طبـاعة


حفـظ


ارسال
الأربعاء 14 شوال 1426هـ - 16 نوفمبر 2005م
تفجيرات عمّان بداية أم نهاية
 

مروان شحادة

لم تكن تفجيرات عمّان في 9/11/2005 حادثاً عرضياً وفكرة طارئة في التفكير الاستراتيجي لتنظيم قاعدة الجهاد في بلاد الرافدين ؛ وفي تفكير زعيم التنظيم أبو مصعب الزرقاوي على وجه الخصوص ، فمن المعلوم أن الزرقاوي آمن منذ البداية عقب انكشاف تنظيم بيعة الإمام عام 1994 في الأردن وبعد خروجه الى أفغانستان عام 1999 وتشكيله معسكر هيرات في أفغانستان بالقرب من الحدود الايرانية ، وانشائه نواة جماعته آنذاك التي كان يطلق عليها اسم " جند الشام " وهي مجموعة سلفية جهادية راديكالية تعمل على الاطاحة بالأنظمة التي توصف بحسب المنهاج الفكري والاعتقادي للجماعة بأنها دول كافرة مرتدة خارجة عن شريعة الاسلام وأن تغييرها يتم عن طريق وحيد وهو الجهاد والقتال ولا مجال معها بالدعوة والاحتساب ، ولا يخفى أن بلاد الشام تضم الأردن وفلسطين وسوريا ولبنان بشكل أساسي ، ويعتبر وحدة جغرافية في الاصطلاح الاسلامي ، وكان الزرقاوي قد أصدر عدة بيانات ورسائل حول معالم الطائفة المنصورة في بلاد الشام ، وقد سانده في هذه الرؤية عددا من كبار منظري السلفية الجهادية في هذه المنطقة وهناك عدة اصدارات لأبي محمد المقدسي ، وأبي قتادة الفلسطيني ، وأبي بصير الطرسوسي ، وكان أبو مصعب الزرقاوي قد اختلف مع أبو عبد الرحمن الأردني ( رائد خريسات ) الذي أنشأ معسكرا في شمال كردستان بالتعاون مع جماعة أنصار الاسلام والذي أطلق هو الآخر على معسكره وتنظيمه اسم " جند الشام " وكان أحد أهم مساعدي الزرقاوي في معسكر هيرات أبو عبيدة ( عبد الهادي دغلس ) قد التحق بهذا المعسكر وقُتِل مع أكثر أعضاء هذه المجموعة في اشتباك مع الجماعات الكردية قبيل احتلال العراق ، وقد شهد الاردن ظهور مجموعة أطلق عليها اسم " جند الشام " عام 2000 ضمت عدداً من أتباع رائد خريسات ، وكذلك عدداً من أتباع أبي مصعب الزرقاوي ، وقد شكل إعلان رائد خريسات عن تنظيم " جند الشام " أهم نقاط الخلاف بين خريسات والزرقاوي الذي كان يرى أحقيته بهذه التسمية كما أنه كان يرى أن الوقت لا يزال مبكرا في الإعلان عن الجماعة ويشكل ذلك خطرا على أنصار واتباع الزرقاوي ، وكذلك على الحركة السلفية الجهادية في هذه البلدان .

