحاسم والشجاع دعوة ضمنية وصريحة للتضامن مع الشعب العراقي في حربه المقدسة ضد الارهاب, لان الارهابيين الذين طغوا واستكبروا لا يملكون الاهلية ولا المرجعية الفقهية والشرعية لتكوين المحاكم الشرعية التي تحاسب الناس وتحدد الاولويات وتصدر احكام التكفير , والمغاربة اليوم وبعد ان تشعبت نيران اهل الارهاب التكفيري باتوا على قناعة تامة بانهم المستهدفون حتما في امنهم ومستقبل اجيالهم وفي الصيغة التي ارتضوها لادارة بلادهم وهي صيغة مستمدة من التاريخ والشرع, وان اي نجاح للمشروع الارهابي التكفيري في العراق معناه الحقيقي التمدد والانطلاق في ساحات اخرى شأنه شأن اي مرض فيروسي خطير!!
تلك الحقيقة الاستراتيجية كانت غائبة عن اذهان الكثيرين من الذين يلوكون الشعارات الوطنية والدينية التدليسية والمزيفة بعد ان بانت الحقائق, وانكشفت همجية وعدوانية اهل الفكر التكفيري, وستكون حرب الوقاية المنطلقة من اقاصي المغرب بداية للكماشة التاريخية التي ستطبق على الارهاب واهله , فمن اقصى الشرق العربي من العراق انطلقت حرب كنس الارهاب وستتعزز بكتائب التنظيف المغربية مما يبشر بكنس الارهاب من عالمنا العربي المسلم , لذلك فان مسؤولية المراجع الاسلامية في تعزيز الوحدة الوطنية ضد الارهاب هي واحدة من اهم المرتكزات في كسب الرهان الحضاري وخنق الهمج والقتلة وخوارج العصر الحديث...
انها معركة حضارية طويلة ستتوج بالنصر لا محالة لقوى الحرية والخير والسلام.
|