وكان الزرقاوي يرى ضرورة التأني في الاعلان عن جماعة " جند الشام " حتى يتسنى له إقامة علاقات وثيقة مع مجموعات السلفية الجهادية في بلاد الشام ( الاردن وفلسطين وسوريا ولبنان ) بالاضافة الى العراق ، وكان معسكره في هيرات يضم عددا من الأعضاء ينتمون الى هذه االبلدان ( مثل أبو الغادية السوري ، وعبدالهادي دغلس ، وخالدالعاروري ، الأردنيان من الاصول الفلسطينية ، وأبو محمد اللبناني من لبنان ) .
ويعتبر معسكر هيرات النواة الاساسية التي شكلت فيما بعد جماعة التوحيد والجهاد الذي أصبح قاعدة الجهاد في بلاد الرافدين .
ولعل أهم نقاط الاستراتيجية لدى الزرقاوي تتمثل في قتال العدو القريب بالدرجة الاولى ثم الانتقال الى العدو البعيد الذي يتمثل في الولايات المتحدة الامريكية واسرائيل ، وشكل احتلال الولايات المتحدة للعراق فرصة ذهبية لتحقيق الاستراتيجية والبدء بتنفيذها ، حيث بقي الزرقاوي يؤمن بقتال العدو البعيد القريب والعدو القريب المتمثل في الحكومات الانتقالية في العراق وكذلك في منطقة بلاد الشام وتعتبر هذه البلدان أهم مخزون بشري يمد شبكة الزرقاوي بالمقاتلين وضم أعضاء جدد ، وتشير المعلومات بأن الزرقاوي تمكن من الدخول الى هذه البلدان والاتصال مع عدد من اتباعه كما أنه تم عمل معسكرات تابعة للتنظيم وخصوصا في سوريا التي تعتبر محطة مهمة لاستقبال ثم ادخال المقاتلين الى العراق وضمهم الى تنظيم القاعدة في العراق ، ومنذ دخول الزرقاوي الى العراق عقب انتهاء العمليات العسكرية الامريكية وانشاء شبكته الخاصة كان يفكر في نقل نشاطه الى دول الجوار وعلى وجه الخصوص بلاد الشام ، وقد أتهم الزرقاوي بأنه يقف خلف مجموعة من العمليات التي حدثت في دول الجوار ، ويعتبر المتهم الرئيسي في اغتيال الديبلوماسي الامريكي لورانس فولي التي تمت عام 2002 ، وفي تفجير مبنى السفارة الاردنية في بغداد 2003 ، كانت أصابع الاتهام تشير الى الاردني أبو مصعب الزرقاوي كما أتهم بانه خلف التفجيرات التي حدثت في العاصمة التركية اسطنبول وقد تم القبض على أكثر من أحد عشر مجموعة وجماعة في الاردن على صلة بالزرقاوي ، وتم إحباط عدة عمليات لتنظيم الزرقاوي داخل الاردن أهمها مجموعة " كتائب التوحيد " في نيسان 2004 بقيادة عزمي الجيوسي والتي كانت تستهدف مبنى المخابرات العامة ورئاسة الوزراء والسفارة الامريكية ، وقد وصفت هذه العملية بالكبيرة ، حيث تم تجهيز أكثر من ثمانين طنا من المتفجرات في هذه العملية .
وتعتبر تفجيرات العقبة التي تمت قبل ثلاثة شهور والتي استهدفت بارجة أمريكية وميناء ايلات الاسرائيلي أول عملية كبيرة نسبيا تنفذها شبكة الزرقاوي وقد جاء المنفذون من العراق ثم عادوا وهم من الجنسية العراقية ، ومن الملاحظ أن الزرقاوي قد استفاد من التجارب السابقة التي أعد لها في الاردن والتي كان يعتمد فيها على خلايا نائمة من أبناء البلد ، والتي فشلت في تنفيذ أي عملية وتمكنت الاجهزة الامنية من أحباط هذه العمليات قبل تنفيذها .
بقي أبو مصعب الزرقاوي وفياً لأفكاره الاساسية التي تؤمن بأولوية قتال العدو القريب المتمثل في بلاد الشام بشكل أساسي وبلده الاصلي بشكل خاص وهو الاردن .
اما بقية بلدان بلاد الشام فقد تمكن الزرقاوي من انشاء علاقات وطيدة مع الجماعات السلفية الجهادية وعمل على تجنيد عدد من أعضائها لشبكته ، وتعتبر فلسطين أحد أهم الدول التي تم التركيز عليها وذلك لوجود الاحتلال الاسرائيلي ، وتشير المعلومات الى وجود وتشكل بعض المجموعات الجهادية السلفية في الضفة الغربية وقطاع غزة وكذلك الخط الاخضر في اسرائيل ، ومن الملاحظ أن القاعدة وجدت صعوبة في الدخول الى الاراضي الفلسطينية في البداية وذلك لوجود حركات جهادية اسلامية ذات طبيعة وطنية كحركتي " حماس " و " الجهاد الاسلامي " إلا أن المواقف الاخيرة التي تضمنت تنازلات اساسية وأخطاء جوهرية جعلت أفكار السلفية الجهادية أكثر قبولا ، ووفرت السياسة الاسرائيلية المتعنتة مناخا مناسبا لنشوء وانتشار السلفية الجهادية في الاراضي الفلسطينية ، وداخل الخط الاخضر على وجه الخصوص بسبب السياسات العنصرية وعمليات محو الهوية العربية الاسلامية الفلسطينية .
ومن المتوقع أن تشهد الاعوام القادمة عمليات عسكرية تحمل نموذج القاعدة داخل اسرائيل وقد بدأت بعض مجموعات السلفية لاجهادية بالاعلان عن وجودها في غزة والضفة الغربية ، وتعتبر ألوية الناصر صلاح الدين قريبة من هذا الاتجاه .
وقد جاءت تفجيرات عمّان الأخيرة والتي استهدفت ثلاثة فنادق بشكل متزامن بعد فترة وجيزة من إعلان أبو مصعب الزرقاوي من توسيع نطاق الاشتباك ونقل المعركة الى دول الجوار وهو التعبير الامثل لعولمة الجهاد وعالميته بحسب الزرقاوي .
وكما هو متوقع فإن استراتيجية الاستنزاف وتكتيكات الرعب التي يعتمد عليها الزرقاوي تعتمد على العمليات الانتحارية – الاستشهادية – بشكل أساسي وهو ما حدث فعلا في تفجيرات عمّان ويمكن القول بأن الزرقاوي بعد أن كان يعتمد في شبكته على مجموعة من العناصر من المتطوعين العرب بشكل أساسي وخصوصا دول الجوار ( السعودية ، الاردن ، سوريا ، لبنان ، فلسطين ) إلاّ أن نهاية عام 2004 شهدت تحولا جذريا في بنية العضوية لتنظيم قاعدة الجهاد في بلاد الرافدين ، فبعد أن كان المتطوعون العرب يشكلون أكثر من 90 % من كتيبة الاستشهاديين (البراء بن مالك ) والباقي من العراقيين ، انقلبت الصورة تماما وأصبحت الغالبية العظمى من شبكة الزرقاوي في العراق تتكون من العراقيين .
وقد تم الاعلان عن قادة اللجان وهي عراقية بالكامل ، حيث تم تعيين أبو عبدالرحمن العراقي نائبا لأمير التنظيم ، كما تم تعيين أبو أسيد العراقي أميرا للجناح العسكري ، وأبو ميسرة العراقي مسؤولا عن القسم الاعلامي للتنظيم ، وأبو حمزة البغدادي مسؤولا للهيئة الشرعية للتنظيم .
ومن هنا فقد كان متوقعا أن يكون جميع منفذي تفجيرات عمان من العراقيين ، وهي المرة الثانية التي يستخدم فيها العنصر النسائي في مثل هذه العمليات .

عودة للأعلى